لم يكن اختيار فيلم المخرجة الأفغانية شهربانو سادات “لا رجال صالحين” (No Good Men) لافتتاح الدورة الـ76 من مهرجان برلين السينمائي الدولي، المقررة في 12 فبراير، قرارًا فنيًا خالصًا بقدر ما جاء بوصفه بيانًا سياسيًا وثقافيًا واضحًا. فمهرجان «برلين»، الذي اعتاد توظيف فيلم الافتتاح لتحديد موقعه من العالم، يعلن هذا العام انحيازه لسينما الأسئلة وللأصوات القادمة من مناطق القلق والصراع، في لحظة عالمية تتراجع فيها مساحات الحرية ويضيق فيها الهامش أمام السرديات المهمشة.
اختيار فيلم أفغاني يتمركز حول تجربة المرأة لا يعكس فقط جرأة فنية، بل يؤكد أيضًا رؤية المهرجان لنفسه بوصفه منصة تتجاوز الاحتفاء السينمائي إلى صناعة خطاب ثقافي وسياسي. فبرلين لا يكتفي بعرض الأفلام، بل يستخدمها أدوات قراءة للواقع وشهادات على تحولات العالم المعاصر. ومن هذا المنظور، يكتسب “لا رجال صالحين” أهمية خاصة، بوصفه عملاً يمنح الكلمة لنساء يعشن في قلب واقع شديد التعقيد داخل مجتمع تحكمه القيود الأيديولوجية والاجتماعية.
يسلط الفيلم الضوء على الحياة اليومية للنساء في أفغانستان والتحديات التي يواجهنها في فضاء اجتماعي متشدد، وهو موضوع نادرًا ما يحظى بهذا الحضور المركزي في المهرجانات الكبرى. ويأتي اختياره اعترافًا بأهمية السرديات القادمة من مناطق الصراع، وبحقها في أن تُروى من الداخل، لا بوصفها تقارير إخبارية، بل حكايات إنسانية متعددة الطبقات.
وتتمتع شهربانو سادات بحضور دولي كبير، إذ سبق أن حصدت أفلامها جوائز في مهرجانات كبرى، من بينها مهرجان كان، ما يجعل اختيار فيلمها كافتتاحي تتويجًا لمسار فني متماسك واعترافًا برؤيتها السينمائية التي تمزج الخاص بالعام، والحميمي بالسياسي. وفي “لا رجال صالحين”، توازن سادات بين الرومانسية والكوميديا السوداء من جهة، والقضايا السياسية والاجتماعية من جهة أخرى، في سرد يكسر الصورة النمطية عن أفغانستان بوصفها فضاء مأساويًا أحادي البعد، ويعيد تقديمها مكانًا نابضًا بتناقضاتها الإنسانية.
تدور أحداث الفيلم حول نارو، المصورة الوحيدة في تلفزيون كابول، التي تعيش قناعة راسخة بعدم وجود “رجال صالحين” في أفغانستان. غير أن هذه القناعة تبدأ في الاهتزاز حين ترافق الصحفي قدرت في مهمة مهنية قبيل عودة طالبان إلى الحكم، لتنشأ بينهما علاقة معقدة تتقاطع فيها الشكوك والمشاعر والأسئلة الأخلاقية، وتدفع البطلة إلى إعادة النظر في تصوراتها المسبقة وفي علاقتها بالعالم من حولها.
وأكدت مديرة مهرجان برلين، تريشيا تاتل، أن اختيار الفيلم للافتتاح يأتي تتويجًا لمكانة شهربانو سادات كأحد أبرز الأصوات السينمائية الصاعدة عالميًا، مشيرة إلى أن الفيلم يواصل مشروعها الفني في تسليط الضوء على حياة المرأة الأفغانية، ويقدم قصة سياسية مؤثرة بروح رومانسية ولمسة من الفكاهة، مستمدًا ثقله من كونه مستوحى من أحداث حقيقية، ومن المجازفة التي رافقت إنجازه.
في السياق ذاته، تعكس المسابقة الرسمية للمهرجان هذا العام الروح نفسها، إذ تضم 22 فيلماً تتنافس على جائزتي الدب الذهبي والدب الفضي، من 28 دولة، يُعرض 20 منها للمرة الأولى عالميًا، في مشهد يؤكد تنوع السينما العالمية عام 2026، ويكرس برلين إحدى أكثر المنصات السينمائية جرأة وانفتاحًا.
