مذكرات «كامالا هاريس» المرشحة المنافسة لترامب: حرب غزة ليست مجرد عنوان بل مرآة نرى فيها أنفسنا

صورة للمناظرة  بين  كامالا وترامب - صورة للقاء كامالا مع نتنياهو
صورة للمناظرة بين كامالا وترامب - صورة للقاء كامالا مع نتنياهو


حاولت «كامالا هاريس» المرشحة الخاسرة لانتخابات الرئاسة الأمريكية فى مذكراتها التى صدرت شهر سبتمبر الماضى بعنوان «107 أيام» أن تغسل يدها من فشلها فى وقف حرب الإبادة على غزة، وعملت على تحميل هذا الفشل للرئيس السابق جو بايدن، لكن محاولتها - فى المذكرات مسك العصا من الوسط بالمواءمة بين حرصها على عدم إغضاب اللوبى الصهيونى بأمريكا وفى نفس الوقت عدم استفزاز الشباب الأمريكى الغاضب بسبب المعاناة المروعة للفلسطينيين بغزة - باءت بالفشل فخسرت الاثنين، الأصوات اليهودية ودعم الشباب والتيار التقدمى.

شعرت من لقاء نتنياهو أن إنقاذ حكومته أهم من إنقاذ الأرواح

المذكرات السياسية لا تُكتب عادةً فى أعقاب الهزيمة مباشرة، فالقاعدة غير المعلنة فى السياسة الأمريكية أن ينتظر السياسى المهزوم سنوات، يعيد خلالها ترتيب روايته وحساباته، كى يخفف من حدّة الجراح، ثم يقدّم سردًا «ناضجًا» يوازن بين الاعتراف بالأخطاء والدفاع عن النفس، لكن «كامالا هاريس» نائبة الرئيس السابق «جو بايدن»  كسرت هذه القاعدة، فى كتابها «107 أيام» (عدد أيام حملتها الانتخابية) اختارت هاريس أن تكتب من داخل الصدمة، لا بعدها، وأن تروى تجربتها فى أقصر حملة خاضها مرشح رئاسى فى تاريخ أمريكا: من لحظة انسحاب «بايدن» فى 21 يوليو 2024، حتى ليلة الخسارة أمام «ترامب» فى نوفمبر من العام نفسه، وقد أوقعتها هذه العجلة فى تناقض شديد عند تعاملها مع حرب الإبادة على غزة، فهى تنتقد سياسات وتصريحات «بايدن» المتعلقة بالحرب: «ناشدت «جو» عندما تحدث علنًا عن هذه القضية، أن يمتد نفس التعاطف الذى أظهره لمعاناة الأوكرانيين إلى معاناة المدنيين الأبرياء فى غزة، لكنه لم يستطع فعل ذلك»، وهكذا تتهم «هاريس» «بايدن» بأنه قادر على التعبير بقوة عن دعمه «لأوكرانيا»، لكنه عندما يتعلق الأمر بالمدنيين الفلسطينيين فى غزة يكون صوته «غير كافٍ بل بصوت منخفض» وتكمل إن تصريحاته حول الفلسطينيين الأبرياء «بدت غير كافية ومصطنعة»، لكنها تناصر إسرائيل وتصطف بجوار ادعاءاتها.

تعاطف متناقض

وفى بعض صفحات الكتاب يظهر تعاطفها مع الفلسطينيين فى غزة ثم لا تلبث أن تتدارك ذلك فى صفحات أخرى فتكتب: منذ الأيام الأولى للحرب، كنت أعلم أن غزة لن تكون مجرد عنوان فى نشرة الأخبار، بل ستكون مرآة نرى فيها أنفسنا: من نحن، وما الذى نقبله، وما الذى نصمت عنه»: وفى موضع آخر تعترف بأن الصمت أو اللغة الرمادية لم تعد مقبولة «عندما يصبح عدد الأطفال القتلى رقمًا يتكرر فى التقارير اليومية، فإن المشكلة لا تكون فى نقص المعلومات، بل فى غياب الشجاعة السياسية» ثم تعود لتدافع عن حق إسرائيل فى الرد على هجمات السابع من أكتوبر.  

