لكل أمة عظيمة خصائص تميزها عن ما حولها من أمم، الأمة المصرية أمة عظيمة لها ثوابت وخصائص شكلت شخصيتها عبر آلاف السنين ولانبالغ إذ قلنا أن مصر جاءت ثم جاء التاريخ.
يحتاج البحث فى خصائص وثوابت الأمة المصرية الكثير من البحث، فهذا التاريخ الممتد بلا ضفاف يجعل المهمة شاقة لكن هناك أمرًا واضحًا وجليًا ومحددًا تشير إليه شخصية مصر منذ تكون الأمة المصرية على هذه الأرض وهو قدرة هذه الأمة فى الحفاظ على وحدتها فى كل المستويات سواء جغرافية أو سياسية وداخل نسيجها الاجتماعى.
لم يأت الحفاظ على الوحدة مصادفة ولكنه ارتبط منذ لحظة الميلاد الأولى، فمصر ابتكرت مفهوم الدولة المستقرة وهى الكيان القادر على حماية مقدرات الأمة وإدارة وتنظيم شئون البشر وفق ثوابت العدالة والقانون.
لم تستطع الاهتزازات العنيفة التى تعرضت لها مصر طوال تاريخها أن تؤثر أو تغير فى مكونات مفهوم الدولة حتى مع تغير طبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة وتعرض هذه الأنظمة إلى عثرات وصلت إلى حد تغييرها بالكامل فكان أى نظام سياسى يأتى أو يذهب لكن تظل قواعد الدولة راسخة دون تغيير حتى فى ظل وجود قوة احتلال استعمارى.
حاولت الكثير من القوى الاستعمارية طوال تاريخ مصر تمزيق مفهوم الدولة المصرية ثم تغيير طبيعة النسيج الاجتماعى للأمة إيذانًا بصنع كيانات مشوهة تتأسس على قواعد طائفية أو دينية أو عرقية ولكنها فشلت فشلا ذريعًا وكانت هذه المحاولات غرضها الرئيسى تفتيت الوحدة المصرية مما يسهل على هذه القوى الاستعمارية تحقيق أهدافها من استنزاف خيرات هذا البلد الطيب و السيطرة على موقعه الجغرافى الفذ.
استطاع النسيج الاجتماعى المصرى والإطار المنضبط للدولة المصرية احتواء كافة محاولات الهجوم على ثوابت الأمة، بل أعطت حيوية وترابط هذا النسيج قدرة فريدة للشخصية المصرية وهى تمصير كل ماهو مستجد عليها لتصبغه بصبغتها الخاصة ليصبح مصريًا خالصًا.
هذه التركيبة الصلبة والثابتة جعلت مصر بعيدة تمامًا عن هشاشة ماحولها فلم تعرف الأمة المصرية ظهور كيانات سياسية ثم يتم تركيب مفهوم دولة زائف على هذا الكيان لإعطائه شرعية منتحلة أو لعبت الجغرافيا دورًا ضد الوحدة المصرية، فالوجود الحدودى المصرى تكون مع لحظة الميلاد الأولى وثبت إلى الآن وذلك ناتج عن ابتكار مفهوم الدولة الذى أسسه المصرى القديم ولعل نظرة بسيطة لما يدور حولنا من عواصف سياسية وجغرافية تطيح بكيانات وتغير تركيبتها تكشف إلى أى مدى يبلغ الرسوخ المصرى على مستوى الدولة والأمة.
تعرضت مصر لفترات من الفوضى السياسية وضبابية السلطة والحكم طوال تاريخها القديم والحديث واستطاعت التغلب على كليهما بسبب هذه الخصائص والثوابت، وإذ أردنا استعراض هذه الفترات فنحن نستعرض تاريخ مصر وهو ممتد وموغل فى القدم، لكن الإطلالة السريعة على تاريخ مصر الحديث ستعطى لنا مؤشرات هامة على كيفية تفرد الدولة والأمة المصرية بثباتها وبعدها الكامل عن الهشاشة المحيطة بها.
فعند تأسيس الدولة المصرية الحديثة قبل قرنين ويزيد انطلقت محاولات استكشافية لصناعة أدوات هذه الدولة الحديثة التى تخطو خطواتها الأولى أو بمعنى آخر الاستعانة بوحدات خارجية ترتبط بالسلطة الجديدة وتدير الدولة من خلالها، وكانت هذه المحاولات نتيجة لفترات الفوضى التى سبقت التأسيس وعدم وجود الخبرة الكافية التى لم تكشف بأن هذا التأسيس لم يخلق من عدم بل هو إحياء للدولة الموجودة بالفعل ولكنها توارت بفعل عواصف الفوضى لذلك لم تمر إلا سنوات قليلة حتى بدأت الدولة المصرية العائدة تعمل بانتظام وتحولت عواصف الفوضى إلى تاريخ مهمل.
بنى هذا التأسيس سريعًا جسرًا من الصلة بين ثوابت الدولة المصرية العريقة والراسخة وما يتم تشكيله من حداثة وظهر هذا جليًا فى أهم ثوابت الدولة وهى قدرتها على حماية حدودها وأمنها القومى من خلال جيشها والحفاظ على استقرار جبهتها الداخلية وإنفاذ أحكام القانون من خلال شرطتها مع دوران عنفوان ماكينات الحداثة المرتبطة بعراقة الدولة المصرية، لم تمر سنوات قليلة حتى عادت الأمة المصرية تتخذ مكانتها الطبيعية على مستوى الإقليم والعالم.
