فى أمريكا .. جرائم الضباط تمر دون عقاب

الضحية رينيه جود
الضحية رينيه جود


  احتجاجات عاصفة تزداد غضبًا واتساعًا يومًا بعد الآخر، تتكرر الاحداث التي تؤجج نار الغضب لتمتد إلى ثورة عارمة ضد سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب، وتحديدًا في ملف الأمن والهجرة يتهمون شرطة الهجرة والجمارك (ICE) بتجاوز كافة الحدود لتصل إلى حد قتل ضحيتين في شهر واحد دون محاسبة مرتكبيها من عناصر الشرطة ممن يتمتعون بالحصانة الكاملة دون رقابة أو حساب.

شهدت عدد من المدن والولايات الأمريكية سلسلة احتجاجات عنيفة نتجت عن غضب شعبي واسع ضد سياسات إدارة ترامب بسبب التوسع في عمل إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) واستخدام العنف المميت لعناصرها خلال المداهمات ومطاردة المهاجرين غير الشرعيين بالإضافة إلى حماية الضباط من أى محاسبات قانونية حقيقية أو رادعة لتتسبب في حالة ثورة وليس مجرد احتجاج عابر.

قتل ضحيتين

بدأت الأحداث عقب مقتل الأمريكية رينيه جود في 7 يناير على يد ضابط من عناصر إدارة الهجرة، وحملت واقعة القتل العديد من التجاوزات وازدادت الامور سوءًا بتكرار الحادث حيث لقى مواطن أمريكي ثان مصرعه على يد عناصر الهجرة في 24 يناير، وبعدها انطلقت الاحتجاجات في مينيابوليس، لوس أنجلوس، شيكاغو، ونيويورك.

نبدأ بتفاصيل الحادث الاول وتداعياته العاصفة التي تمتد حتى الآن بالرغم من مقتل الأمريكية رينيه جود في السابع من يناير على يد ضابط فيدرالي أطلق النار على رينيه جود وهى ام لثلاثة اطفال، وتعمل كمراقبة قانونية وعملت على تغطية وتصوير العملية الأمنية لضباط الهجرة وقت مقتلها، كانت تقود سيارتها في مينيابوليس لتسقط ضحية إطلاق النار في سيارتها، قاد الحادث نحو تصعيد خطير، اثار الجدل والغضب نحو عناصر إنفاذ قوانين الهجرة في المدن الأمريكية الكبرى ممن امتدت تجاوزاتهم في العامين الأخيرين، حيث اتهمهم اغلب سكان المدينة باستهداف المهاجرين والجاليات ذات الاصول الافريقية بعنف، وتعد رينيه جود خامس ضحية على الأقل في الولايات الأمريكية منذ عام 2024.

اتهامات باطلة

تسترت جريمة الضابط الفيدرالي القاتل وراء ادعاء شرطة الهجرة بمحاولة الضحية رينيه جود دهس عناصر الشرطة وهو الامر الذي نفته مقاطع الفيديو الاخيرة في حياة رينيه، كشفت التقارير هوية الضابط القاتل في إدارة الهجرة والجمارك ليتحول إلى رمز جديد لغضب المحتجين ويدعى جوناثان إي. روس، 43 عاما، هو عميل في عمليات الإنفاذ والإزالة ومحارب قديم في العراق، وبالرغم من عمله ضمن قوات الهجرة لمكافحة المهاجرين غير الشرعيين إلا انه متزوج من امرأة فلبينية مهاجرة كما جاء في التقارير الصحفية.

 دافعت وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم عن الضابط جوناثان؛ لتتهم الضحية بارتكاب عمل إرهابي داخلي مدافعة عن ضابط إدارة الهجرة والجمارك مؤكدة أنه اضطر إلى تصعيد الموقف بسبب خوفه على حياته وحياة زملائه وسلامة الجمهور عبر طلقات دفاعية، بينما نفى حاكم المدينة تلك الرواية، وتداول الكثيرون فيديو للواقعة تظهر فيه جود وهى ترجع بسيارتها للخلف لتعود إلى الطريق بينما يحاول أحد العملاء فتح مقبض باب السائق قبل أن تنطلق ثم دوت ثلاث طلقات نارية، فقدت الضحية السيطرة على سيارتها واصطدمت بسيارات متوقفة وعمود إنارة بسرعة عالية، لتثير صدمة وصرخات المارة المذعورين.