وبعدها ترجع للاعتراف بأن إجاباتها غير الحاسمة حول ما كانت ستفعله لو كانت رئيسة خلال الحرب على غزة كان لها تأثير سلبى على حملتها الانتخابية فتقول« أجبتُ سابقًا بأنه لم أكن لأفعل أى شىء مختلفًا عن «بايدن»، وأعتقد الآن أن تلك الإجابة كانت خطأ سياسيًا»، هذا التصريح الوارد بالكتاب يكشف جانبًا من انتقادها للرواية الرسمية الأمريكية حول الحرب لأنها لا تعكس بشكل كافٍ الروح الإنسانية تجاه معاناة السكان فى غزة، لكنه اعتراف جاء فقط لأنها خسرت سباق الرئاسة ولو كانت قد فازت لاستمرت فى نفس السياسات التى يتبعها دونالد ترامب، لكن فقط كان أسلوبها- كديمقراطية- سيكون أهدأ.
مسك العصا

الواضح فى كل الأحوال أن ذلك كان محاولة من هاريس لمسك العصا من الوسط، فهى تبيح لإسرائيل الرد على هجمات 7 أكتوبر ثم تعود لتتباكى على بشاعة الرد «أعتقد أن إسرائيل كانت محقة فى ردّها على فظائع السابع من أكتوبر 2023، لكن وحشية رد «نتنياهو» وفشله فى إعطاء الأولوية لحياة الرهائن أضعفت مكانة إسرائيل الأخلاقية دوليًا »، لكن ترددها فى دعم الفلسطينيين أظهرته بشكل وقح حين رفضت ظهورأقارب ضحايا غزة من الأمريكيين من أصل فلسطينى على منصة المؤتمر العام للحزب الديمقراطى.  

من هنا جاء تناولها لكل من علاقاتها بإسرائيل ومعاناة الغزيين كمحاولة لعدم إغضاب الأصوات اليهودية المؤثرة فى الانتخابات وفى نفس الوقت تجنب إغضاب الشباب الأمريكى والتيار التقدمى الذى اشتعلت مظاهراته فى الجامعات احتجاجا على الإبادة الجماعية بغزة، لكنها لم تستطع كسب هذا أو ذاك، لذا تربط هاريس فى الكتاب بين العدوان على غزة وتأثيره على حملتها الرئاسية، وتقول إن «موقف إدارة «بايدن» من الحرب على غزة أسهم فى نفور واسع بين الناخبين التقدميين والشباب» هذه الصياغة تظهر كيف حولت حرب غزة القضية الفلسطينية من معضلة خارجية بحتة إلى عامل انتخابى داخلى مؤثر، كما عكست التوتر الداخلى فى البيت الأبيض حول كيفية التعامل مع هذه الحرب، لذلك جاء «107 أيام» ليس فقط كشهادة سياسية على عام من المراوغات بين الحديث عن دعم إسرائيل من ناحية والتحدث عن معاناة المدنيين فى غزة من ناحية أخرى، لكنه جاء بمثابة وثيقة تعبر عن أزمة حقيقية: أزمة قيادة، وأزمة حزب، وأزمة نظام ديمقراطى يتآكل من الداخل إذ يقول ما لا يفعل فيما يتعلق بالفلسطينيين ويقول ويفعل إذا تعلق الأمر بمصلحة إسرائيل.

حرب غزة

وتوضح هاريس أن حرب غزة كشفت عن تباينات عميقة داخل الحزب الديمقراطى وعكست هذه التباينات وجود ثلاث كتل رئيسية داخل الحزب هي: 

* التيار المؤسسى التقليدي: يرى ضرورة الحفاظ على الدعم الاستراتيجى لإسرائيل بوصفها حليفًا تاريخيًا مع معالجة القضايا الإنسانية عبر القنوات الدبلوماسية.

* التيار التقدمي: يطالب بموقف أكثر صرامة تجاه الانتهاكات الإنسانية، ويربط السياسة الخارجية بقيم العدالة وحقوق الإنسان. 

* الناخبون الشباب والناشطون: ينظرون إلى الصراع من زاوية أخلاقية عابرة للأطر الجيوسياسية التقليدية، ويضغطون من أجل خطاب أكثر وضوحًا وتعاطفًا مع المدنيين الفلسطينيين. 

 وترى «هاريس» فى كتابها أن هذه التعددية لم تكن مجرد اختلاف فى الرأى، بل تحولت إلى أزمة تماسك سياسى انعكست على قدرة الحملة على إنتاج رسالة موحدة توجه للناخبين، وتوضح عند إعادة صياغتها لطبيعة الصراع داخل الحزب الديمقراطى أن حملتها كانت عالقة بين خيارين أحلاهما مر: الواقعية السياسية: التى تفرض الحفاظ على تحالفات استراتيجية وعدم تقديم مواقف قد تُفسَّر على أنها تراجع فى السياسة الخارجية الأمريكية (أى الاستمرار فى دعم إسرائيل)

