عرف ياسر رزق بمواقفه الداعمة للوطن وتصديه لجماعة الإخوان وكتب عن أحداث ٢٥ يناير ٢٠١١ وما بعدها وقدم رؤى تحليلية عميقة لهذه الفترة أبرزها فى كتابه «سنوات الخماسين» .
4 سنوات تمر اليوم على غياب «الألفة» ياسر رزق.. نعم فقد كان «الألفة» بلا منازع بين جميع أقرانه وزملائه خريجى دفعة ١٩٨٦ بكلية إعلام القاهرة (قسم الصحافة).. رحل ياسر رزق فى هذا اليوم الحزين (الأربعاء ٢٦ يناير ٢٠٢٢) إثر أزمة قلبية مفاجئة عن عمر ناهز ٥٧ عاماً.
صحيح أنه كان يعانى مشكلات فى القلب منذ سنوات لعدة أسباب أهمها التدخين المستمر لكن معاناته الكبرى كانت مع سرطان الرئة فسافر إلى فرنسا وخضع لجراحة استئصال جزء من إحدى رئتيه عاد بعدها وبالعلاج المستمر تحسنت حالته كثيراً فإذا بمشكلات القلب تقفز إلى الصدارة وتنهى حياته بأزمة مفاجئة.. ذهبت إلى منزله بعد وفاته بساعات ورفعت الغطاء عن وجهه وقبلته على جبينه وخرجت وأنا لا أصدق ما حدث فى ساعات قليلة.
رحل ياسر رزق تاركاً فراغاً كبيراً فى الوسط الصحفى وحزناً عميقاً فى قلوب كل من تعامل معه واقترب منه وحزناً أعمق لا ينتهى فى قلوب من أحبوه بصدق وإخلاص ولم يحاولوا يوماً الإساءة إليه.
موهبة مبكرة
عرفت ياسر رزق طفلاً صغيراً كان يأتى مع والده الكاتب الصحفى فتحى رزق المحرر العسكرى الشهير ومدير مكتب «أخبار اليوم» بالإسماعيلية إلى المقر الرئيسى بالقاهرة فيتجول بين المكاتب.. نقدم له الحلوى والعصائر ونناقشه فى بعض الأمور العامة أو الصحفية بما يتناسب مع سنه ولاحظنا موهبته الصحفية من أسئلته وتعليقاته وكان والده -رحمه الله- يترك له الحرية للتنقل بين مكاتب الزملاء ليتحقق له أقصى قدر من الاستفادة والخبرة.. ولهذا كان الإحساس المؤكد لدينا جميعاً أن هذا الشبل من ذاك الأسد.. وأن ياسر رزق لابد يوماً وأن يكون نجماً فى عالم الصحافة.
ومن هنا جاء يقينى وتوقعى الذى لا يخيب أبداً والذى أفصحت عنه علانية لزملائى يوم تعيين الأستاذ الفاضل محمد بركات رئيساً لتحرير «الأخبار» عام ٢٠٠٥ أن رئيس التحرير القادم سيكون ياسر رزق فقد كنت أراه مهيأ تماماً لهذا المنصب ويتمتع بكل الصفات التى تؤهله لشغله بكفاءة.. وما عزز هذا التنبؤ الذى أفصحت عنه اختياره فى نفس العام (٢٠٠٥) رئيساً لتحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون فأحدث بها تطويراً غير مسبوق وضاعف من أرقام توزيعها.
.. وتحققت النبوءة
وفى ١٨ يناير ٢٠١١ صدر القرار الذى تنبأت به قبلها بست سنوات.. ياسر رزق رئيساً لتحرير الأخبار.. وبدأ ياسر يمارس عمله واختصاصاته مع الأيام الأولى لأحداث ٢٥ يناير ٢٠١١.. كان يترك لى ولزملائى مديرى التحرير حرية إدارة العمل اليومى فى إصدار الطبعة الأولى ثم يلقى عليها النظرة الأخيرة.. وإذا كانت له ملاحظات ــ وهذا حقه بالطبع ــ كان يقولها لنا بمنتهى الأدب والاحترام.