استقالة المحققين

اثار الحادث موجة عنيفة من الغضب خاصة بعد انتشار فيديوهات جريمة قتل رينيه جود، فتح مكتب التحقيقات الفيدرالي تحقيقًا للحقوق المدنية ضد الضابط جوناثان روس، قاتل رينيه جود، وأثار التحقيق مفاجأة أو صدمة حيث لم يستمر طويلا بل  انتهى باستقالة تريسي ميرجن المحققة الفيدرالية المسئولة عن التحقيق، حيث كانت تعمل في البداية بالتنسيق مع مكتب مينيسوتا للتحقيقات الجنائية، وشرعت في فتح التحقيق المختص بانتهاك الحقوق المدنية، إلا أنها تلقت اوامر بإعادة تصنيف القضية لتصبح تحقيقا في واقعة اعتداء كما تم استبعاد مكتب مينيسوتا للتحقيقات الجنائية ومنعه من المشاركة في التحقيق، امتدت ادعاءات وزارة الأمن الداخلي لتشير إلى أن جود كانت تستخدم سيارتها كسلاح في محاولة لإيذاء الضباط، كما ظهر نائب المدعي العام لوزارة العدل، تود بلانش، ليؤكد أن واقعة إطلاق النار لا تستدعي فتح تحقيق فيدرالي.

استمرت تداعيات القضية باستقالة عدد من المدعين الفيدراليين في ولاية مينيسوتا احتجاجا على طريقة تعامل وزارة العدل مع التحقيق في مقتل رينيه جود، واثارت تلك التداعيات موجات غضب واسعة تنديدًا بعمليات إدارة الهجرة والجمارك ودوريات الحدود داخل المدن، كما شهدت مدينة مينيابوليس، إضرابًا عامًا ومظاهرات حاشدة شارك فيها عشرات الآلاف.

قتل فيدرالي

مر مقتل رينيه جود دون ردع أو حساب لتليها جريمة قتل ثانية على يد عناصر إنفاذ الهجرة في مينيابوليس خلال شهر واحد، الضحية الثاني يدعى أليكس جيفري بريتي، 37 عاما، موظف لدى نظام الرعاية الصحية للمحاربين القدامى، ويعمل ممرضا بالعناية المركزة، وهو مواطن أمريكي وله تصريح قانوني لحمل سلاح، لقى مصرعه برصاص عناصر حماية الحدود وسط احتجاجات الهجرة في مينيابوليس في 24 يناير 2026.

اشارت التقارير الاعلامية والأمنية إلى أن الضحية اليكس بريتي لم يكن مطلوبًا أو موضع تحقيق جنائي قبل الحادث ولا يحمل أى شبهات جنائية على الإطلاق، وقع الحادث الثاني ايضا ضمن حملة فيدرالية تعد من أكبر العمليات التي شنتها قوات إنفاذ قوانين الهجرة في الولايات الأمريكية، أطلقتها الإدارة الأمريكية في أواخر 2025 لتشديد الرقابة في مناطق مثل مينيابوليس وسانت بول، وهدفت تلك الحملات الى اعتقال آلاف الأشخاص، ونشر قوات حدودية وفيدرالية بكثافة لتتسبب في اندلاع موجات احتجاجية واسعة.

هاتف دون سلاح

أشارت الشرطة إلى أن الضحية اليكس كان يصور بهاتفه عناصر الشرطة الفيدرالية أثناء تنفيذ احدى عملياتها أثناء مروره في الشارع وكان يحاول مساعدة المتظاهرين أو تنظيم مرورهم دون الاعتداء على أحد، في الوقت الذي دفع احد الضباط سيدة على الارض ليقف اليكس بينهما محاولا الدفاع عن السيدة وحاول حمايتها مما دفع عناصر أخرى للتدخل بقوة.

