تساؤلات

صغيرا بما يكفى

أحمد عباس
أحمد عباس


كنت صغيرًا ربما لما تبعت فنانًا كبيرًا فى كل حفلاته من هنا إلى هناك ومن أقصى البعيد إلى البعيد كأننى درويش

كنت صغيرا بما يكفي، صغيرا جدا لدرجة جعلتنى أظن حينها أن هناك بعض المسلَّمات بالبديهة، مثلا..

أن الاجتهاد بالضرورة يخلق نجاحا وأن الأغبياء لا يلمعون أبدا وأن الأذكياء يتقدمون دائما والكسالى لا حيلة فيهم والمهرة ينبغى لهم أن يتقلدوا من المهام أرفعها وأخطرها.

كنت صغيرا بما يكفى لأعتقد أن السيستم لا يقع أبدا، وأن المدرس الذى دخل لنا الحصة الاحتياطية بسبب غياب ميس وفاء هو من فصل الأعداء الذين يتآمرون على فصل «تالتة أول» لإفشالهم بينما لا واحد بينهم من العشر الأوائل أصلًا.

صغيرا أيضا بما يكفى كنت لأصدق فى أن كل قائدى السيارات يعرفون كيف هى القيادة وبأن التوكتوك مصيره إلى زوال وبأن بائع الكشك سيقلع عن رفع سعر علبة السجائر الواحدة كيفما يشاء عقب كل زيادة رسمية، ولأصدق أيضًا فى صورة رجل «كاوبوي» الذى روج للتدخين فى الدنيا بينما كان لا يدخن إطلاقًا.

صغيرا كنت بما يكفى لأظن أن عدم حبى للشيكولاتة بالبديهة يقلل سعرها، وأن حبى للملح أكثر من السكر كفيل بأن يقضى على مرض «السكري» فى العالم ويحبط حملات مافيا شركات الأدوية فى الدنيا.

صغيرا أيضًا لما صدقت أن كوبرى أكتوبر حارتين لا ثالث لهما بينما تتسع المساحة إلى ثلاث سيارات وموتوسيكل وربما «تُمناية» تخترق الصفوف.

كنت صغيرًا وقتئذ لما فكرت أن القوى العظمى بالضرورة تحترم الدول الصغيرة لمجرد أنها تلتزم بالقانون الدولى وتسير كما يقول الكتاب فى صفحة احترام السيادة والتقاليد والأعراف، أما الدرس الذى حفظته لى «ميس أمل» عن دور منظمة الأمم المتحدة فى حماية الدول والشعوب فقد ندمت جدًا أننى كنت صغيرًا ولهذا صدقته.

ربما المسألة تتعلق ببراءة التجربة وندرتها أو بنضارة الروح والبشرة وصفاء النفس ونداوة الحلم والاعتقاد فى القدرة على تحقيق الآمال فى غمضة عين، ذلك كله صدقته لأننى كنت صغيرًا بما يكفى لأصدقه.

كنت أصدق جدا من يمدحنى وأصدق بنفس القدر من يفعل العكس، ومع الوقت فهمت أن لا هذا صديق ولا ذاك صادق، كلاهما اعتاد ما يفعل فحسب فلا يهمه من يسب أو لمن يصفق، هو فعل لم يتعلم غيره فقط ويرتاح لتكراره دون التثبت فيمن يمدح أو يقذف.

كنت صغيرًا أيضًا لما خرجت من المسجد بعدما تبتلت فى حجر جلباب أبى فى صلاة جمعة، هززت رأسى يومها عشرات المرات للإمام أننى أفهم بأن كل الذين يقعدون إلى جوارى هم طائعون ومطيعون، ولما خرجت لأبحث عن حذائى الجديد فلم أجده.

كنت صغيرًا ربما لما تبعت فنانًا كبيرًا فى كل حفلاته من هنا إلى هناك ومن أقصى البعيد إلى البعيد كأننى درويش، ثم لما كبرت وحالفنى الحظ لأجرى حوارا صحفيًا معه أحبطت جدا عقبه وأقسمت على أننى لن أجرى حوارا صحفيا مع شخص أحب أو أثق به أمام الكاميرا والجمهور.

كنت صغيرًا للغاية لما صدقت بأننى أستطيع تغيير الواقع الشاسع بينما أنا لا أفهم شيئا عن معنى القوة والقدرة والقدوة والسطوة والغنى.

كنت صغيرًا لما بدأت الإنترنت فى العالم وشربت مسميات قاصرة جدًا منها مثلًا أن المعرفة هى الهدف والعلم هو السلاح والغنى غنى النفس والقناعة كنز لا يفنى، ثم لما كبرت عرفت أن كل الذين تحدثوا عن القناعة والرضا كانوا بين اثنين لا ثالث لهما أما أغنياء جدًا أو فقراء للغاية ولا يملكون شيئا.

ذلك كله أدركته الآن لما كبرت، وأظن أننى لما يمضى بى العمر أكثر وأعاود قراءة ما سبق، سأقول: ياااه كنت صغيرًا جدًا.