ولا أبالغ إذا قلت إننى أحببت ياسر رزق كابنى أو أخى الأصغر على الأقل منذ سنوات طويلة ففارق السن بيننا ١٤ عاماً ومازلت أقدره وأخلص له ولذكراه وأقدر تماماً احترامه وتقديره لى ولزملائى وحرصه على إظهار ذلك فى كل تعاملاته معنا رغم أنه أصبح رئيساً للتحرير وأنا وزملاء دفعتى (١٩٧٥) كنا مديرين للتحرير منذ عام ٢٠٠٥ بقرار أصدره الخلوق محمد بركات رئيس التحرير فى ذلك الوقت وقبل أن يصبح رئيساً لمجلس الإدارة بعدما تولى ياسر رزق رئاسة التحرير.. وأذكر جيداً أنه لم ينادنى أو يذكر اسمى فى أى حديث أو حوار جماعى إلا مسبوقاً بكلمة «أستاذ» ولم يحذف لى أى كلمة من أى مقال مهما تضمنت من انتقادات للحكومة أو لأحد الوزراء.
وفى ١٦ نوفمبر ٢٠١٥ وكان وقتها قد أصبح رئيساً لمجلس الإدارة اختارنى مديراً لمركز أخبار اليوم للتدريب والاستشارات.. والحمد لله أننى أديت واجبى بما يرضى الله وكنت أقدم له تقريراً كل ثلاثة أشهر عن أعمال المركز.. وبعد ثلاث سنوات عندما أراد إحداث تغيير فى إدارة المركز تعامل معى بمنتهى الاحترام واتصل بى يستأذنى وأخبرنى برغبته فى تصعيد الزميل د.أسامة السعيد مديراً للمركز وبناء على ذلك سيتم تعيينى مستشاراً لرئيس مجلس الإدارة للتدريب وتطوير الموارد البشرية.. ووافقت على الفور مؤكداً أن أى قرار يتعلق بالدكتور أسامة السعيد لابد أن أوافق عليه فوراً وأرحب به فقد عمل د.أسامة السعيد معى فى القسم السياسى لتغطية نشاط مجلس الشعب والأحزاب وكان خير مثال للمحرر البرلمانى.. كما مثل «الأخبار» فى رئاسة الجمهورية وأبلى بلاء حسناً، فكيف لا أرحب بأى تصعيد له على المستوى المهنى خاصة أننى بنظرتى المستقبلية التى تنبأت لياسر برئاسة تحرير الأخبار توقعت مبكراً جداً أن يصل هذا المنصب للدكتور أسامة السعيد وأكدت له أن الأيام ستثبت له صدق نبوءتى لما لمسته فيه من صفات وقدرات مهنية تؤهله لهذا المنصب بنجاح تام.. وأعتقد أن هذه النبوءة قد صدقت أيضاً بدليل ما نشهده حالياً من تطور ملحوظ فى جريدة «الأخبار» .
بدايات ياسر رزق
أعود الآن إلى بدايات ياسر رزق الصحفية حيث عمل قبل تخرجه فى بعض أقسام «الأخبار» لكن بعد انضمامه رسمياً لأسرة تحرير «الأخبار» التحق بالقسم العسكرى تحت رئاسة الراحل فاروق الشاذلى.. ثم عمل مندوباً فى رئاسة الجمهورية حتى عام ٢٠٠٥ حينما تم اختياره رئيساً لتحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون.. بعدها عاد إلى الأخبار رئيساً للتحرير اعتباراً من ١٨ يناير ٢٠١١ أى قبل أسبوع من أحداث يناير ٢٠١١ التى عاشها فى ظروف نفسية صعبة جداً غير مصدق لما حدث.. لكن بعدما تحمل المشير طنطاوى المسئولية وسارت مصر فى اتجاه إجراء انتخابات رئاسية جديدة كان لابد أن يمارس عمله وفى الصدارة منه إجراء حوارات مع أهم المرشحين للرئاسة وهما الفريق أحمد شفيق ود.محمد مرسى مرشح الإخوان واصطحبنا ياسر رزق (أنا وزملائى مديرى التحرير وبعض الكتاب) لزيارة كل من المرشحين فى منزله ليكون الحوار جماعياً باسم «الأخبار».
