محاكمة علنية للأفكار |كلمة «رائد التنوير».. مغامرة غير مأمونة

جانب من ندوة الكتابات المجهولة للمفكر الراحل سلامة موسى
جانب من ندوة الكتابات المجهولة للمفكر الراحل سلامة موسى


لم تكن ندوة مناقشة كتاب «سلامة موسى.. الإصلاح الاجتماعى: كتابات مجهولة» للكاتب روبير الفارس، مجرد استعادة لذكرى مفكر رحل بجسده، بل تحولت إلى «محاكمة علنية» لأفكار ما زالت تنبض بالحياة، وتطرح أسئلتها الصعبة على واقعنا الراهن.

فى قاعة «كاتب وكتاب»، استعاد المثقفون روح «رائد التنوير» الذى امتلك جرأة التبشير بالحداثة فى زمن كانت فيه الكلمة الحرة مغامرة غير مأمونة العواقب، محاولين الإجابة عن السؤال الأزلى: كيف نبنى إنساناً عصرياً دون التخلى عن الهوية؟

اقرأ أيضًا  | باحث في الأنثروبولوجيا: ينبغي عدم إطلاق حكم عام على الأنماط الثقافية

افتتحت الكاتبة الصحفية رابعة الختام الندوة برؤية تحليلية لمرتكزات فكر سلامة موسى، وأكدت أن الرجل لم يسعَ لصدام مع الدين، بل جاهد لإقرار «الفصل بين الدين والسياسة» كشرط أساسى لبناء دولة مدنية حديثة وأوضحت الختام أن موسى كان يرى الإيمان مسألة شخصية تخص الفرد، ولا يجوز فرضها عبر القوانين أو المناهج التعليمية.

وقالت الختام: «إن دفاع موسى عن العلمانية كان دفاعاً عن التعددية وبناء مجتمع يحترم الاختلاف، كما توقفت عند ريادته فى قضايا المرأة، حيث كان من أوائل الذين نادوا بتمكينها تعليمياً واجتماعياً، معتبراً أن العادات المقيدة للمرأة تحرم المجتمع من نصف طاقته، وتعرقل أى نهضة اقتصادية أو اجتماعية.

من جانبه، أبحر الكاتب الصحفى هانى لبيب، رئيس تحرير موقع «مبتدأ»، فى جوانب مهنية وفكرية مجهولة، مبرزاً قدرة موسى الاستشرافية منذ عام 1928 حين كتب عن قضايا اقتصادية معقدة مثل «ضريبة التسوق»، وفند لبيب تهمة «العداء للعروبة» التى طاردت المفكر الراحل، واصفاً إياها بالاتهامات غير الصحيحة، مؤكداً أن موسى كان معنياً بالواقع المصرى بالدرجة الأولى، ساعياً لتطويره من منظور علمى وتنويرى.

وانتقد لبيب تهميش دور الصحافة كأداة للتغيير، قائلاً: «الصحافة عند سلامة موسى لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل كانت الميدان الأهم للاشتباك مع الجهل وتشكيل الوعى العام».

وأشار إلى أننا اليوم ننتظر «قفزات عظيمة» فى المشروعات القومية، بينما نتجاهل دور الصحافة كمنبر للأفكار الوطنية التى تبنى العقول وتصنع النقاش المجتمعى المثمر.

وفى مداخلة ثرية، أكد الدكتور محمد أمين عبد الصمد، الباحث فى الأنثروبولوجيا الثقافية، أن قوة سلامة موسى تكمن فى «جرأة الطرح» التى جعلت أفكاره تخترق جدار الزمن وتسبقه بعقود. وأوضح عبد الصمد أن مشروع موسى لم يكن نخبوياً حبيس القاعات المغلقة، بل كان يهدف للوصول إلى القاعدة العريضة من الشعب عبر المجلات والنشرات.

وشدد عبد الصمد على أن التغيير الحقيقى عند موسى هو «تغيير من الداخل» وليس مجرد إصلاح شكلى، مشيراً إلى أن الرجل نجح فى صياغة توازن دقيق مع التراث؛ فلا هو انقطع عنه تماماً، ولا هو قدسه جموداً، بل قدم قراءة نقدية واعية تضع المجتمع فى سياقه الزمنى الصحيح، وتفتح أمامه آفاق الحداثة والعلوم والفنون الغربية دون ذوبان أو تبعية.