الخطاب القيمي: الذى تطالب به فئات واسعة من الناخبين، خصوصًا الشباب، باعتباره معيارًا للمصداقية الأخلاقية (أى إيقاف حرب الإبادة فى غزة). 
كما تُؤكد أن محاولة الجمع بين الخيارين أدت أحيانًا إلى رسائل رمادية، لم تُرضِ أيًا من الطرفين بشكل كامل، وأسهمت فى تآكل الحماسة للانتخابات. 
نتنياهو المراوغ

ومن انقسامات الحزب ينتقل الكتاب إلى يوم آخر من الأيام الـ 107 فيتناول لقاء هاريس مع رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو فى يوليو 2024، وكما نقول بالعامية إن كامالا «جابت من الآخر» فقد ذكرت أن نتنياهو كان يعمل لصالح إعادة ترامب إلى البيت الأبيض، فى إشارة إلى أن سياسات الحرب فى غزة دعمت ترجيح كفة ترامب. هذه الإشارة تكشف بوضوح أن ترامب وحزبه الجمهورى أشد عتيا فى دعم إسرائيل سياسيا وعسكريا واقتصاديا من سياسات «بايدن» التى تقدم رجل الإنسانية ثم تؤخر أخرى لدعم إسرائيل، والواضح من انطباعات «هاريس» التى سجلتها عن لقاء «نتنياهو» أنها كشفت شخصيته المراوغة رغم أنها تحفظت فى ذكر هذا اللفظ تحديدا فاستخدمت تعبيرا مخففا بقولها: «نظرة نتنياهو المغطاة وعدم مبالاته أوحيا لى أنه يماطل لكسب الوقت»، لاحظ التخفيف فى كلمة « نظرته المغطاة» بدلا من نظرته المراوغة. جاء هذا الانطباع بعد رفض «نتنياهو» إدخال المساعدات إلى غزة، لأنها تصف اللقاء بأنه «غير منتج، ولم يكن لقاءً ودّيًا، بل كان لقاءً صريحًا إلى حد الإزعاج» وقد حاولت خلال اللقاء أن تكون صريحة عند نقل مخاوفها لنتنياهو حول الأزمة الإنسانية فى غزة. إلا أن الواضح أنه رفض حتى مساومة إدخال المساعدات لغزة مقابل إدخال الأسلحة والذخيرة لتل أبيب، فجرى تنفيذ الأخيرة فقط، وكانت الخلاصة من اللقاء «ما لم أسمعه من «نتنياهو»، لا فى العلن ولا فى الغرف المغلقة، كان عن أى تصورحقيقي لليوم التالى للحرب» لكنها تناولت حبوب الشجاعة لتضيف أمامه « إن استمرار هذه الحرب دون حدود واضحة أو أفق سياسى سيقوّض دعم أصدقائه قبل خصومه»، وفى واحدة من أقسى عبارات الكتاب «شعرتُ أن إنقاذ حكومته كان أولوية أعلى من إنقاذ الأرواح».

مرشحة الضرورة

لكن هل ميوعة موقف «هاريس» والحزب الديمقراطى فى اتخاذ موقف أخلاقى واضح من حرب غزة كان وحده السبب فى هزيمتها أمام ترامب، الواقع أن هناك أسبابا أخرى عديدة تناولتها فصول الكتاب، إذ يفتتح «107 أيام» بمشهد بالغ الدلالة: اتصال هاتفى متأخر فى ليلة حارة من شهر يوليو، الرئيس «بايدن» يعلن قراره بالانسحاب من السباق، وإذا كان البعض قد اعتبر- انتقال «هاريس» من مربع الرجل الثانى إلى احتمال أن تصبح الرجل الأول - فأل خير «لهاريس» إلا أنها لم تحتف فى الكتاب بهذه اللحظة بل تصفها باعتبارها انهيارًا لرهان سياسى طويل، إذ يبدو واضحًا من سردها أن قرار «بايدن» لم يكن مخططًا له بهذا الشكل، ولا بهذا التوقيت، وأن مؤسسة الحزب الديمقراطى كانت قد استثمرت سياسيًا وإعلاميًا فى ترشيحه حتى اللحظة الأخيرة، متجاهلة ظروفه الصحية والأداء الكارثى له عند مناظرته لترامب، وقد تحملت «هاريس» الكثير من خبل وإخفاقات «بايدن» وحاولت احتواءها أثناء حملتها ومنها مثلا الصورة التى ظهرت له وهو يرتدى قبعة كتب عليها «ترامب 2024» خلال فعالية لإحياء ذكرى 11 سبتمبر، أو عندما بدا وكأنه يصف أنصار ترامب بـ«القمامة». وتكتب «هاريس»، فى صيغة نقدية غير معهودة تجاه رئيس كانت هى نائبته: «كان هناك اعتقاد أن الوقت سيحل المشكلة، لكنه لم يفعل» وظلت هاريس متشككة فى قرارها بخوض غمار الانتخابات إلى أن اتصلت بالقس التابع لكنيستها تسأله النصيحة، ووضعت سماعة التليفون على مكبر الصوت حتى يسمع مساعدوها المقربون ويطمئنون فتحدث القس «عن الملكة أستير (ملكة يهودية أنقذت اليهود من الإبادة الجماعية التى دبرها لهم هامان) وقال «لهاريس»: «لقد وُلدتِ لزمن كهذا»، فاغرورقت عيناها بالدموع.

