أبــنــاء الشــعــب

إيهاب فتحى
إيهاب فتحى


‭  ‬لكل‭ ‬أمة‭ ‬عظيمة‭ ‬خصائص‭ ‬تميزها‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬حولها‭ ‬من‭ ‬أمم،‭ ‬الأمة‭ ‬المصرية‭ ‬أمة‭ ‬عظيمة‭ ‬لها‭ ‬ثوابت‭ ‬وخصائص‭ ‬شكلت‭ ‬شخصيتها‭ ‬عبر‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬ولانبالغ‭ ‬إذ‭ ‬قلنا‭ ‬أن‭ ‬مصر‭ ‬جاءت‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬التاريخ‭. ‬

يحتاج‭ ‬البحث‭ ‬فى‭ ‬خصائص‭ ‬وثوابت‭ ‬الأمة‭ ‬المصرية‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البحث،‭ ‬فهذا‭ ‬التاريخ‭ ‬الممتد‭ ‬بلا‭ ‬ضفاف‭ ‬يجعل‭ ‬المهمة‭ ‬شاقة‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬أمرًا‭ ‬واضحًا‭ ‬وجليًا‭ ‬ومحددًا‭ ‬تشير‭ ‬إليه‭ ‬شخصية‭ ‬مصر‭ ‬منذ‭ ‬تكون‭ ‬الأمة‭ ‬المصرية‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬وهو‭ ‬قدرة‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬فى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬وحدتها‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬المستويات‭ ‬سواء‭ ‬جغرافية‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭ ‬وداخل‭ ‬نسيجها‭ ‬الاجتماعى‭. ‬

لم‭ ‬يأت‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الوحدة‭ ‬مصادفة‭ ‬ولكنه‭ ‬ارتبط‭ ‬منذ‭ ‬لحظة‭ ‬الميلاد‭ ‬الأولى،‭ ‬فمصر‭ ‬ابتكرت‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬المستقرة‭ ‬وهى‭ ‬الكيان‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬مقدرات‭ ‬الأمة‭ ‬وإدارة‭ ‬وتنظيم‭ ‬شئون‭ ‬البشر‭ ‬وفق‭ ‬ثوابت‭ ‬العدالة‭ ‬والقانون‭.‬

لم‭ ‬تستطع‭ ‬الاهتزازات‭ ‬العنيفة‭ ‬التى‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬مصر‭ ‬طوال‭ ‬تاريخها‭ ‬أن‭ ‬تؤثر‭ ‬أو‭ ‬تغير‭ ‬فى‭ ‬مكونات‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬تغير‭ ‬طبيعة‭ ‬الأنظمة‭ ‬السياسية‭ ‬الحاكمة‭ ‬وتعرض‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬إلى‭ ‬عثرات‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬تغييرها‭ ‬بالكامل‭ ‬فكان‭ ‬أى‭ ‬نظام‭ ‬سياسى‭ ‬يأتى‭ ‬أو‭ ‬يذهب‭ ‬لكن‭ ‬تظل‭  ‬قواعد‭ ‬الدولة‭ ‬راسخة‭ ‬دون‭ ‬تغيير‭  ‬حتى‭ ‬فى‭ ‬ظل‭ ‬وجود‭ ‬قوة‭ ‬احتلال‭ ‬استعمارى‭. ‬

حاولت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الاستعمارية‭ ‬طوال‭ ‬تاريخ‭ ‬مصر‭ ‬تمزيق‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬ثم‭ ‬تغيير‭ ‬طبيعة‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعى‭ ‬للأمة‭ ‬إيذانًا‭ ‬بصنع‭ ‬كيانات‭ ‬مشوهة‭ ‬تتأسس‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬طائفية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬عرقية‭ ‬ولكنها‭ ‬فشلت‭ ‬فشلا‭ ‬ذريعًا‭ ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬المحاولات‭ ‬غرضها‭ ‬الرئيسى‭ ‬تفتيت‭ ‬الوحدة‭ ‬المصرية‭ ‬مما‭ ‬يسهل‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬الاستعمارية‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬من‭ ‬استنزاف‭ ‬خيرات‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬الطيب‭ ‬و‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬موقعه‭ ‬الجغرافى‭ ‬الفذ‭. ‬

