خالد محمود يكتب : لماذا سيفوز « Sentimental Value» بالأوسكار؟

خالد محمود
خالد محمود


في‭ ‬سباق‭ ‬‮«‬أوسكار‭ ‬أفضل‭ ‬فيلم‭ ‬دولي‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬تفوز‭ ‬دائما أفضل‭ ‬الأفلام‭ ‬فنيا،‭ ‬بل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تلتقي‭ ‬عند‭ ‬تقاطع‭ ‬معقد‭ ‬بين‭ ‬الجودة،‭ ‬والتوقيت،‭ ‬والرسالة،‭ ‬ومزاج‭ ‬المصوتين‭.‬

من‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬يبدو‭ ‬فيلم‭ ‬القيمة‭ ‬العاطفية‭ ‬‮« ‬Sentimental Value‮»‬‭ ‬للمخرج‭ ‬النرويجي‭ ‬يواكيم‭ ‬ترير‭ ‬مرشحا‭ ‬قويا،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬بلا‭ ‬منافسين‭ ‬حقيقيين‭.‬

السؤال‭ ‬ليس‭: ‬هل‭ ‬الفيلم‭ ‬رائع؟،‭ ‬بل‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬تريد‭ ‬الأكاديمية‭ ‬المانحة‭ ‬للأوسكار‭ ‬مكافأته‭ ‬هذا‭ ‬العام؟

بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬يبقى‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬حقيقية‭ ‬أمام‭ ‬منافسيه،‭ ‬وفي‭ ‬المقدمة‭ ‬الفيلم‭ ‬البرازيلي‭ ‬‮«‬العميل‭ ‬السري‭ ‬‮« ‬The Secret Agent‮»‬،‮ ‬الذي‭ ‬يمثل‮ ‬الاتجاه‭ ‬المعاكس‭ ‬تقريبًا‭ ‬لـ‭  ‬‮«‬‭ ‬القيمة‭ ‬العاطفية‮»‬،‭ ‬فبينما‭ ‬يغوص‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬العائلية‭ ‬والندوب‭ ‬النفسية،‭ ‬يذهب‭ ‬الأول‭ ‬إلى‭ ‬السياسة‭ ‬والتاريخ‭ ‬والهوية‭ ‬الوطنية،‭ ‬مستندا‭ ‬إلى‭ ‬سرد‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا‭ ‬وصدامية‭.‬

فالعميل‭ ‬السرى‭ ‬أكثر‭ ‬مباشرة‭ ‬سياسيًا،‭ ‬يخاطب‭ ‬الواقع‭ ‬العالمي‭ ‬بلغة‭ ‬استعارات‭ ‬واضحة‭.. ‬وينتمي‭ ‬إلى‭ ‬تقليد‭ ‬سينما‭ ‬‮«‬الرسالة‮»‬‭.‬

فيما‭ ‬يبقى‭ ‬‮«‬القيمة‭ ‬العاطفية‭ ‬‮«‬أكثر‭ ‬حميمية‭ ‬وتجريدًا،‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬الصمت‭ ‬بدل‭ ‬الخطاب،‭ ‬ويتعامل‭ ‬مع‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬الشخصي‭ ‬لا‭ ‬العام‭.‬

إذا‭ ‬اختارت‭ ‬الأكاديمية‭ ‬فيلما‭ ‬يعكس‭ ‬قلق‭ ‬العالم‭ ‬السياسي،‭ ‬فالبرازيل‭ ‬تملك‭ ‬ورقة‭ ‬قوية‭.‬

أما‭ ‬إذا‭ ‬مالت‭ ‬إلى‭ ‬مكافأة‭ ‬السينما‭ ‬التأملية‭ ‬الناضجة،‭ ‬فالكفة‭ ‬تميل‭ ‬بوضوح‭ ‬لصالح‭ ‬فيلم‭ ‬المخرج‭ ‬ترير‭.‬

الفيلم‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬المواجهة هو‭ ‬الفرنسي‭ ‬‮«‬أنه‭ ‬مجرد‭ ‬حادث‭ -‬‮ ‬It Was Just an Accident‮»‬،‮ ‬للمخرج‭ ‬جعفر‭ ‬بناهي،‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬سينما‭ ‬محكمة‭ ‬الصنع،‭ ‬ذات‭ ‬سرد‭ ‬أكثر‭ ‬تقليدية،‭ ‬وتصاعد‭ ‬درامي‭ ‬أوضح،‭ ‬إنه‭ ‬فيلم‭ ‬متقن‮  ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يقود‭ ‬المشاهد‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬دون‭ ‬ارتباك‭.‬