أظهرت الفيديوهات عناصر فيدرالية وهم يضغطون على أليكس ويطرحونه أرضا، وأخذ أحدهم سلاحه القانوني منه قبل إطلاق النار عليه والذي امتد لحوالي 10 طلقات في أقل من 5 ثوان، ومرت دقائق قليلة لتعلن الشرطة عن مقتل اليكس في مكان الحادث، وكشفت لقطات الفيديو أن الضحية لم يحمل سلاحًا في يده وانما كان يحمل هاتفه فقط دون ظهور أى سلوك عدائي، وهو ما يكذب ادعاء المسئولين أن وجود السلاح سبب إطلاق النار.

احتجاجات وانقسامات

لم يعلن مكتب الطب الشرعي رسميًا تفاصيل او سبب الوفاة إلا بعد إرسال تقرير فيدرالي إلى الكونجرس يؤكد أن عنصرين من حرس الحدود أطلقا النار على ضحية، واستعانت عائلة الضحية أليكس بمحامي بارز شارك في قضية خطيرة سابقة وهى محاكمة الشرطي المسئول عن مقتل جورج فلويد في محاولة للتوصل إلى مساءلة قانونية كاملة.

أشعل الحادث الثاني موجة احتجاجات أكثر غضبًا واتساعًا حيث تجمع مئات المتظاهرين في وقفة حداد في مينيابوليس امتدت الى ولايات أخرى احتجاجا على عنف إنفاذ الهجرة الأمريكية، وعلى المستوى السياسي تسبب في انقسام حاد بين المسئولين الفيدراليين والمحليين حول ما إذا كان إطلاق النار مبرر أم يحمل فرطا كاملا للقوة؟

تجاوزات سابقة

قتل الضحيتين لم يكن تجاوزات نادرة أو محدودة لإدارة الحدود والهجرة وانما تحمل سجلات شرطة الهجرة العديد من التجاوزات؛ حيث سجلت عشرات الوفيات داخل مراكز احتجاز إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، أغلب الضحايا من أصول لاتينية ومهاجرين غير موثقين، وادعى المسئولون وفاتهم بسبب أزمات صحية مفاجئة إلا أن التحقيقات الصحفية كشفت تعرضهم لإهمال طبي وتأخير الإسعاف وتعرضهم لظروف احتجاز غير إنسانية ولم تنته أى قضية بمحاسبة جنائية حقيقية بالاضافة إلى تطبيق سياسة فصل الأطفال عن أهاليهم منذ عام 2018 حيث تم فصل آلاف الأطفال عن أسرهم على الحدود وتم احتجازهم في أقفاص ومراكز احتجاز لفترات طويلة وتعرضوا لفقد أوراقهم الرسمية وسجلاتهم كما فقدوا اماكن ذويهم لسنوات ليتهم الامريكيون شرطة الهجرة بالخروج عن أي رقابة او قيود أخلاقية أو قانونية حيث نفذت مداهمات في المنازل وأماكن العمل وامام المدارس تبعًا للاختيار العرقي وجمع معلومات غير دقيقة تتسبب في إصابة مجتمعات كاملة بخوف دائم وتجنب الشرطة وعدم الإبلاغ عن الجرائم، وتنتهي التجاوزات عادة بتبرئة الضباط وغلق التحقيق واتهام ضحايا الشرطة بالباطل.

مطالب المحتجين

حملت شعارات وعبارات المتظاهرين اتهامات واضحة واعتراض على التدخل السياسي لادارة ترامب بالاصرار على عدم تطبيق القانون على شرطة الهجرة عبر تفعيل سياسة الحماية الكاملة لرجال إنفاذ الهجرة وخاصة بعد وصف ادارة ICE ودوريات الحدود بأنهم خط الدفاع الأول عن أمريكا، وامتدت الى حد تنظيم إضرابات عامة، وربط قضية الهجرة بمعايير العدالة العرقية والتعليم والأمن المجتمعي وحقوق الإنسان، وطالب المحتجون بمحاسبة قانونية حقيقية لعملاء الهجرة، وإنهاء الحصانة السياسية عنهم، وكذلك وقف المداهمات داخل المدن، وفتح تحقيقات حقوق مدنية مستقلة، وامتدت المطالبات بتفكيك أو إعادة هيكلة ادارة الهجرة، وحماية المهاجرين داخل المدارس والجامعات.

اقرأ أيضا: ضباط إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية يعتقلون أكثر من 650 مهاجرا غير شرعي

;