استطاع‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعى‭ ‬المصرى‭ ‬والإطار‭ ‬المنضبط‭ ‬للدولة‭ ‬المصرية‭ ‬احتواء‭ ‬كافة‭ ‬محاولات‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬ثوابت‭ ‬الأمة،‭ ‬بل‭ ‬أعطت‭ ‬حيوية‭ ‬وترابط‭ ‬هذا‭ ‬النسيج‭ ‬قدرة‭ ‬فريدة‭ ‬للشخصية‭ ‬المصرية‭ ‬وهى‭ ‬تمصير‭ ‬كل‭ ‬ماهو‭ ‬مستجد‭ ‬عليها‭ ‬لتصبغه‭ ‬بصبغتها‭ ‬الخاصة‭ ‬ليصبح‭ ‬مصريًا‭ ‬خالصًا‭. ‬

هذه‭ ‬التركيبة‭ ‬الصلبة‭ ‬والثابتة‭ ‬جعلت‭ ‬مصر‭ ‬بعيدة‭ ‬تمامًا‭ ‬عن‭ ‬هشاشة‭ ‬ماحولها‭ ‬فلم‭ ‬تعرف‭ ‬الأمة‭ ‬المصرية‭ ‬ظهور‭ ‬كيانات‭ ‬سياسية‭ ‬ثم‭ ‬يتم‭ ‬تركيب‭ ‬مفهوم‭ ‬دولة‭ ‬زائف‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬لإعطائه‭ ‬شرعية‭ ‬منتحلة‭ ‬أو‭ ‬لعبت‭ ‬الجغرافيا‭ ‬دورًا‭ ‬ضد‭ ‬الوحدة‭ ‬المصرية،‭ ‬فالوجود‭ ‬الحدودى‭ ‬المصرى‭ ‬تكون‭ ‬مع‭ ‬لحظة‭ ‬الميلاد‭ ‬الأولى‭ ‬وثبت‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬وذلك‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬ابتكار‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الذى‭ ‬أسسه‭ ‬المصرى‭ ‬القديم‭ ‬ولعل‭ ‬نظرة‭ ‬بسيطة‭ ‬لما‭ ‬يدور‭ ‬حولنا‭ ‬من‭ ‬عواصف‭ ‬سياسية‭ ‬وجغرافية‭ ‬تطيح‭ ‬بكيانات‭ ‬وتغير‭ ‬تركيبتها‭ ‬تكشف‭ ‬إلى‭ ‬أى‭ ‬مدى‭ ‬يبلغ‭ ‬الرسوخ‭ ‬المصرى‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الدولة‭ ‬والأمة‭. ‬

تعرضت‭ ‬مصر‭ ‬لفترات‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬السياسية‭ ‬وضبابية‭ ‬السلطة‭ ‬والحكم‭ ‬طوال‭ ‬تاريخها‭ ‬القديم‭ ‬والحديث‭ ‬واستطاعت‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬كليهما‭ ‬بسبب‭ ‬هذه‭ ‬الخصائص‭ ‬والثوابت،‭ ‬وإذ‭ ‬أردنا‭ ‬استعراض‭ ‬هذه‭ ‬الفترات‭ ‬فنحن‭ ‬نستعرض‭ ‬تاريخ‭ ‬مصر‭ ‬وهو‭ ‬ممتد‭ ‬وموغل‭ ‬فى‭ ‬القدم،‭ ‬لكن‭ ‬الإطلالة‭ ‬السريعة‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬مصر‭ ‬الحديث‭ ‬ستعطى‭ ‬لنا‭ ‬مؤشرات‭ ‬هامة‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬تفرد‭ ‬الدولة‭ ‬والأمة‭ ‬المصرية‭ ‬بثباتها‭ ‬وبعدها‭ ‬الكامل‭ ‬عن‭ ‬الهشاشة‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭. ‬

فعند‭ ‬تأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬الحديثة‭ ‬قبل‭ ‬قرنين‭ ‬ويزيد‭ ‬انطلقت‭ ‬محاولات‭ ‬استكشافية‭ ‬لصناعة‭ ‬أدوات‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬التى‭ ‬تخطو‭ ‬خطواتها‭ ‬الأولى‭ ‬أو‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬الاستعانة‭ ‬بوحدات‭ ‬خارجية‭ ‬ترتبط‭ ‬بالسلطة‭ ‬الجديدة‭ ‬وتدير‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬المحاولات‭ ‬نتيجة‭ ‬لفترات‭ ‬الفوضى‭ ‬التى‭ ‬سبقت‭ ‬التأسيس‭ ‬وعدم‭ ‬وجود‭ ‬الخبرة‭ ‬الكافية‭ ‬التى‭ ‬لم‭ ‬تكشف‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬التأسيس‭ ‬لم‭ ‬يخلق‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬إحياء‭ ‬للدولة‭ ‬الموجودة‭ ‬بالفعل‭ ‬ولكنها‭ ‬توارت‭ ‬بفعل‭ ‬عواصف‭ ‬الفوضى‭ ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬تمر‭ ‬إلا‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬حتى‭ ‬بدأت‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬العائدة‭ ‬تعمل‭ ‬بانتظام‭ ‬وتحولت‭ ‬عواصف‭ ‬الفوضى‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬مهمل‭. ‬

بنى‭ ‬هذا‭ ‬التأسيس‭ ‬سريعًا‭ ‬جسرًا‭ ‬من‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬ثوابت‭  ‬الدولة‭  ‬المصرية‭ ‬العريقة‭ ‬والراسخة‭ ‬وما‭ ‬يتم‭ ‬تشكيله‭ ‬من‭ ‬حداثة‭ ‬وظهر‭ ‬هذا‭ ‬جليًا‭ ‬فى‭ ‬أهم‭ ‬ثوابت‭ ‬الدولة‭ ‬وهى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬حدودها‭ ‬وأمنها‭ ‬القومى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جيشها‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬جبهتها‭ ‬الداخلية‭ ‬وإنفاذ‭ ‬أحكام‭ ‬القانون‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شرطتها‭ ‬مع‭ ‬دوران‭ ‬عنفوان‭ ‬ماكينات‭ ‬الحداثة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بعراقة‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية،‭ ‬لم‭ ‬تمر‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬حتى‭ ‬عادت‭ ‬الأمة‭ ‬المصرية‭ ‬تتخذ‭ ‬مكانتها‭ ‬الطبيعية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الإقليم‭ ‬والعالم‭. ‬

رغم‭ ‬تعرض‭ ‬مصر‭ ‬لهجمة‭ ‬استعمارية‭ ‬شرسة‭ ‬مع‭ ‬نهايات‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬العريقة‭ ‬التى‭ ‬عادت‭ ‬بالتأسيس‭ ‬الحديث‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬الخصائص‭ ‬والثوابت‭ ‬التى‭ ‬تميز‭ ‬الدولة‭ ‬والأمة‭ ‬المصرية‭ ‬طوال‭ ‬تاريخها،‭ ‬وأولها‭ ‬فطليعة‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬ممثلة‭ ‬فى‭ ‬جيشها‭ ‬وشرطتها‭ ‬نبت‭ ‬ومكون‭ ‬أصيل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭. ‬

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الأصالة‭ ‬التى‭ ‬تميز‭ ‬طليعة‭ ‬الأمة‭ ‬المصرية‭ ‬من‭ ‬جيشها‭ ‬وشرطتها‭ ‬راسخة‭ ‬من‭ ‬ثبات‭ ‬الوجود‭ ‬المصرى‭ ‬ذاته‭ ‬فطوال‭ ‬تاريخ‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الخروج‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الأصالة،‭ ‬فلم‭ ‬تعرف‭ ‬مصر‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالميليشيات‭ ‬أو‭ ‬خروج‭ ‬قوة‭ ‬ما‭ ‬عن‭ ‬إطار‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬تأسيس‭ ‬قوة‭ ‬تنحاز‭ ‬لدين‭ ‬أو‭ ‬عرق‭ ‬أو‭ ‬طائفة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬وجود‭ ‬الدولة‭. ‬