رغم تعرض مصر لهجمة استعمارية شرسة مع نهايات القرن التاسع عشر إلا أن الدولة العريقة التى عادت بالتأسيس الحديث حافظت على الخصائص والثوابت التى تميز الدولة والأمة المصرية طوال تاريخها، وأولها فطليعة الدولة المصرية ممثلة فى جيشها وشرطتها نبت ومكون أصيل من هذا الشعب.
الحقيقة أن الأصالة التى تميز طليعة الأمة المصرية من جيشها وشرطتها راسخة من ثبات الوجود المصرى ذاته فطوال تاريخ هذه الأمة لم تشهد شكلا من أشكال الخروج عن تلك الأصالة، فلم تعرف مصر ما يسمى بالميليشيات أو خروج قوة ما عن إطار قوة الدولة أو تأسيس قوة تنحاز لدين أو عرق أو طائفة على حساب وجود الدولة.
هذه الأصالة لم تأت من فراغ بل هى مكون أساسى فى النسيج والشخصية المصرية ولم يطرأ يومًا على الوجدان المصرى وساوس وأوهام الجنون الميليشياوى أو الانفصال الجغرافى، فهذا لا يمكن تخيل حدوثه لطبيعة النواة الصلبة للأمة المصرية التى لاتقبل التقسيم أو التفتيت حتى لوتعرضت لأقسى الظروف حتى أن قساوة هذه الظروف تزيد من صلابة هذه النواة والتاريخ الحديث قبل القديم شاهد على هذا.
يمكن بمنتهى السهولة ملاحظة الفارق بين الثبات المصرى وصلابة نواة الأمة المصرية عند النظر إلى هشاشة الأوضاع المحيطة بنا فهذه الهشاشة لاتتحمل أى صدمة على المستوى السياسى أو الاجتماعى فنجد على الفور تغيرات جذرية وحادة تصيب وتتفشى فى هذه الكيانات وتصل إلى درجة الانقسام والتفكك أو بشكل أكثر إيضاحًا يعود كل مكون داخلها إلى انتمائه العرقى أو الدينى أو الطائفى لينكشف أمامنا أن هذه الكيانات لم تعرف فى الأساس مفهوم الدولة ولم تجمعها خصائص وثوابت أمة.
أول مؤشرات هذا الانقسام والتفكك التى تصيب هذه الكيانات الهشة والمحيطة بنا تظهر فى القوة التى كانت تحافظ على استمرار بقائها، فعلى الفور ومع الصدمة تتحول جيوشها الى ميليشيات وشرطتها إلى عصابات ولا تعرف بالتأكيد الميليشيات والعصابات مفهوم دولة أو استقرار مجتمع فهى تصارع فقط من أجل المال والسلطة والانحياز الدينى أو الطائفى أو العرقى.
هناك حالات أخرى لاتحتاج حتى إلى الصدمة ليحدث هذا الانفلات فمن داخل هذا الكيان يتم اختطاف مفهوم الدولة لصالح الميليشيا وتتحول الدولة إن وجدت إلى رهينة عند أمراء الميليشيات والعصابات بل هناك نموذج عجيب موجود بالفعل فباسم الثورة تدمر مقدرات الدولة وتتحلل الدولة بالكامل ثم تختفى من الوجود وتتحول إلى تنظيم سرى، أما آليات الدولة الطبيعية من جيش وشرطة فيحولها هذا التنظيم المتسلط إلى مجرد ميليشيات وظيفتها الوحيدة حماية التنظيم على أساس دينى وطائفى ومذهبى وفى مواجهة الشعب المغلوب على أمره.
هل تعرضت مصر لهذه العواصف من الانفلات والفوضى التى تريد ضرب ثبات الأمة وتحويله إلى هشاشة يسهل العبث بها؟ الإجابة نعم وكما قلنا التاريخ الحديث يشهد قبل القديم لقد حاولت الفاشية الإخوانية تنفيذ هذه المخططات ولأنهم لا يدركون خصائص وثوابت هذه الأمة ومدى رسوخ دولتها وطبيعة هذا الشعب فقد ظنوا أن محاولاتهم البلهاء قد تنجح لكن فى خلال ثوانى بحسابات زمن الأمة المصرية الممتد لآلاف السنين تم القضاء على الفاشية الإخوانية ومن ورائها.
بواقع خصائص وثوابت هذه الأمة ورسوخ هذه الدولة وما نتابعه ونراقبه من أحداث تصل إلى درجة الأعاصير محيطة بنا تتأكد فى كل لحظة حقيقة جلية واضحة كثابت من ثوابت الأمة وراسخة من رسوخ الدولة أن طليعة الأمة المصرية ممثلة فى جيشها وشرطتها درع الأمة وحماة مقدرات الدولة لأنهم منا ونحن منهم فهم أبناء هذا الشعب.
حتى الأحلام تتغير
تجار الدين والحرب.. رؤساء وملالي
محمد هاشم يكتب: الأمن الرقمي