وتتمثل السينما العربية في المسابقة الرسمية بفيلم «بصوت منخفض» للمخرجة التونسية ليلى بوزيد، بطولة إيا بوترع، وهيام عباس، وماريون باربو، وفريال شماري. وتدور أحداثه حول ليليا، التي تعود من باريس إلى تونس لحضور جنازة عمها، لتجد نفسها في مواجهة عائلة تجهل تفاصيل حياتها العاطفية، وسر غامض يحيط بوفاة العم، في رحلة داخل الذاكرة والهوية والصمت العائلي.
أما السينما الألمانية فتشارك بفيلم «قصص محلية» للمخرجة إيفا تروبيش، الذي يتتبع رحلة شابة تبحث عن تعريف لهويتها بعد سؤال عابر في برنامج مواهب، يقودها إلى مواجهة ذاتها داخل فندق العائلة بشرق ألمانيا السابق. كما تشارك ألمانيا وفرنسا بفيلم «رسائل صفراء» للمخرج إلكر كاتاك، حول زوجين فنانين من تركيا يصبحان فجأة هدفًا للسلطة بعد حادث غامض، لتختبر علاقتهما حدود الالتزام والمبادئ. وتشارك المخرجة أنجيلا شانيليك بفيلمها «زوجتي تبكي»، الذي يرصد يومًا عاديًا في حياة عامل رافعة ينقلب إلى مواجهة صامتة مع هشاشة العلاقة الزوجية.
ويمثل السينما الأيرلندية فيلم «الجميع معجبون ببيل إيفانز» إخراج جرانت جي، وبطولة أندرس دانييلسن لي، وبيل بولمان، ولوري ميتكالف، في بورتريه داخلي لعازف البيانو الأسطوري بيل إيفانز، حيث تتحول الموسيقى إلى مساحة للحزن والتأمل بعد فقدان رفيقه الموسيقي.
وتنافس السينما الأمريكية بفيلمي «جوزفين» إخراج بيث دي أراوجو، عن طفلة تشهد جريمة بالصدفة فتتحول الصدمة إلى عنف دفاعي يهدد استقرار عائلتها، و«على البحر» للمخرج كورنيل موندروتشو، بطولة إيمي آدامز، حول امرأة تعود إلى منزل عائلتها بعد التعافي من الإدمان، لتجد نفسها في مواجهة مؤلمة مع هوية فقدتها وصدمة دفنتها طويلًا.
كما ينافس المخرج التشادي محمد صالح هارون بفيلمه «سومسون: ليلة النجوم»، في حكاية شاعرية عن فتاة مراهقة تكتشف قوى خارقة، تتقاطع فيها أسئلة القدر والهوية.
وفي قسم «بانوراما»، يفتتح العرض العالمي الأول لفيلم «المتمردون فقط هم من يفوزون» للمخرجة دانييل عربيد، بطولة هيام عباس، في إنتاج فرنسي لبناني قطري مشترك، حيث تتحول قصة حب غير متكافئة في بيروت المأزومة إلى فعل مقاومة. كما تعود السينما المصرية إلى مهرجان برلين من خلال فيلم «خروج آمن» للمخرج محمد حماد، في مسابقة بانوراما، وهو فيلم تشويق نفسي يروي قصة حارس أمن شاب يعاني من اضطرابات نفسية نتيجة مقتل والديه في أعمال عنف ديني وعرقي.
وتضم بانوراما أيضًا أفلامًا مثل «اللحظة» إنتاج أمريكي بريطاني، و«يوم عودتها» للمخرج الكوري هونج سانج سو. بينما تفتتح مسابقة «جيل كي بلس» بفيلم «آلة الزمن الرائعة» للمخرجة إليزا كاباي، وهو فيلم وثائقي برازيلي يرصد لحظة الانتقال من الطفولة إلى المراهقة داخل مجتمع تهيمن عليه الذكورية.
كما يُعرض في بانوراما الفيلم الألماني «أليجرو باستيل» للمخرجة آنا رولر، عن علاقة عاطفية عن بُعد تطرح أسئلة الاستقرار والرغبة، إلى جانب الفيلم الباكستاني السعودي المشترك «مدرسة الأشباح» للمخرجة سيماب جول، الذي يتناول رحلة طفلة تبحث عن سبب إغلاق مدرستها المفاجئ، في مواجهة الخرافة والفساد والصمت المجتمعي.
بهذا التكوين، تبدو دورة برلين 76 امتدادًا لتقليد المهرجان في تقديم سينما لا تكتفي بالسرد، بل تسعى إلى مساءلة العالم، حيث تتحول الشاشة إلى مساحة اشتباك مع الحاضر، وتصبح الأفلام مرايا لأسئلة الهوية والسلطة والحرية في زمن شديد الاضطراب.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