هنا‭ ‬تظهر‭ ‬نقطة‭ ‬قوة‮ «‬القيمة‭ ‬العاطفية‮»‬،‭ ‬ونقطة‭ ‬ضعفه‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭ :‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬حبكة‭ ‬مشدودة،‭ ‬لا‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬ذروة‭ ‬واضحة،‭ ‬يترك‭ ‬فراغات‭ ‬مقصودة‭.‬

الأكاديمية‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تكافئ‭ ‬الأفلام‭ ‬الفرنسية‭ ‬المصقولة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أبدت‭ ‬ميلًا‭ ‬للأعمال‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬الصنعة‭ ‬إلى‭ ‬الجرأة‭ ‬التعبيرية‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬المقارنة،‭ ‬يبدو‮ «‬القيمة‭ ‬العاطفية‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬مغامرة،‭ ‬وأقل‭ ‬‮«‬إرضاءً‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ميزة‭ ‬أو‭ ‬عائقًا‭ ‬حسب‭ ‬المزاج‭ ‬العام‭.‬

المواجهة‭ ‬الثالثة‭ ‬تبقى‭ ‬مع‭ ‬الفيلم‭ ‬الإسبانىي‭ ‬‮«‬صراط‭ - ‬Sirāt‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬رمزية‭ ‬كثيفة،‭ ‬واستعارات‭ ‬فلسفية‭ ‬واضحة،‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬شاعرية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬البصري‭.‬

لكن‭ ‬المقارنة‭ ‬تكشف‭ ‬فرقا‭ ‬جوهريا‭: ‬‮«‬صراط‮»‬‭ ‬يخاطب‭ ‬العقل‭ ‬والرمز،‭ ‬و«القيمة‭ ‬العاطفية‭ ‬يخاطب‭ ‬الذاكرة‭ ‬والشعور‮»‬‭.‬

المخرج‭ ‬ترير‭ ‬لا‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬كبرى‭ ‬للعالم،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬شرخ‭ ‬صغير‭ ‬داخل‭ ‬عائلة‭ ‬واحدة،‭ ‬ويترك‭ ‬للمشاهد‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬فيه‭ ‬انعكاسا‭ ‬أوسع‭. ‬هذا‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬الطموح‭ ‬الظاهري‭ ‬قد‭ ‬يمنح‭ ‬فيلمه‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التسلل‭ ‬إلى‭ ‬وجدان‭ ‬المصوتين‭.‬

المواجهة‭ ‬الرابعة‭ ‬مع‭ ‬الفيلم‭ ‬التونسي‭ ‬‮«‬صوت‭ ‬هند‭ ‬رجب‭ -‬‮ ‬The Voice of Hind Rajab‮»‬،‮ ‬الذي‭ ‬يدخل‭ ‬السباق‭ ‬بثقل‭ ‬أخلاقي‭ ‬وإنساني‭ ‬واضح،‭ ‬كعمل‭ ‬مرتبط‭ ‬بقضية‭ ‬معاصرة‭ ‬ومؤلمة،‭ ‬وهو‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬التي‭ ‬تضع‭ ‬المشاهد‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬سياسية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬مباشرة‭.‬

المقارنة‭ ‬هنا‭ ‬حساسة،‭ ‬فالفيلم‭ ‬التونسي‭ ‬يستمد‭ ‬قوته‭ ‬من‭ ‬قضيته،‭ ‬بينما‭ ‬‮«‬القيمة‭ ‬العاطفية‮»‬‭ ‬يستمد‭ ‬قوته‭ ‬من‭ ‬بنيته‭ ‬الفنية‭ ‬وتعقيده‭ ‬النفسي‭.‬

هنا‭ ‬ذكر‭ ‬بأن‭ ‬الأكاديمية‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تنحاز‭ ‬للأفلام‭ ‬‮«‬الضرورية‭ ‬أخلاقيا‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الانحياز‭ ‬ليس‭ ‬مضمونا،‭ ‬خصوصا‭ ‬إذا‭ ‬واجهته‭ ‬أعمال‭ ‬تقدم‭ ‬تأملًا‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬ككائن‭ ‬متناقض‭.‬

أين‭ ‬يقف‮ «‬القيمة‭ ‬العاطفية‮»‬‭ ‬أذن؟‭..‬

ما‭ ‬يميز الفيلم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السباق‭ ‬ليس‭ ‬ضجيجه،‭ ‬بل‭ ‬هدوءه‭.. ‬ليس‭ ‬صوته‭ ‬العالي،‭ ‬بل‭ ‬نبرته‭ ‬الواثقة‭. ‬إنه‭ ‬فيلم‭ ‬لا‭ ‬يطلب‭ ‬التعاطف،‭ ‬ولا‭ ‬يرفع‭ ‬شعارًا‭.‬‭. ‬وهنا‭ ‬تحديدا‭ ‬تكمن‭ ‬قوته‭.‬

