معتز عبد المجيد يكتب: فى عيد الشرطة |سلامًا على شهداء ضحوا.. وتحية لرجال يؤدون واجبهم بأمانة وإخلاص

الرئيس عبد الفتاح السيسى يهدي أحد ضباط الشرطه نوط التخرج
الرئيس عبد الفتاح السيسى يهدي أحد ضباط الشرطه نوط التخرج


تحتفل مصر بذكرى عيد الشرطة الرابعة والسبعين ولا يمكن الحديث عن عيد الشرطة دون التوقف طويلًا أمام معركة الإسماعيلية، التى تحولت إلى ضمير وطن ليس بوصفها حدثًا تاريخيًا فقط، بل باعتبارها لحظة كاشفة لجوهر الانتماء الوطنى، حين وقف رجال الشرطة فى مواجهة قوة احتلال مدججة بالسلاح، وهم يدركون مسبقًا أن كفة المعركة ليست فى صالحهم، لكنهم اختاروا الكرامة على الاستسلام. ففى صباح 25 يناير 1952، حاصرت القوات البريطانية مبنى محافظة الإسماعيلية، ووجهت إنذارًا أخيرًا لقوات الشرطة المصرية بضرورة إخلاء المبنى وتسليم أسلحتهم.

كان الطلب فى ظاهره عسكريًا، لكنه فى جوهره كان إهانة مباشرة لسيادة الدولة المصرية والرد لم يحتج إلى خطب أو بيانات، بل جاء واضحًا وحاسمًا: الرفض.. وبدأت المواجهة غير المتكافئة، دبابات ومدفعية فى مواجهة بنادق قديمة وأعداد محدودة من الجنود، ومع ذلك صمد رجال الشرطة لساعات طويلة، وسقط منهم العشرات بين شهيد وجريح، بينما تحول مبنى المحافظة إلى شاهد حى على بطولة استثنائية ولم يكن رجال الشرطة يدافعون عن مبنى حكومى، بل عن فكرة أعمق: أن الأرض لا تسلم، وأن السلاح لا يلقى، حتى وإن كانت النهاية معروفة.. استمرت المعركة غير متساوية القوة بين القوات البريطانية وقوات الشرطة المحاصرة، التى دافعت ببسالة عن أرضها بقيادة البطل مصطفى رفعت، حتى سقط منهم 50 شهيدًا و80 جريحًا.

وأجبر تصدى الشرطة المصرية لقوات الاحتلال واستبسالهم حتى اللحظة الأخيرة فى الدفاع عن الوطن، الجنرال الإنجليزى اكسهام، على منح جثث شهداء الشرطة التحية العسكرية عند إخراجها من مبنى محافظة الإسماعيلية، اعترافًا بشجاعتهم فى الحفاظ على وطنهم. وبعدها أصبح هذا التاريخ يومًا خالدًا فى التاريخ المصرى وعيدًا للشرطة المصرية ورجالها الأبطال.

اقرأ أيضًا | عيد الشرطة 74| الداخلية في عهد السيسي.. منظومة أمنية حديثة برؤية شاملة

بداية عهد جديد

إن استدعاء روح معركة الإسماعيلية اليوم ونحن نحتفل بذكرى عيد الشرطة لا يعنى تمجيد العنف، بل تذكير الجميع بأن الأمن له ثمن، وأن هذا الثمن دفعه رجال آمنوا بأن الوطن يستحق ومن المهم ألا نتعامل مع هذه الذكرى باعتبارها طقسًا سنويًا أو كلمات بروتوكولية، بل باعتبارها معيارًا نقيس به الحاضر. فالتحديات تغيرت، لكن جوهر المعركة واحد: حماية الوطن من الفوضى، والتصدى لكل من يحاول العبث بأمنه، داخليًا كان أو خارجيًا. معركة الإسماعيلية لم تكن النهاية، بل كانت بداية عهد جديد فاليوم، وبعد مرور عقود، ما زالت التحديات الأمنية قائمة، وإن اختلفت أشكالها.

