«بالألوان» : أحمد رجب صقر.. لغة الوجوه بين الغموض والتأويل

لوحة للفنان أحمد رجب صقر من معرضه «ألف وجه ووجه»
لوحة للفنان أحمد رجب صقر من معرضه «ألف وجه ووجه»


يكتبها: د.طارق عبد العزيز

الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله..

يرى الفيلسوف الألمانى جورج زيمل (1858-1918) أن الوجه ليس مجرد سمة بيولوجية، بل هو سطح رمزى للتفاعل الاجتماعى، تتجلى عليه أدق أشكال التواصل غير اللفظى، فالوجه بتعابيره ونظراته وحركاته الدقيقة يعمل كوسيط فورى بين الفرد والآخرين، ويكشف عن المشاعر والمواقف والانتماءات، حتى قبل أن تُنطق الكلمات العابرة، ومن هذا المنظور، يصبح الوجه مجالًا للتفاوض الاجتماعى، تقرأ من خلاله القبول والرفض، الهيمنة والخضوع، القرب والمسافة، وهو ما يجعل التفاعل الإنسانى قائمًا على ما هو مرئى بقدر ما هو منطوق.
ألف وجه ووجه
من هذا المنطلق جاءت فكرة معرض الفنان أحمد رجب صقر تحت عنوان «ألف وجه ووجه»، والمقام حاليًا بجاليرى المشهد بالزمالك، حيث يتعامل الفنان مع الوجه بوصفه حقلًا بصريًا للتفاعل الإنسانى، لا مجرد ملامح ثابتة، فالوجوه فى المعرض تتجاوز حدود البورتريه التقليدى لتتحول إلى مساحات مشحونة بالدلالات النفسية والاجتماعية، تعكس حالات من التوتر، والاغتراب، والتأمل، والبوح الصامت.
يستدعى صقر، عبر أدواته المعتادة من ألوان الأكريلك ورمال الساحل الشمالى، مفهوم التعدد بوصفه مدخلًا بصريًا وفلسفيًا لقراءة الإنسان المعاصر، وهو ما يتكثف دلاليًا فى عنوان المعرض «ألف وجه ووجه»، فالعنوان لا يحيل فقط إلى الكم، بل إلى اختلاف الوجوه بوصفه اختلافًا فى الخبرات والتمثلات والهويات، كل وجه هنا يبدو كيانًا قائمًا بذاته، يحمل أثر تجربة فردية خاصة، لكنه فى الوقت نفسه منغرس داخل نسيج اجتماعى أوسع، تحكمه علاقات التجاور والتصادم والتنافر.
استعارة بصرية
فى هذا السياق، تقترب تجربة صقر من تصور جورج زيمل للوجه باعتباره سطحًا للتفاعل الاجتماعى، إذ لا تقدم الأعمال أفرادًا معزولين، بل شذرات من مجتمع كامل، تتقاطع فيه النظرات دون أن تلتقى، وتجاور فيه الذوات بعضها بعضًا دون تواصل حقيقى، وهكذا يتحول الوجه من صورة شخصية إلى علامة اجتماعية تكشف عن توتر العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الرغبة فى التفرد وضغط التشابه، وبذلك ينجح المعرض فى جعل «ألف وجه ووجه» استعارة بصرية لزمن تتكثف فيه العلاقات شكليًا، بينما تتآكل حميميتها إنسانيًا، ليغدو الوجه مرآة مزدوجة تعكس الذات والآخر، الحضور والغياب، فى آن واحد.
وجوه أحمد صقر، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل فى طياتها غموضًا ودلالات متعددة، فهى ليست مجرد تصوير للملامح، بل حوارات بصرية مفتوحة مع المتلقى، حين يقوم صقر بتجريد الوجوه إلى مساحات تجريدية وكتل هندسية، لا يفقد العمل حيويته، بل على العكس، تصبح هذه الكتل بمثابة أطر رمزية تسمح للمشاهد بالغوص فى عالم متشابك من الأسرار والحكايات الشخصية والجماعية.
الذات والمتلقى
كل خط، وكل ظل، وكل مساحة لونية، تضيف طبقة من المعنى، تجعل كل وجه كائنًا قائمًا بذاته يحمل سردية خاصة، لكنه فى الوقت ذاته جزء من نسيج اجتماعى أوسع.
يزيد من هذا التعدد الرمزى وجود عبارات مكتوبة بالخط الثلث الرشيق المدمجة مع اللوحات، والتى تشمل بعض الأبيات الشعرية لأبى الطيب المتنبى، وأبى فراس الحمدانى، وصباح فخرى، وآخرين.. هذه الإضافات لا تضفى جمالًا زخرفيًا فحسب، بل تفتح بعدًا جديدًا للقراءة البصرية، حيث يتحول الخط إلى رمز للحوار بين الصورة والنص، بين المرئى والمقروء، وبين الذات والمتلقى، ومن خلال هذا التفاعل، تصبح الوجوه مساحات تأويلية مفتوحة، تتقاطع فيها الخبرات الفردية والذهنية مع الانطباعات الاجتماعية والثقافية، ويصبح المشاهد شريكًا نشطًا فى عملية التفسير وإعادة البناء المعنوى، مما يعزز الغنى الرمزى والعمق النفسى والفلسفى للأعمال.
ويجدر بالذكر أن صقر يرسل تحية للفنان عبد الهادى الجزار من خلال إعادة صياغة لوحته الشهيرة «المجنون الأخضر»، وكأنه يؤكد على لغة الوجوه كوسيلة اتصال تتجاوز الزمن والأساليب الفنية.. هنا، تتحول الإشارة الفنية إلى حوار بين الأجيال الفنية، حيث تتلاقى خبرة الجزار ورؤيته الرمزية مع لغة صقر البصرية المعاصرة، لتؤكد أن الوجه ليس مجرد ملامح، بل أداة للتواصل والتفاعل الفنى بين الفنان والمشاهد، وبين الفنانين أنفسهم.
فى النهاية، يمكن القول إن تجربة صقر تؤكد على الوجه كسطح للتفاعل الاجتماعى، كما يرى جورج زيمل، لكنها تتجاوز ذلك لتخلق عالمًا بصريًا متعدد الطبقات، يستطيع المتلقى من خلاله أن يقرأ الهوية، الغموض، والصراعات الداخلية للإنسان المعاصر، فى زمن تتشابك فيه العلاقات الاجتماعية وتصبح معانيها أكثر تعقيدًا وتشابكًا.