محمود بسيونى يكتب: جيل زد.. ومعرض الكتاب

محمود بسيونى
محمود بسيونى


 

الرهان يكمن فى القدرة على تحويل الإقبال على المعرض إلى مشروع وعى، يحصّن جيل «زد»، ويمنحه أدوات الفهم والنقد، ويضعه فى موقع الشريك فى صناعة المستقبل، لامجرد مادة فى صراعاته.

لفت نظرى، خلال زيارتى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، الحضور الكثيف للشباب من مختلف الأعمار، وبصورة خاصة أبناء جيل «زد»؛ ذلك الجيل الذى بات يحتل مساحة واسعة من اهتمام مراكز الأبحاث ودوائر التفكير الاستراتيجى، بوصفه الجيل الشاب «غير المكتشف» بعد، والأكثر تأثيرًا فى معادلات المستقبل. جيلٌ تراهن عليه الدولة باعتباره دمًا جديدًا يُضخ فى شرايين مؤسساتها، وطاقةً قادرة على التجديد والبناء إذا أُحسن توجيهها واحتواؤها. وفى المقابل، لا يغيب عن المشهد أن أطرافًا أخرى تسعى لاختطاف هذا الجيل، وزجه فى مسارات التشدد والتطرف، ودفعه إلى صدامٍ مفتعل مع الدولة والمجتمع، ليُحوَّل من فرصة تاريخية إلى عبءٍ مُدمِّر، يقطع الصلة بالمستقبل، ويستنزف الحاضر بدل أن يصنعه.

يُقصد بجيل «زد» الشباب المولودون تقريبًا بين عامى 1997 و2012؛ وهو جيل وُلد ونشأ داخل عالم رقمى مكتمل الأركان، حيث الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى والهواتف الذكية ليست مجرد أدوات، بل مكوّن أصيل فى تشكيل وعيه ورؤيته للعالم. ومن هنا جاءت مشاركة هذا الجيل فى السنوات الماضية، وخصوصًا هذا العام، مدهشةً للبعض؛ إذ بدا حاضرًا بكثافة فى مختلف أجنحة المعرض، بصفته البائع والمشترى، الشاعر والناقد، المهتم والمتابع، الروائى والكاتب فى آنٍ واحد.

وقد صدرت هذا العام عناوين كثيرة تُحاول الاقتراب من نمط تفكير هؤلاء الشباب ودوائر اهتمامهم، غير أن قراءتها تظل فى حاجة ماسّة إلى إحصاءات دقيقة ومؤشرات واضحة، أتمنى أن تكون مرصودة ومتاحة من إدارة المعرض للباحثين والمهتمين؛ لأنها كفيلة بتقديم إجابات عن كثيرٍ من الأسئلة المؤجّلة، وتساعد على بناء سياسات ثقافية أكثر وعيًا بخصائص هذا الجيل وتحدياته.

واللافت حقًا هو انجذاب هذا الجيل إلى فكرة الكتاب الورقى التقليدى، بالتوازى مع انتشار مقاطع «الريلز» على مواقع التواصل الاجتماعى، التى تستهدف هذه الشريحة تسويقيًا، وتعرض تجارب إنشاء مكتبات منزلية، وتقدّم قوائم بالكتب التى يُفترض أن تضمها مكتبة متكاملة فى مختلف مجالات الثقافة. وهى فكرة تسويقية ذكية، تلامس قضية الوعى، وتُعيد للكتاب الورقى قدرًا من بريقه، حتى لو كان الدافع فى البداية هو التجربة أو الفضول؛ إذ قد تقود فى النهاية هذا الجيل السريع الإيقاع إلى شىءٍ من التمهّل والهدوء… أو هكذا أتمنى.

إن اجتذاب معرض الكتاب، الذى فتح أبوابه للمرة الأولى عام 1969، لهؤلاء الشباب، يُعدُّ إضافة نوعية لدوره الثقافى، واستكمالًا لتاريخه الحافل بتحولات الدولة والمجتمع. فقد ظل المعرض، على مدى أكثر من نصف قرن، بمثابة دفتر أحوالٍ للثقافة المصرية، تُقرأ من خلاله ملامح الزمن، بين صعود الأفكار وانكسارها، وبين ازدهار الوعى ومحاولات مصادرته. وهو شاهد على معارك العقل الكبرى، وعلى قدرة الثقافة المصرية على البقاء فى قلب المشهد العربى رغم العواصف، بوصفه أكبر تظاهرة ثقافية فى العالم العربى، وموسمًا تنتظره العواصم قبل القرّاء، ودليلًا حيًا على أن القاهرة ليست فقط مدينة السياسة، بل عاصمة الفكر والكتاب. ومع انتقاله إلى مركز مصر للمعارض الدولية، دخل المعرض مرحلة جديدة من التنظيم المؤسسى، والانفتاح على أجيال مختلفة، والتعامل مع الكتاب باعتباره منتجًا ثقافيًا واستراتيجيًا، لا مجرد سلعة ورقية.