هذه‭ ‬الأصالة‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬من‭ ‬فراغ‭ ‬بل‭ ‬هى‭ ‬مكون‭ ‬أساسى‭ ‬فى‭ ‬النسيج‭ ‬والشخصية‭ ‬المصرية‭ ‬ولم‭ ‬يطرأ‭ ‬يومًا‭ ‬على‭ ‬الوجدان‭ ‬المصرى‭ ‬وساوس‭ ‬وأوهام‭ ‬الجنون‭ ‬الميليشياوى‭ ‬أو‭ ‬الانفصال‭ ‬الجغرافى،‭ ‬فهذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تخيل‭ ‬حدوثه‭ ‬لطبيعة‭ ‬النواة‭ ‬الصلبة‭ ‬للأمة‭ ‬المصرية‭ ‬التى‭ ‬لاتقبل‭ ‬التقسيم‭ ‬أو‭ ‬التفتيت‭ ‬حتى‭ ‬لوتعرضت‭ ‬لأقسى‭ ‬الظروف‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬قساوة‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬صلابة‭ ‬هذه‭ ‬النواة‭ ‬والتاريخ‭ ‬الحديث‭ ‬قبل‭ ‬القديم‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬هذا‭. ‬

يمكن‭ ‬بمنتهى‭ ‬السهولة‭ ‬ملاحظة‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬الثبات‭ ‬المصرى‭ ‬وصلابة‭ ‬نواة‭ ‬الأمة‭ ‬المصرية‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬هشاشة‭ ‬الأوضاع‭ ‬المحيطة‭ ‬بنا‭ ‬فهذه‭ ‬الهشاشة‭ ‬لاتتحمل‭ ‬أى‭ ‬صدمة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬السياسى‭ ‬أو‭ ‬الاجتماعى‭ ‬فنجد‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬تغيرات‭ ‬جذرية‭ ‬وحادة‭ ‬تصيب‭ ‬وتتفشى‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬الكيانات‭ ‬وتصل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الانقسام‭ ‬والتفكك‭ ‬أو‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬إيضاحًا‭ ‬يعود‭ ‬كل‭ ‬مكون‭ ‬داخلها‭ ‬إلى‭ ‬انتمائه‭ ‬العرقى‭ ‬أو‭ ‬الدينى‭ ‬أو‭ ‬الطائفى‭ ‬لينكشف‭ ‬أمامنا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الكيانات‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬فى‭ ‬الأساس‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬ولم‭ ‬تجمعها‭ ‬خصائص‭ ‬وثوابت‭ ‬أمة‭. ‬

أول‭ ‬مؤشرات‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام‭ ‬والتفكك‭ ‬التى‭ ‬تصيب‭ ‬هذه‭ ‬الكيانات‭ ‬الهشة‭ ‬والمحيطة‭ ‬بنا‭ ‬تظهر‭ ‬فى‭ ‬القوة‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬بقائها،‭ ‬فعلى‭ ‬الفور‭ ‬ومع‭ ‬الصدمة‭ ‬تتحول‭ ‬جيوشها‭ ‬الى‭ ‬ميليشيات‭ ‬وشرطتها‭ ‬إلى‭ ‬عصابات‭ ‬ولا‭ ‬تعرف‭ ‬بالتأكيد‭ ‬الميليشيات‭ ‬والعصابات‭ ‬مفهوم‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬استقرار‭ ‬مجتمع‭ ‬فهى‭ ‬تصارع‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المال‭ ‬والسلطة‭ ‬والانحياز‭ ‬الدينى‭ ‬أو‭ ‬الطائفى‭ ‬أو‭ ‬العرقى‭. ‬