وحدث ما حدث فى الانتخابات وبعدما تم إبلاغ الفريق أحمد شفيق بفوزه وتوجه الحرس الجمهورى إلى منزله أعلن فجأة فوز د.محمد مرسى وتولى السلطة فعلاً.. لكن علاقة ياسر رزق بالإخوان لم تكن لتستقيم أبداً فتخلصوا منه بسرعة.
وهنا اختطفته الصحافة الخاصة وتعاقدت معه المصرى اليوم رئيساً لتحريرها فلمع وذاع صيته وارتفع توزيع المصرى اليوم بشكل ملحوظ خاصة مع التطور الذى أحدثه فى سياستها التحريرية وإخراجها.
وبعد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ وخلال فترة ولاية الرئيس المؤقت المستشار عدلى منصور أجرى ياسر رزق فى شهر أكتوبر أول حوار صحفى مع الفريق أول عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع الذى كشف خلاله عن أحداث مهمة خلال فترة الانتقال السياسى.
واستمر ياسر رزق رئيساً لتحرير المصرى اليوم عاماً وثلاثة أشهر عاد بعدها إلى «أخبار اليوم» أواخر عام ٢٠١٣ ليرأس مجلس إدارتها اعتباراً من ٢ يناير ٢٠١٤ وفى ٢٨ يونيو ٢٠١٤ جمع بين رئاسة مجلس الإدارة ورئاسة تحرير «الأخبار».. وفى ٤ يونيو ٢٠١٧ تم الفصل بين المنصبين وأصبح ياسر رزق رئيساً لمجلس الإدارة فقط وتولى خالد ميرى رئاسة التحرير حتى انتقلت مؤخراً إلى د.أسامة السعيد اعتباراً من 7 إبريل ٢٠٢٤ بينما انتقلت رئاسة مجلس إدارة أخبار اليوم إلى أحمد جلال اعتباراً من ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٠ حتى انتقلت مؤخراً إلى إسلام عفيفى اعتباراً من ٧ إبريل ٢٠٢٤.
نوط الواجب العسكرى
حصل ياسر رزق خلال مسيرته الصحفية على نوط الواجب العسكرى.. وعرف بمواقفه الداعمة للوطن وتصديه لجماعة الإخوان المسلمين وكتب عن أحداث ٢٥ يناير ٢٠١١ وما بعدها وقدم رؤى تحليلية عميقة لهذه الفترة الحرجة أبرزها فى كتابه (سنوات الخماسين).. بين يناير الغضب ويونيو الخلاص الذى قدم فيه شهادته عن أهم فترة فى تاريخ مصر الحديث.
وكان أيضاً لياسر عطاء نقابى متميز من خلال عضويته فى مجلس نقابة الصحفيين على مدى ثلاثة مجالس متصلة من ١٩٩٩ حتى ٢٠١١.. هذه الفترة كان له دور بارز وهو يرأس لجنة الإسكان فى إنجاز مشروع «كومباوند الصحفيين» بالتجمع الخامس .
نموذج للرقى
أخيراً.. كان ياسر نموذجاً للرقى والتحضر متسامحاً طيباً.. لا يميل إلى العقاب وقطع الرزق.. يتعامل مع المواقف بحكمة وهدوء.. يتمتع بمكانة خاصة لدى القوات المسلحة ويحظى بثقة قادتها.. مما أتاح له الإطلاع على أسرار كثيرة ضمنها كتابه «سنوات الخماسين» فكانت مصادفة مهمة أن تكون هذه الشهادة آخر كتاباته رحمه الله .

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







