خبراء ومحللون سياسيون يجيبون .. ماذا تفعل أوروبا بعد تصنيف واشنطن للإخوان جماعـة إرهابية؟

جماعـة  الإخوان المسلمين
جماعـة الإخوان المسلمين


  دخلت العلاقة بين واشنطن والعواصم الأوروبية مرحلة من الحرج الدبلوماسي والأمني غير المسبوق، عقب الإعلان الرسمي الأمريكي، عن إدراج فروع الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب العالمية، تنفيذًا لأمر دونالد ترامب، الذي لم يضع الجماعة فحسب في دائرة الاستهداف، بل وضع الحلفاء الأوروبيين، بحسب الخبراء، أمام خيارين فقط.. إما الاصطفاف خلف الرؤية الأمريكية الجديدة، أو المخاطرة بصدع استراتيجي ومالي مع "العم سام".

استند التصنيف الأمريكي، الذي أعلنه مارك روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، في 13 يناير 2026، إلى اتهامات صريحة لجماعة الإخوان الإرهابية بدعم أنشطة تهدد الأمن القومي الأمريكي ومصالح حلفائه حول العالم، والتأكيد على وجود روابط مالية ولوجيستية تربط فروع الجماعة بحركات مسلحة.

ولمعرفة تأثير القرار الأمريكي على فروع الجماعة في أوروبا، وازدواجية المعايير في رفض الدول الأوروبية الكبرى اتخاذ قرار مماثل، رغم تحذيرات التقارير الاستخباراتية، وإلى أي مدى يمكن أن تبقى بريطانيا، التي تعتبر الملاذ الآمن لقيادات الإخوان وأصولهم المالية واستثماراتهم، في مأمن من غضب ترامب؟، تحدثت جريدة "أخبار الحوادث" مع المؤرخ الفرنسي رولاند لومباردي، والمفكر السياسي الفرنسي ألكسندر دال فال، والكاتبة الصحفية والباحثة في الشئون الدولية فابيولا بدوي، والمحلل السياسي من باريس بسام الطحان، عن تأثير القرار الأمريكي على أوروبا.

في البداية، يرى المؤرخ الفرنسي رولاند لومباردي أن للقرار الأمريكي تأثير مباشر على النفوذ المالي والسياسي في أوروبا، إذ يُمارس ضغطًا على البنوك والمنظمات غير الحكومية والشبكات المالية، محذرًا من أن استمرار المهادنة قد يفرز بنية أيديولوجية متطرفة تعمل كـ "دين جامع" للمشاركة السياسية، أي بنية أيديولوجية للمشاركة السياسية تابعة لهم لن يتمكنوا من تفكيكها، ولن تحتاج للحماية أو لإعادة التشكيل مرة أخرى في شكل آخر.

القرار الأمريكي – والكلام على لسان المؤرخ الفرنسي رولاند لومباردي -أحدث حالة من الاستنفار في دوائر القرار الأوروبي، وله وزن هائل يمارس من خلاله ترامب ضغطًا خانقًا على البنوك والمنظمات غير الحكومية والشبكات المالية الأوروبية، محذرًا من أن استمرار المهادنة قد يفرز بنية أيديولوجية متطرفة تعمل كـ "دين جامع" للمشاركة السياسية.

 

ويتفق معه الكاتب السياسي الفرنسي ألكسندر دال فال مؤكدًا؛ أن القرار سيدفع الدول الأوروبية حتمًا لمراجعة مواقفها، خاصة بعد أن كشفت حرب غزة الأبعاد "الإرهابية" للجماعة عبر ذراعها "حماس"، وبروز مخاوف من ارتباط من وصفهم بالمثلث الثوري"حماس، حزب الله، الإخوان"، بالجمهورية الإسلامية الإيرانية لاستهداف أوروبا والدول السنية.

من جانبها، تضع الكاتبة الصحفية والباحثة في الشئون الدولية فابيولا بدوي القرار في سياق "الشبهة الدولية"، معتبرة أن التأثير سيظهر عبر تشديد الرقابة المالية وتضييق الخناق على "الجمعيات الواجهة"، بينما يذهب المحلل السياسي د. بسام طحان إلى أبعد من ذلك، موضحًا أن القرار الأمريكي لا يفرض واقعًا جديدًا بقدر ما يحرك "مشاريع تصنيف" كانت حبيسة الأدراج الأوروبية لسنوات، مؤكدًا أن المشكلة متجذرة في أوروبا نظرًا لتغلغل الجماعة في الإدارات المحلية منذ عقود.

ازدواجية المعايير

وعن ازدواجية المعايير بين التقارير الاستخباراتية التي تعترف بدور الجماعة في التطرف  الأيديولوجي والانفصال والتغلغل المؤسسي، وبين القرار السياسي الأوروبي يتغاضى عن ذلك الاعتراف، يصف لومباردي الموقف بأنه ليس مجرد نقاش قانوني، بل إنكار السياسي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بثقافة أوروبية تتسم بتعددية ساذجة.

