منذ أكثر من شهر، سبق أن كتبت فى نفس هذا المكان، مقالا بعنوان ( فى غزة.. لاشىء يدعو إلى التفاؤل)، وقد دفعتنى التطورات الأخيرة، إلى العودة من جديد إلى نفس الموضوع، فى ظل ضبابية المشهد الحإلى للقطاع، والمشروعات التى تم طرحها عن مستقبله، مع عرقلة إسرائيل لخطة السلام التى طرحها الرئيس الأمريكى ترامب، فى نهاية سبتمبر الماضى، والتى تتكون من ٢٠ بندا، مع استمرار انتهاكاتها لوقف إطلاق النار ، الذى تم الإعلان عنه فى العاشر من أكتوبر الماضى، ناهيك عن افتقاد إدارة ترامب لرؤية محددة وواضحة، لمسألة إعادة تعمير القطاع، فمنذ حوالى عام، طرح ترامب نفسه مشروعه لإقامة (ريفيرا غزة)، وأنه من سيحكمها ويملكها، ومنذ أربعة أسابيع فقط تم تسريب معلومات، كشفت عنها صحيفة وول ستريت جورنال، عن إعداد جاريد كوشنر مستشار ترامب للشرق الأوسط لخطة، أطلق عليها (شروق الشمس) بتكلفة ١١٢ مليار دولار على عشر سنوات، من أربع مراحل، تبدأ من جنوب القطاع تحديدا من رفح، ثم من خان يونس، وبعدها دير البلح وصولا إلى مدينة غزة، دون أى إشارة إلى مناطق شمال غزة بيت لاهيا وبيت حانون، ووعدت واشنطن بتمويل ٢٠ بالمائة، دون تحديد مصادر تمويل النسبة الباقية، عاد الرجل يوم الخميس الماضى، لطرح خطة مختلفة، أمام أعضاء مجلس السلام، بعد إعلان تشكيله فى مدينة دافوس، وسماها(غزة الجديدة)، تختلف بشكل كبير عما سبق، وقام بعرض مجموعة من الخرائط والصور معدة بالذكاء الاصطناعى، تتضمن بناء مدن حديثة، بناطحات سحاب أنيقة، يصل عددها إلى ١٨٠ برجا سكنيا وفندقيا على البحر، مطلة على الساحل، وميناء متطور، وخط سكك حديد، وشبكة طرق، ومناطق مخصصة للصناعات المتقدمة، مع ثمانى مناطق سكنية، تتخللها حدائق وأراض زراعية ومرافق، وروَّج كوشنر إلى أن الهدف النهائى من المشروع، هو رفع الناتج المحلى للقطاع إلى ١٠ مليارات دولار سنويا، ووصول مستوى دخل الفرد إلى ١٣ ألف دولار، بحلول عام ٢٠٣٥ ،مع القضاء على البطالة، بتوفير نصف مليون وظيفة، وتوقع أن تتم العملية خلال ثلاث سنوات، بتكلفة تصل إلى ٣٠ مليار دولار، وهو رقم أقل من ثلثى مشروع شروق الشمس، خصص منها ٢٥ لإنجاز مشاريع الخدمات العامة، و٣ مليارات للمناطق التجارية، ومليار ونصف لبناء المدارس ومراكز التدريب، سيتم توفيرها عبر مؤتمر تستضيفه العاصمة واشنطن خلال الأسابيع المقبلة.
وفى المجمل، فإن كوشنر يتعامل مع غزة فى خطته، على أنها أرض بلا شعب،
فقد تفادى الحديث عن سكان القطاع، أثناء عمليات البناء والتعمير وما بعدها،
وتمثل أيضا نموذجا للتطوير العقارى، دون الاهتمام بالحقائق على الارض،- على سبيل المثال-، إغفاله الحديث عن مهمة إزالة الألغام والقذائف، ورفع الأنقاض، حيث تحتوى غزة ٦٠ مليون طن من الأنقاض، مجرد إزالتها يحتاج إلى سبع سنوات، وتحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة الاعمار، وفقا لمكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع، كما أن تقديرات المنظمة الدولية والاتحاد الأوروبى، تتحدث عن أن إعادة الاعمار ستتكلف ٧٠ مليار دولار.