ومن خلال متابعتى لاهتمامات جيل «زد» فى الكتاب المطبوع، وجدت ميلًا واضحًا نحو الروايات، وأدب الرعب والفانتازيا، وكتب التنمية الذاتية، والسير الذاتية المعاصرة. وهى مؤشرات ترسم ملامح اهتمامات هذا الجيل، التى تبدو بسيطة وإنسانية، لا تميل إلى التعقيد أو التنظير العميق، بل تبحث عن المختلف والجاذب، وهو أمر طبيعى يرتبط بتعقيد واقع الشباب وضغوطه المتزايدة.

إن توجّه هؤلاء الشباب إلى القراءة يُمثّل فرصة حقيقية لبناء أمن معرفى متكامل، يبتعد عن أدوات السوشيال ميديا المشكوك فى محتواها، ويتجه إلى تشكيل عقل نقدى قائم على قراءة متأنية ومعرفة متراكمة، تُقدمها الكتب المطبوعة وتُرسخها، فى مواجهة الطوفان الرقمى وآثاره على وعى الأجيال الجديدة. 

وهو ما يُفسّر اتجاه كثير من الدول إلى تقييد استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعى، باعتبار ذلك قضية أمن معرفى، وصحة نفسية، وبناء إنسانى طويل المدى. وقد دعا الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى هذا التوجّه فى خطابه بمناسبة عيد الشرطة، وبدأ مجلس النواب بالفعل مناقشته، فى سياق يلحق فيه مصر بدول مثل أستراليا، التى اتخذت قرارًا حاسمًا بحظر وصول من هم دون السادسة عشرة إلى منصات التواصل الاجتماعى، مع تحميل الشركات الرقمية مسئولية قانونية مباشرة عن أى إخفاق فى حماية القُصّر. وعلى المسار ذاته، أقرّت فرنسا تشريعًا يمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعى لمن هم دون الخامسة عشرة، ويقيّد استخدام الهواتف داخل المدارس، باعتبار أن المدرسة فضاء لتشكيل العقل، لا لتكريس التشتت.

هذه القرارات لم تأتِ من فراغ؛ فوفق بيانات مركز «بيو» للأبحاث، يمتلك نحو 95% من المراهقين هواتف ذكية، بينما يقرّ ما يقارب 46% منهم بأنهم «متصلون بالإنترنت بشكل شبه دائم»، وهى أرقام تكشف حجم التعريض المستمر الذى بات يهدد القدرة على التركيز وبناء التفكير المتماسك. أما منظمة «يونيسف»، ففى تقريرها «الطفولة فى عالم رقمى»، فقد ربطت بوضوح بين الإفراط فى الاستخدام الرقمى وتراجع مؤشرات الصحة النفسية والرفاه العاطفى لدى الأطفال. وتأتى توصيات منظمة الصحة العالمية لتمنح هذه السياسات سندًا علميًا، إذ توصى بتقييد وقت الشاشات للأطفال الصغار إلى الحد الأدنى، مقابل تشجيع القراءة وسرد القصص بوصفهما أساسًا لنمو العقل واللغة والخيال.

ولا أبالغ إذا قلت إننا أمام موجة دولية تُعيد الاعتبار للكتاب الورقى بوصفه أداة تأسيس للوعى فى مواجهة الفوضى الرقمية. فقد قدّمت «رويترز» إطارًا تفسيريًا بالغ الدلالة، تجاوز الخبر إلى قراءة التحوّل العالمى فى فلسفة حماية الطفولة، بينما تناولت صحيفة «لوموند» الفرنسية الموضوع بعمق ثقافى أشد وضوحًا، معتبرة العودة إلى الكتاب الورقى فعل مقاومة واعية لاقتصاد الانتباه، ومحاولة لإنقاذ الزمن الذهنى للأطفال من التقطيع الذى تفرضه الشاشات، وإعادة الاعتبار للقراءة بوصفها ممارسة تبنى العقل بالتراكم لا بالاستهلاك السريع.

فى هذا السياق، لا يبدو حضور جيل «زد» فى معرض الكتاب مشهدًا عابرًا، بل مؤشر ثقافى بالغ الدلالة؛ إذ يكشف عن معركة هادئة تُخاض على وعى المستقبل، بين كتابٍ يُقرأ على مهل، وشاشةٍ تبتلع الانتباه بلا هوادة. والرهان الحقيقى لا يكمن فى عدد الزائرين، ولا فى حجم المبيعات، بل فى القدرة على تحويل هذا الإقبال إلى مشروع وعى مستدام، يحصّن هذا الجيل، ويمنحه أدوات الفهم والنقد، ويضعه فى موقع الفاعل لا المنفعل، والشريك فى صناعة المستقبل، لا مجرد مادة خام فى صراعاته.