فضلًا عن الضغط الدبلوماسي والاقتصادي الذي تمارسه القوى المالية الفاعلة، التي باتت لاعبًا مؤثرًا في صميم العديد من الدول الأوروبية، وهو من وجهة نظره ما رسخ منطقة رمادية خطيرة، حتى مع اعتراف أجهزة الاستخبارات بدورها في التطرف الأيديولوجي والانفصال والتغلغل المؤسسي.

واعتبر ألكسندر دال فال، أن التفسير الوحيد لرفض باريس وبرلين التصنيف الرسمي لجماعة الإخوان كجماعة إرهابية وإدراجها ضمن قوائم الإرهاب، رغم مخاوفهم منها، هو عدم اتساق في المواقف بين المؤسسات السياسية والأمنية، ويرسخ منطقة رمادية خطيرة، ولكنه أشار إلى أن إدارتي أوباما وبايدن سهلتا سابقًا هذا التغلغل، عبر دعم الجماعة خلال ما سمي بـ "الربيع العربي".

من جانبها أوضحت، فابيولا بدوي؛ أن أوروبا لا يمكنها قانونًا التعامل مع كل من يقوّض الديمقراطية كإرهابي ما لم يمارس عنفًا، منتقدة "الفراغ السياسي" الناتج عن عدم تطوير أدوات ردع بديلة، مؤكدة أن "الديمقراطية لا تحمى فقط بعدم كسر القانون، بل بعدم السماح بالتحايل عليها باسم الحريات".

 

 

 

أما المحلل السياسي د. بسام الطحان، فيكشف أن هذا النقاش، المتعلق بتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية من قبل الدول الأوروبية الكبرى، قديم جداً في فرنسا منذ أكثر من ثلاثة عقود، حيث جرت مداخلات برلمانية عديدة حول ماهية الجماعة، مؤكدًا أن تغلغلهم في فرنسا تحديدًا كان الأقوى بسبب الكتلة الديموغرافية للمسلمين هناك.

 

تعميق الخلاف

وحول إمكانية أن يتسبب القرار في تعميق الخلاف بين ضفتي الأطلسي، يرى ألكسندر دال فال المفكر والكاتب الفرنسى؛ أن الصدام بين أوروبا وأمريكا، اتخذ بعدًا جديدًا عقب صدور وثيقة البيت الأبيض أو استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، والتي صنفت الدول الأوروبية ذات الأقليات المسلمة المخترقة من قبل الإخوان بأنها "دول غير موثوقة" بسبب ما وصفته بـ "الاضمحلال الحضاري".

​بالنسبة لترامب، كما يقول دال فال؛ فإن سيطرة الإخوان على المراكز الإسلامية في أوروبا وتحول التركيبة الديموغرافية نتيجة الهجرة غير المنضبطة، قد يدفع واشنطن للتخلي عن تضامنها الدفاعي مع هذه الدول ضمن حلف الناتو، باعتبارها لم تعد تشبه الدول التي وقعت المعاهدات في الخمسينيات والستينيات.

هذا التهديد يراه لومباردي نذيرًا بتفاقم الفجوة بين ضفتي الأطلسي أي بين واقعية واشنطن ومعيارية بروكسل، حيث تُبرر واشنطن موقفها بمنطق الأمن الاستراتيجي والواقعية البحتة، بينما يُواصل الاتحاد الأوروبي التفكير بمنطق معياري وأيديولوجي، لافتا إلى أن أوروبا لا تزال تُقلل من شأن الإسلام السياسي كتهديد جيوسياسي، مُفضلةً إدارة التداعيات على مواجهة جذور المشكلة، وهو موقف لطالما وصفته بالخطير على المدى المتوسط والبعيد.

لكن الباحثة فابيولا بدوي، ترى في المقابل بأن القرار الأمريكي، سيقود إلى "تقارب بين أوروبا وأمريكا دون إعلان"، حيث ستقترب السياسات الأمنية الأوروبية عمليًا من النموذج الأمريكي لتجنب الصدام المالي، وهو ما يؤكده د. بسام الطحان بقوله: "من المؤكد أن الإخوان مع الزمن ستعتبر منظمة إرهابية ليس في أوروبا فحسب، وإنما في أكثر دول الغرب وقوفا معها".

الملاذ الآمن وشبكات التمويل

وأصبحت لندن، وفقا لـ لونارد لومباردي، الكاتب السياسي والمتخصص فى شئون الشرق الأوسط ورئيس تحرير مجلة ديبلومات ميديا، مركزًا محوريًا للإسلام السياسي الدولي، خاضعة إلى حد كبير للنفوذ الخليجي، وتتبنى سياسة تسامح صريحة طالما لا تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، وشدد على إمكانية صمود المملكة المتحدة أمام الضغوط الأمريكية سياسيًا فقط، لكن استراتيجيًا بات أكثر صعوبة.