والأخطر فى ظنى، تغافله عمدا، وجود مخطط متكامل، قدمته مصر للقمة العربية فى مارس الماضى توافقت عليه كل الدول العربية والإسلامية ودول أخرى عديدة، والذى يتسم بالشمول الكامل، والدراسة التفصيلية لعملية إعادة الاعمار، وتتميز بشىء مهم، أنها تجمع بين عملية التعمير وضمان بقاء الفلسطينيين فى أماكنهم، ومنع تهجيرهم، عبر مرحلة انتقالية أو مرحلة التعافى المبكر، لمدة ستة أشهر لرفع الأنقاض وإزالة الألغام وتركيب مساكن مؤقتة لحوإلى 1.5 مليون فلسطينى ومرحلتين لإعادة الإعمار تستمران خمس سنوات، وتصل التكلفة إلى حوإلى ٥٣ مليار دولار، ٣ مليارات لمرحلة التعافى المبكر والأولى ٢٠ مليارا والثانية ٣٠ مليارا، وقد سعت القاهرة عبر جهود مكثفة واتصالات مستمرة، للعمل على عقد مؤتمر إعادة الاعمار خلال الفترة الماضية، وسعت إلى إشراك واشنطن فى هذا الجهد، التى يبدو انها كان لها رأى آخر.
وتتنوع العقبات أمام مسألة التعمير، فى ظل عدم تنفيذ إسرائيل مقتضيات المرحلة الاولى من الاتفاق، حيث تشير الإحصائيات حتى نهاية الأسبوع الماضى إلى
وجود أكثر من ١٣٠٠ خرق، مع استمرار العدوان، ووصول الشهداء منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ فى ١٠ أكتوبر الماضى، إلى ما لا يقل عن أكثر من ٥٠١، اغلبهم أطفال ونساء واصابة اكثر من ١٣٢١، ولم يلتزم الجيش الإسرائيلى بالخط الأصفر، لتحديد أماكن انتشاره، بل أزاح الخط غربا، لتوسيع المساحة التى يسيطر عليها ، ومنع دخول المعدات الثقيلة، ولم يلتزم بدخول المساعدات الإنسانية والطبية، وفقا للاتفاق وعندما نجحت الضغوط الأمريكية عليه للدخول فى تنفيذ المرحلة الثانية، ظل متمسكا بشرط تسليم المقاومة جثمان القتيل الإسرائيلى الأخير، الذى تم الكشف عنه منذ يومين، بجهود مقدرة من حماس، وفقا لبيان البيت الأبيض (ترامب)، قبل الولوج للمرحلة الثانية، فاجأ نتنياهو الجميع بتصريح ( أن المرحلة الثانية ليست للإعمار بل لنزع سلاح حركة حماس)، وهو نفس قناعة الإدارة الأمريكية للأسف .
ولعل الطرفين يدركان صعوبة هذه الخطوة، خاصة مع المشاكل التى تواجه تشكيل قوة الاستقرار الدولية فى غزة، والتى ستتولى مهام أمنية وإدارية محددة منها تثبيت وقف اطلاق النار، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، فمازالت أمريكا تطلب من دول العالم الانضمام اليها، وآخرها إيطاليا، وسط مخاوف دولية من استخدامها فى عملية نزع سلاح المقاومة، وفقا للمخطط الأمريكى الإسرائيلى، الذى يطرح استخدام القوة إذا رفضت حماس ذلك، وهى عملية معقدة وتثير العشرات من الأسئلة التى لم يجد أحد لها إجابة حتى الان، حيث تطرح دول عربية وإقليمية ان يتم فى البداية نشر قوة شرطة فلسطينية، سبق لها ان تم تدريبها فى مصر والأردن ، وتقدر بـ ٥٠٠٠ فلسطينى وتولى حكومة التكنوقراط الفلسطينية مهامها، مع عودة للسلطة الوطنية الفلسطينية، التى يمكن لها ان تتسلم سلاح المقاومة، بشكل تدريجى ،بعيدا عن أفكار المصادرة والتدمير.
وبعد.. فالقطاع على مفترق طرق، اما التعمير مع بقاء سكانه فى منازلهم وفقا للمخطط المصرى المدعوم دوليا، او التهجير سواء قصريا او ناعما، على الطريقة الإسرائيلية بموافقة واشنطن.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