ففي‭ ‬موسم‭ ‬مزدحم‭ ‬بالخطابات،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬هو‭ ‬الاستراحة‭ ‬التأملية‭ ‬التي‭ ‬يبحث‭ ‬عنها‭ ‬المصوتين‭.‬

لماذا‭ ‬سيفوز‭ ‬‮«‬Sentimental Value‭ - ‬القيمة‭ ‬العاطفية‮»‬،‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الأوسكار»؟

نعم،‭ ‬في‭ ‬‮«‬موسم‭ ‬الأوسكار‮»‬‭ ‬تتعدد‭ ‬فيه‭ ‬الاتجاهات‭ ‬ولا‭ ‬يتكون‭ ‬حوله‭ ‬إجماع‭ ‬واضح،‭ ‬تميل‭ ‬الأكاديمية‭ ‬غالبًا‭ ‬إلى‭ ‬الخيار‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬أكثر‭ ‬اكتمالًا‭ ‬وأقل‭ ‬حاجة‭ ‬للتبرير‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬يتقدم‭ ‬فيلم‮ «‬القيمة‭ ‬العاطفية»بخطوة‭ ‬ثابتة‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬منافسيه‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬أفضل‭ ‬فيلم‭ ‬دولي‭ ‬لعام‭ ‬2026‭.‬

الفيلم‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬راهنية‭ ‬سياسية‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬ثقل‭ ‬أخلاقي‭ ‬مباشر،‭ ‬لكنه‭ ‬يقدم‭ ‬ما‭ ‬تبحث‭ ‬عنه‭ ‬الأكاديمية‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الحسم‭: ‬سينما‭ ‬ناضجة،‭ ‬مكتوبة‭ ‬وممثلة‭ ‬بعناية،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مخاطبة‭ ‬المشاعر‭ ‬دون‭ ‬ابتزازها،‭ ‬وعلى‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تفاصيل‭ ‬صغيرة‭. ‬وبينما‭ ‬تراهن‭ ‬بعض‭ ‬الأفلام‭ ‬الأخرى‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬القضية‭ ‬أو‭ ‬وضوح‭ ‬الرسالة،‭ ‬يراهن فيلمنا‭ ‬على‭ ‬الزمن،‭ ‬وهو‭ ‬الرهان‭ ‬الذي‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يكسب‭.‬

الأهم‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬باتت‭ ‬فيها‭ ‬الأكاديمية‭ ‬أكثر‭ ‬ميلًا‭ ‬لمكافأة‭ ‬سينما‭ ‬المؤلف‭ ‬الهادئة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬حين‭ ‬تقدم‭ ‬دون‭ ‬تعقيد‭ ‬متعمد‭ ‬أو‭ ‬استعراض‭ ‬شكلي‭. ‬أداء‭ ‬بطليه‭ ‬ستيلان‭ ‬سكارسجارد‭ ‬وريناتى‭ ‬راينسفي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إخراج‭ ‬يواكيم‭ ‬ترير‭ ‬المتزن،‭ ‬يمنح‭ ‬الفيلم‭ ‬أفضلية‭ ‬واضحة،‭ ‬لا‭ ‬بوصفه‭ ‬خيارا‭ ‬وسطا،‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬العمل‭ ‬الأكثر‭ ‬تماسكا‭ ‬فنيا‭ ‬داخل‭ ‬السباق‭.‬

بناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يبدو‭ ‬فوز‭ ‬‮« ‬القيمة‭ ‬العاطفية‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬احتمال،‭ ‬بل‭ ‬السيناريو‭ ‬الأكثر‭ ‬ترجيحًا‭. ‬وإذا‭ ‬حدث،‭ ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬تتويجا‭ ‬لفيلم‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬او‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬انتصارا‭ ‬لبلد‭ ‬أو‭ ‬قضية،‭ ‬بل‭ ‬انتصارا‭ ‬لفكرة‭: ‬‮«‬أن‭ ‬السينما‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬بأدوات‭ ‬هادئة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬أثرها‮»‬‭.‬

بل‭ ‬تأكيدًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأكاديمية‭ - ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬التحولات‭ - ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تكافئ‭ ‬السينما‭ ‬التي‭ ‬تثق‭ ‬في‭ ‬قوتها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ترفع‭ ‬صوتها‭.‬

أما‭ ‬إذا‭ ‬خسر،‭ ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬لأنه‭ ‬أقل‭ ‬جودة،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬اختار‭ ‬طريقا‭ ‬أصعب‭ ‬وهو‭ ‬طريق‭ ‬الأسئلة‭ ‬بدل‭ ‬الإجابات

وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬الأوسكار،‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬الأفلام‭ ‬التي‭ ‬همست‭ ‬طويلًا‭.. ‬أكثر‭ ‬حضورًا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬صرخت‭ ‬لحظتها‭.‬

;