وقفة

مرحب شهر الصوم

أسامة شلش
أسامة شلش


روح رمضان تلمسها فى شوارع وأزقة وحارات وميادين مصر، وتلمسها فى الاستعدادات التى تجرى داخل محلات بيع مستلزمات رمضان من الياميش

أحلى ما فى شعب مصر أنه يعيش أجواء شهر رمضان المبارك بداية من شهرى رجب وشعبان على التوالى، يبدأ الاستعداد منهما لاستقبال شهر الصوم، بترديد ما تربينا عليه وسمعناه على مدار عمرنا من أغان ارتبطت برمضان، وهى للمطرب الشعبى محمد عبد المطلب، وهو يقول: «رمضان جانا»، أو المبدع عبد العزيز محمود، وهو يقول: «مرحب شهر الصوم مرحب».
جولة فى شوارع مصر، فى أى مكان، وفى أى وقت صباحاً ومساءً، وعلى مدى الـ٢٤ ساعة كاملة، تدرك فيها أصالة هذا الشعب وتمسكه بثوابته، خاصة الدينية. ومظاهر الاستعداد لرمضان فى مصر قد لا تجدها فى أى شعب إسلامى آخر، صحيح لكل منها طابعه الخاص، ولكنها فى مصر تكتسى بروحانيات واستعدادات كبرى تفوق أى مكان آخر، بل قد لا تتوافر بما عندنا منذ منتصف رجب، وفى مناطق الحسين والسيدة وتحت الربع والعتبة والموسكى، ونفس الشيء فى كل المحافظات، بدأت المحلات تعرض فوانيس رمضان، وهو عادة توارثها المصريون منذ عهد الفاطميين مما يقارب حوالى ألف عام، وبالتحديد عام ٣٥٨هجرية، عندما خرج المصريون لاستقبال الخليفة المعز لدين الله الفاطمى، حيث أمر القائد فى ذلك الوقت جوهر الصقلى، الذى أسس القاهرة فيما بعد، بإضاءة الشوارع والمساجد والمنازل بالفوانيس، وأن يطوف الأطفال بها فى أنحاء البلاد، فرحاً بقدوم الوالى. ومع مرور الزمن تتحول الفوانيس من وسيلة للإنارة والإضاءة، إلى رمز للبهجة، وارتبطت بشهر رمضان، وبأغانٍ صارت علامات لقدوم شهر الصوم حتى يومنا هذا، فقد كان الأطفال يحملون الفوانيس ويرددون من التراث الشعبى: «وحوى يا وحوى»، وهى عبارات فرعونية كما أثبت التاريخ. وارتبط الفانوس برمضان، وصار إحدى علاماته. والجميل وأنت ترى ذلك أن الفانوس المصرى المصنوع من الزجاج والصفيح، اختفى بفعل فاعل ليحل محله الصينى البلاستيك على مدى عدة سنوات، والغريب عنا!.. ولكن سرعان ما عاد فانوسنا للساحة ليفرض نفسه باعتباره أحد معالمنا.
روح رمضان تلمسها فى شوارع وأزقة وحارات وميادين مصر، وتلمسها فى الاستعدادات التى تجرى داخل محلات بيع مستلزمات رمضان من الياميش، أو فى شراء ما يلزم للبيت استعداداً للصوم، كما تلمسها فى محلات بيع المخلل أو الطرشى البلدى الذى تتميز به مصر، أو فى محلات بيع الفول أو الزبادى، والتى أعلنت حالة الاستعداد القصوى لتوفير متطلبات الصائمين.
أما أحلى ترحيب من المصريين بشهر الصوم فهو تلك الزينات التى تكتسى بها الشوارع أمام المنازل، أو فى كل المساجد، بالإضاءات ذات الألوان المختلفة، وكأننا فى كرنفال يستمر ثلاثين يوماً.


صحيح احتفالنا بقدوم رمضان وحسن استعدادنا له شىء جميل، ولكن تلك الروح التى يتمتع به المصريون فى التآخى والشعور ببعضنا البعض شىء رائع، سواء فى موائد الرحمن التى لا تخلو منه منطقة أو شارع، تعد بأجود الطعام، وبسخاء لإفطار الصائمين، ويجب أن نؤكد أنها لإفطار الصائم وليست لإفطار الغلابة. كذلك تلك الروح المصرية التى تلمسها من القادرين على توفير ما نطلق عليه مجازاً شنطة أو كرتونة رمضان، لتوزع على غير القادرين، وكم تفرح تلك العادة المصرية آلاف الأسر فى صورة رائعة من التكافل.


رمضان فى مصر للأمانة حاجة تانية، فرحة وروحانية وعادات ومواريث منذ القدم، وعلى كل المستويات، ولا يرتبط الإحساس برمضان بسن، يبدأ من الطفولة وحتى من بلغ من العمر الكثير.
اللهم بلغنا رمضان، واجعلنا من صوَّامه وقوّامه، وممن يرجون فيه رحمتك وعفوك ورضاك.