 وتنتقل «هاريس» بعد ذلك إلى السؤال الذى طارد حملتها منذ اليوم الأول: هل كانت مرشحة بحكم منصبها (نائبة بايدن) أم بحكم جدارتها؟ وتكشف الصفحات الأولى للكتاب ردا على السؤال أن الحزب الديمقراطى - رغم خطابه التقدمى - لم يكن قد أعدّ خطة انتقال حقيقية للسلطة داخل صفوفه، وبالتالى، لم تكن «هاريس» خيارًا أول بقدر ما كانت الخيار المتاح، لكن «هاريس» تحاول تفكيك هذا الاتهام عبر سرد ما حصل فى سلسلة من الاجتماعات داخل الحزب الديمقراطى، مشيرة إلى حالة الارتباك التى انتابت القيادات، وإلى غياب البدائل الجاهزة، رغم الحديث المستمر عن الدفع بـ«الجيل الجديد» هذا الاعتراف الذى جاء ضمنيًا، يمنح الكتاب قيمة تحليلية كبيرة، لأنه يلقى الضوء على أزمة بنيوية داخل الحزب تتمثل فى الاعتماد المفرط على الرموز بدلا من إقامة بنية مؤسسية.

سياسة مضغوطة

الضغط لم يكن على مرشحة الرئاسة ولا على الحزب فقط، لكنه كان أيضا ضغط الوقت، فأمام «كامالا» 107 أيام فقط لتلف 50 ولاية، من هنا لم يتبع الكتاب. 

(320 صفحة) الطريق التقليدى بتقسيمه إلى فصول تتناول موضوعات محددة، بل جاء كتتابع تاريخى بداية من الجزء الأول (107 أيام على الانتخابات) وبعده الجزء الثانى (106 أيام على الانتخابات)، وهكذا وصولا ليوم الانتخابات، فكان أشبه ما يكون بيوميات أحداث الحملة.

 لذا فالكتاب مبنى فعليًا على منطق العدّ التنازلي: أيام قليلة، جولات سريعة، قرارات كبرى تُتخذ خلال ساعات. تصف «هاريس» حملتها بأنها «بلا رفاهية الوقت، وبلا مساحة للخطأ» وتكمل «كل ولاية تُختصر فى خطاب، وكل خطاب يُختصر فى عنوان، وكل عنوان يُقاس بتفاعل رقمي» وهنا تكمن إحدى أهم نقاط ضعف الحملة وهو غياب السردية المتماسكة، فلم تُمنح هاريس الوقت الكافى لتعريف نفسها كمرشحة مستقلة عن إرث بادين، ولا كقائدة تتمتع برؤية مختلفة، ومن منظور صحفى، يمكن القول إن الحملة كانت تقنية أكثر منها سياسية، كانت تقدم دفع الضرر الذى أحدثه «بايدن» على جلب المصلحة بحملة تشيع الأمل بين الناخبين.

ولا يمكن قراءة «107 أيام» دون التوقف مطولًا عند مسألة الهوية لأن «كامالا هاريس» لا تتجاهل كونها امرأة، ولا كونها سوداء، ولا كونها ابنة مهاجرين، لكنها فى الوقت ذاته ترفض اختزال حملتها فى هذه العناصر، المفارقة أن الكتاب نفسه يعكس هذا التوتر: فالهويّة حاضرة فى كل فصل، سواء فى نظرة الإعلام، أو فى حسابات الحزب، أو فى تفاعلات الناخبين، فى أحد أكثر المقاطع إثارة للجدل، تشير «هاريس» إلى أن بعض الخيارات السياسية داخل الحزب كانت ستُحسم بسهولة أكبر «لو كانت رجلاً أبيض»، فى إشارة واضحة إلى معايير عنصرية غير معلنة فى السياسة الأمريكية، وتحكى أنها اتصلت بـ«جافين نيوسوم» حاكم كاليفورنيا والمرشح الديمقراطى لانتخابات الرئاسة عام 2028 لتحصل على تأييده وكان الرد: «فى نزهة. سيتصل لاحقًا، ولم يفعل»
 العقل يواجه الغضب