وأرجع ذلك إلى أن بريطانيا تعتمد الآن بشكل هيكلي على شبكات النفوذ هذه، مما يحد من هامش مناورتها، ومن المرجح أن تسعى لندن،  في مواجهة الضغوط الأمريكية، لا سيما في ظل إدارة ترامب، لكسب الوقت عبر إجراءات شكلية أو محددة الأهداف، دون اللجوء إلى حظر شامل، لكن كلما زاد استخدام واشنطن للضغط المالي والدبلوماسي، ارتفع ثمن الوضع الراهن البريطاني.

في المقابل، يرى ألكسندر دال فال، أن القادة التاريخيين للإخوان تعرضوا لضغوط متزايدة عليهم لمغادرة القارة، لافتا إلى أنه بعد وفاة يوسف القرضاوي ورحيل الجيل الأول من تلاميذ البنا وقطب، ما يزال الجيل الثاني حاضرًا، مثل أحفاد سعيد رمضان الذين يديرون "المركز الإسلامي في جنيف".

ويرى أنه بينما تخضع الجماعة للرقابة في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، فإن نفوذها يظل قويًا جدًا في دول الشمال، وخاصة في بلجيكا، مؤكدا أنها أصبحت المقر الأبرز للجماعة نتيجة التغلغل المستمر منذ عام 2000، بعد أن كانت لندن هي الملاذ الرئيسي، ولكنه شدد على أنه في مقابل ذلك ستواجه بروكسل ضغوطًا شديدة من إدارة دونالد ترامب، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة حول ملفات شائكة مثل الأصول الروسية في أوروبا ومشروع ترامب بشأن "جرينلاند".

وأكد بسام الطحان؛ أن لندن تعتبر ملاذًا آمنا للجماعة لعدة أسباب، أهمها أنها تختلف عن فرنسا في قدسية "العلمانية"؛ فبينما تسمح لندن بالحجاب، تفرض فرنسا حظرًا صارمًا في المرافق العامة، بجانب أن السيتي عاصمة بريطانية المصرفية، تهتم جدا بودائع تلك المؤسسات والمنظمات، التي بدورها تسمح بنوع من التسامح لأسباب مادية.

بينما تضيف فابيولا بدوي بعدًا آخر لإيواء الإخوان في بريطانيا، معتبرة أن لندن استخدمت الجماعة لسنوات كـ "ورقة نفوذ واستخبارات" في الشرق الأوسط، كما أن لندن تفرّق بين “الإسلام السياسي” و”الإرهاب العنيف”، وتعتقد أن الإخوان يمكن إدارتهم قانونيًا داخل النظام البريطاني، لكنها ترى أن هذا الرهان بات مكلفًا، خاصة مع تزايد الأدلة على دور شبكات التمويل والخطاب المتطرف في إنتاج العنف غير المباشر.

الحل الأمثل

وحول تأثير القرار على الشبكات المالية الأوروبية، أكد الطحان أنه بعيدًا عن السياسة، هذا التصعيد وضع القارة العجوز، التي لطالما اعتمدت سياسة "الاحتواء" تجاه الإسلام السياسي، في مواجهة مباشرة مع الضغوط المالية، فالبنوك الأوروبية باتت تخشى الآن من "العقوبات الثانوية"، التي تعني تلقائيًا أن أي مصرف أوروبي يسهل تحويلات مالية لهذه الكيانات قد يجد نفسه محرومًا من نظام "سويفت" أو التعامل بالدولار.

أيضا، ترى فابيولا بدوي، أن هذا الضغط السياسى والاقتصادي قد يجبر الحكومات الأوروبية على اتخاذ إجراءات تقييدية ضد المؤسسات الخيرية والتعليمية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، حتى دون إعلانها "إرهابية" رسميًا، تجنبًا للصدام مع الخزانة الأمريكية، واصفًا القرار الأمريكي بأنه إعلان حرب لتجفيف المنابع.

وفي ظل هذه الضغوط، يبرز "النموذج النمساوي"، كما يقول المفكر الفرنسي ألكسندر دال فال، للتخلص من التغلغل الإخواني في الحياة السياسية للدول الأوروبية، وذلك عبر تجريم النصوص المرجعية للجماعة وضرب مفاصل تمويلها، خاصة مع وجود الجيل الثاني من القيادات مثل أحفاد سعيد رمضان في جنيف.

ويتفق الخبراء على أن القرار الأمريكي لعام 2026 ليس مجرد حبر على ورق، بل بداية لعملية جراحية تهدف إلى استئصال النفوذ المالي للجماعة، الذي أصبح أمام سيناريوهيين فقط، الأول يتعلق بالتفكك القسري تحت وطأة العقوبات المالية الأمريكية التي ستطال البنوك الأوروبية المتعاملة مع الجمعيات المرتبطة بالإخوان، أو ما وصفوه بالذوبان التنظيمي، ومحاولة الجماعة "الاستتار" تحت مسميات حقوقية أو إنسانية جديدة للهروب من ملاحقة "ترامب".

اقرأ أيضا: السعودية ترحب بتصنيف الولايات المتحدة لفروع الإخوان جماعات إرهابية

;