في سباق «أوسكار أفضل فيلم دولي»، لا تفوز دائما أفضل الأفلام فنيا، بل تلك التي تلتقي عند تقاطع معقد بين الجودة، والتوقيت، والرسالة، ومزاج المصوتين.
من هذا المنظور، يبدو فيلم القيمة العاطفية « Sentimental Value» للمخرج النرويجي يواكيم ترير مرشحا قويا، لكنه ليس بلا منافسين حقيقيين.
السؤال ليس: هل الفيلم رائع؟، بل هل هو الفيلم الذي تريد الأكاديمية المانحة للأوسكار مكافأته هذا العام؟
بطبيعة الحال يبقى العمل في مواجهة حقيقية أمام منافسيه، وفي المقدمة الفيلم البرازيلي «العميل السري « The Secret Agent»، الذي يمثل الاتجاه المعاكس تقريبًا لـ « القيمة العاطفية»، فبينما يغوص الأخير في العلاقات العائلية والندوب النفسية، يذهب الأول إلى السياسة والتاريخ والهوية الوطنية، مستندا إلى سرد أكثر وضوحا وصدامية.
فالعميل السرى أكثر مباشرة سياسيًا، يخاطب الواقع العالمي بلغة استعارات واضحة.. وينتمي إلى تقليد سينما «الرسالة».
فيما يبقى «القيمة العاطفية «أكثر حميمية وتجريدًا، يراهن على الصمت بدل الخطاب، ويتعامل مع السلطة في بعدها الشخصي لا العام.
إذا اختارت الأكاديمية فيلما يعكس قلق العالم السياسي، فالبرازيل تملك ورقة قوية.
أما إذا مالت إلى مكافأة السينما التأملية الناضجة، فالكفة تميل بوضوح لصالح فيلم المخرج ترير.
الفيلم الآخر في المواجهة هو الفرنسي «أنه مجرد حادث - It Was Just an Accident»، للمخرج جعفر بناهي، الذي ينتمي إلى سينما محكمة الصنع، ذات سرد أكثر تقليدية، وتصاعد درامي أوضح، إنه فيلم متقن يعرف كيف يقود المشاهد من نقطة إلى أخرى دون ارتباك.
هنا تظهر نقطة قوة «القيمة العاطفية»، ونقطة ضعفه في آنٍ واحد :لا يقدم حبكة مشدودة، لا يسعى إلى ذروة واضحة، يترك فراغات مقصودة.
الأكاديمية غالبا ما تكافئ الأفلام الفرنسية المصقولة، لكنها في السنوات الأخيرة أبدت ميلًا للأعمال التي تتجاوز الصنعة إلى الجرأة التعبيرية.
وفي هذه المقارنة، يبدو «القيمة العاطفية» أكثر مغامرة، وأقل «إرضاءً»، وهو ما قد يكون ميزة أو عائقًا حسب المزاج العام.
المواجهة الثالثة تبقى مع الفيلم الإسبانىي «صراط - Sirāt»، الذي يعتمد على لغة رمزية كثيفة، واستعارات فلسفية واضحة، وربما أكثر شاعرية على المستوى البصري.
لكن المقارنة تكشف فرقا جوهريا: «صراط» يخاطب العقل والرمز، و«القيمة العاطفية يخاطب الذاكرة والشعور».
المخرج ترير لا يبحث عن صورة كبرى للعالم، بل عن شرخ صغير داخل عائلة واحدة، ويترك للمشاهد أن يرى فيه انعكاسا أوسع. هذا الاقتصاد في الطموح الظاهري قد يمنح فيلمه قدرة أكبر على التسلل إلى وجدان المصوتين.
المواجهة الرابعة مع الفيلم التونسي «صوت هند رجب - The Voice of Hind Rajab»، الذي يدخل السباق بثقل أخلاقي وإنساني واضح، كعمل مرتبط بقضية معاصرة ومؤلمة، وهو النوع من الأفلام التي تضع المشاهد أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة.
المقارنة هنا حساسة، فالفيلم التونسي يستمد قوته من قضيته، بينما «القيمة العاطفية» يستمد قوته من بنيته الفنية وتعقيده النفسي.
هنا ذكر بأن الأكاديمية كثيرا ما تنحاز للأفلام «الضرورية أخلاقيا»، لكن هذا الانحياز ليس مضمونا، خصوصا إذا واجهته أعمال تقدم تأملًا أعمق في الإنسان ككائن متناقض.
أين يقف «القيمة العاطفية» أذن؟..
ما يميز الفيلم في هذا السباق ليس ضجيجه، بل هدوءه.. ليس صوته العالي، بل نبرته الواثقة. إنه فيلم لا يطلب التعاطف، ولا يرفع شعارًا.. وهنا تحديدا تكمن قوته.
ففي موسم مزدحم بالخطابات، قد يكون هذا الفيلم هو الاستراحة التأملية التي يبحث عنها المصوتين.
لماذا سيفوز «Sentimental Value - القيمة العاطفية»، بـ «الأوسكار»؟
نعم، في «موسم الأوسكار» تتعدد فيه الاتجاهات ولا يتكون حوله إجماع واضح، تميل الأكاديمية غالبًا إلى الخيار الذي يبدو أكثر اكتمالًا وأقل حاجة للتبرير. ومن هذه الزاوية، يتقدم فيلم «القيمة العاطفية»بخطوة ثابتة على بقية منافسيه في سباق أفضل فيلم دولي لعام 2026.
الفيلم لا يعتمد على راهنية سياسية ولا على ثقل أخلاقي مباشر، لكنه يقدم ما تبحث عنه الأكاديمية في لحظات الحسم: سينما ناضجة، مكتوبة وممثلة بعناية، قادرة على مخاطبة المشاعر دون ابتزازها، وعلى طرح أسئلة كبيرة من خلال تفاصيل صغيرة. وبينما تراهن بعض الأفلام الأخرى على قوة القضية أو وضوح الرسالة، يراهن فيلمنا على الزمن، وهو الرهان الذي غالبًا ما يكسب.
الأهم أن الفيلم يأتي في لحظة باتت فيها الأكاديمية أكثر ميلًا لمكافأة سينما المؤلف الهادئة، خصوصًا حين تقدم دون تعقيد متعمد أو استعراض شكلي. أداء بطليه ستيلان سكارسجارد وريناتى راينسفي، إلى جانب إخراج يواكيم ترير المتزن، يمنح الفيلم أفضلية واضحة، لا بوصفه خيارا وسطا، بل بوصفه العمل الأكثر تماسكا فنيا داخل السباق.
بناءً على ذلك، يبدو فوز « القيمة العاطفية» ليس مجرد احتمال، بل السيناريو الأكثر ترجيحًا. وإذا حدث، فلن يكون تتويجا لفيلم واحد فقط، او لن يكون ذلك انتصارا لبلد أو قضية، بل انتصارا لفكرة: «أن السينما لا تزال قادرة على تفكيك العلاقات الإنسانية بأدوات هادئة، دون أن تفقد أثرها».
بل تأكيدًا على أن الأكاديمية - رغم كل التحولات - لا تزال تكافئ السينما التي تثق في قوتها دون أن ترفع صوتها.
أما إذا خسر، فلن يكون لأنه أقل جودة، بل لأنه اختار طريقا أصعب وهو طريق الأسئلة بدل الإجابات
وفي تاريخ الأوسكار، غالبًا ما تبقى الأفلام التي همست طويلًا.. أكثر حضورًا من تلك التي صرخت لحظتها.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