تخصص هاريس فصلًا كاملًا للمناظرة الشهيرة مع ترامب، لكن اللافت أنها لا تقدّمها كمعركة أفكار، بل كمواجهة بين نموذجين للسياسة، نموذج ترامب الذى تصفه« لا يناقش، بل يهيمن، لا يشرح، بل يستفز »وفى المقابل تعترف هاريس بأنها دخلت المناظرة بعقلية «الرئيسة المسئولة» لا «المرشحة الشعبوية» وتكتب: «كنت أراهن على العقل.. بينما كان يراهن على الغضب».

هذا الاعتراف شديد الأهمية، لأنه يكشف فجوة حقيقية فى فهم المزاج الانتخابى الأمريكى فى تلك اللحظة، الكتاب هنا لا يبرئ صاحبة السرد، بل يضعها أمام سؤال قاسٍ: هل ما زال الخطاب العقلانى قادرًا على الفوز؟.

  الإعلام الشريك «المناكف»

وتتعرض «هاريس» بالنقد اللاذع للإعلام الأمريكى فى أحد فصول الكتاب وتتهم- بشكل غير مباشر -التغطية الإعلامية بأنها كانت أسرع بالتشكيك فى النوايا منها فى تفنيد الادعاءات وأكثر اهتمامًا بزلات اللسان من مناقشة البرامج، لكنها فى الوقت ذاته تعترف بأن حملتها لم تنجح فى فرض أجندتها الإعلامية، وتركت نفسها أسيرة للأسئلة المفروضة عليها والمحرجة لها، وتؤكد «هاريس» أن وسائل الإعلام لعبت دورًا مضاعفًا فى تعقيد المشهد فحين ركز الإعلام التقليدى على التوازن الدبلوماسى والتصريحات الرسمية، كثف الإعلام الرقمى ومنصات التواصل تركيزه على الصور الإنسانية القادمة من غزة، والخطاب الأخلاقى، والمساءلة الشعبية، هذا الانقسام جعل من الصعب على الحملة التحكم فى الرواية السياسية أو توحيدها، وتُظهر هاريس أن حملتها وجدت نفسها مطالبة بتقديم خطاب: لا ينفّر القاعدة التقليدية للديمقراطيين ولا يُغضب التيار التقدمى وفى نفس الوقت لا يُستخدم ضدها من جانب حملات الخصوم. وتقرّ ضمنيًا بأن هذه المعادلة كانت شبه مستحيلة فى سياق زمنى قصير وضغط انتخابى حاد.

 الغريب أن «هاريس» وفريقها فى الحملة كانوا على قناعة تامة أنها ستفوز بالرئاسة وتذكر: «فى إحدى أكثر اللحظات صدقًا، كنا قد طلبنا «كب كيك» مكتوبًا عليها (السيدة الرئيس)- وهو ما يبين مدى ما كنا نؤمن به- لكن عندما أدركنا أن النتائج ليست فى صالحنا، قمتُ بإزالة الحروف من الكعك، كما لو كنت أزيل أحلامًا من بين يديَّ» هذه الصورة الرمزية ليست مجرد مزحة، بل مؤشر على مدى الصدمة والنظر إلى الهزيمة وهى تهبط على فريق بأكمله من أعلى سقف الطموح إلى أدنى بؤس الواقع، وتحكى عن هذه الليلة الحزينة: خسارتنا أمام الرئيس ترامب رغم كل الجهود والرؤى كانت صدمة عميقة، لم تكن مجرد نتيجة انتخابية، بل تحدّيا للهوية الأمريكية نفسها.

ويبدو أنها تستبشع وجود «ترامب» فى سدة الرئاسة فكتبت: «يا إلهى، ماذا سيحدث لبلدنا؟» كلمات لم تكن مجرد ترديد للحظة الهزيمة بل «تساؤلًا عن المستقبل الذى نؤمن به كأسرة أمريكيّة بدرجة أولى»، وأخيرا فإن كتاب «107أيام» يهدى القارئ ليس فقط سردًا للتاريخ، بل رحلة فكرية وشخصية تبحث فى جوهر الديمقراطية، فى ملامح القوة، وفى أعمق أبعاد النفس الأمريكية.