هناك‭ ‬حالات‭ ‬أخرى‭ ‬لاتحتاج‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬الصدمة‭ ‬ليحدث‭ ‬هذا‭ ‬الانفلات‭ ‬فمن‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬يتم‭ ‬اختطاف‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬لصالح‭ ‬الميليشيا‭ ‬وتتحول‭ ‬الدولة‭ ‬إن‭ ‬وجدت‭ ‬إلى‭ ‬رهينة‭ ‬عند‭ ‬أمراء‭ ‬الميليشيات‭ ‬والعصابات‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬نموذج‭ ‬عجيب‭ ‬موجود‭ ‬بالفعل‭ ‬فباسم‭ ‬الثورة‭ ‬تدمر‭ ‬مقدرات‭ ‬الدولة‭ ‬وتتحلل‭ ‬الدولة‭ ‬بالكامل‭ ‬ثم‭ ‬تختفى‭ ‬من‭ ‬الوجود‭ ‬وتتحول‭  ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬سرى،‭ ‬أما‭ ‬آليات‭ ‬الدولة‭ ‬الطبيعية‭  ‬من‭ ‬جيش‭ ‬وشرطة‭ ‬فيحولها‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬المتسلط‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬ميليشيات‭ ‬وظيفتها‭ ‬الوحيدة‭ ‬حماية‭ ‬التنظيم‭  ‬على‭ ‬أساس‭ ‬دينى‭ ‬وطائفى‭ ‬ومذهبى‭ ‬وفى‭ ‬مواجهة‭ ‬الشعب‭ ‬المغلوب‭ ‬على‭ ‬أمره‭. ‬

هل‭ ‬تعرضت‭ ‬مصر‭ ‬لهذه‭ ‬العواصف‭ ‬من‭ ‬الانفلات‭ ‬والفوضى‭ ‬التى‭ ‬تريد‭ ‬ضرب‭ ‬ثبات‭ ‬الأمة‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬هشاشة‭ ‬يسهل‭ ‬العبث‭ ‬بها؟‭ ‬الإجابة‭ ‬نعم‭ ‬وكما‭ ‬قلنا‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭ ‬يشهد‭ ‬قبل‭ ‬القديم‭ ‬لقد‭ ‬حاولت‭ ‬الفاشية‭ ‬الإخوانية‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬المخططات‭ ‬ولأنهم‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬خصائص‭ ‬وثوابت‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬ومدى‭ ‬رسوخ‭ ‬دولتها‭ ‬وطبيعة‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬فقد‭ ‬ظنوا‭ ‬أن‭ ‬محاولاتهم‭ ‬البلهاء‭ ‬قد‭ ‬تنجح‭ ‬لكن‭ ‬فى‭ ‬خلال‭ ‬ثوانى‭ ‬بحسابات‭ ‬زمن‭ ‬الأمة‭ ‬المصرية‭ ‬الممتد‭ ‬لآلاف‭ ‬السنين‭ ‬تم‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الفاشية‭ ‬الإخوانية‭ ‬ومن‭ ‬ورائها‭. ‬

بواقع‭ ‬خصائص‭ ‬وثوابت‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬ورسوخ‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬وما‭ ‬نتابعه‭ ‬ونراقبه‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الأعاصير‭ ‬محيطة‭ ‬بنا‭ ‬تتأكد‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬حقيقة‭ ‬جلية‭ ‬واضحة‭ ‬كثابت‭ ‬من‭ ‬ثوابت‭ ‬الأمة‭ ‬وراسخة‭ ‬من‭ ‬رسوخ‭ ‬الدولة‭ ‬أن‭ ‬طليعة‭ ‬الأمة‭ ‬المصرية‭ ‬ممثلة‭ ‬فى‭ ‬جيشها‭ ‬وشرطتها‭ ‬درع‭  ‬الأمة‭ ‬وحماة‭ ‬مقدرات‭ ‬الدولة‭ ‬لأنهم‭ ‬منا‭ ‬ونحن‭ ‬منهم‭ ‬فهم‭ ‬أبناء‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭. ‬

;