فالمعركة لم تعد فقط مع عدو خارجى، بل مع الإرهاب والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات ومحاولات نشر الفوضى وفى خضم هذه المعركة، يقف رجل الشرطة فى الصف الأول، يعمل فى صمت، ويتحمل ضغوطًا كبيرة قد لا يشعر بها المواطن إلا عند غياب الأمن.

رؤية شاملة

والحقيقة أن ما تشهده أجهزة وزارة الداخلية المختلفة من تطوير وتحديث مستمر يلزمنا ألا نكتفى بالحديث فقط عن الماضى بل من الإنصاف أن نتحدث عن الطفرة التى شهدتها المنظومة الأمنية فى مصر خلال السنوات الأخيرة على مختلف المستويات، فى إطار رؤية شاملة تستهدف تحديث منظومة الأمن، وتعزيز قدرتها على مواكبة التحديات المتغيرة، مع ترسيخ مبادئ احترام القانون وحقوق الإنسان. فقد حرصت وزارة الداخلية على إدخال أحدث النظم التكنولوجية فى العمل الأمنى، سواء فى مجالات الاتصالات، أو قواعد البيانات، أو التحول الرقمى للخدمات الشرطية. وأسهم ذلك فى سرعة تبادل المعلومات، ودقة الأداء، والحد من الإجراءات الروتينية، بما انعكس إيجابًا على كفاءة العمل وسهولة حصول المواطنين على الخدمات مثل استخراج الوثائق الرسمية والتراخيص المختلفة.

العنصر البشرى

أولت الوزارة اهتمامًا كبيرًا بتأهيل الكوادر البشرية، من خلال تحديث مناهج التدريب بأكاديمية الشرطة ومعاهدها المتخصصة، والاعتماد على برامج علمية وعملية تواكب المعايير الدولية. ولم يعد التدريب مقتصرًا على الجوانب الأمنية فقط، بل امتد ليشمل مهارات التواصل مع المواطنين، وإدارة الأزمات، واحترام حقوق الإنسان، بما يعزز مفهوم الشرطة المجتمعية. وشهدت أجهزة وزارة الداخلية تطويرًا فى أساليب العمل الميدانى، عبر تحديث المعدات ووسائل الانتقال، واستخدام التكنولوجيا الحديثة فى المتابعة والرصد، ما ساهم فى سرعة الاستجابة للبلاغات، ورفع معدلات ضبط الجريمة، ومواجهة الجرائم المستحدثة وعلى رأسها الجرائم الإلكترونية.

حقوق الإنسان

جاء التطوير مصحوبًا بجهود واضحة لتحسين أوضاع أماكن الاحتجاز واستبدالها بمراكز الإصلاح والتأهيل، وتطبيق معايير إنسانية تراعى كرامة الإنسان، إلى جانب تعزيز دور قطاعات حقوق الإنسان والتواصل المجتمعى داخل الوزارة. كما حرصت الداخلية على فتح قنوات مباشرة للتواصل مع المواطنين، والاستجابة لشكاواهم ومقترحاتهم. واعتمدت وزارة الداخلية نهجًا يقوم على الشراكة مع المجتمع، من خلال حملات التوعية، والمبادرات الاجتماعية، والمشاركة فى دعم الفئات الأكثر احتياجًا، بما يعكس تحولًا فى الدور الأمنى من مجرد حفظ النظام إلى الإسهام فى تحقيق الاستقرار المجتمعى.

الأمن الرقمى

استطاعت وزارة الداخلية المصرية بجهود مستمرة أن ترسخ نفسها كواحدة من أبرز المؤسسات الحكومية فى العالم فى مجال الدمج بين الأمن الواقعى والأمن الرقمى. فمن جهة، تؤكد الضبطيات السريعة للمتهمين فى الجرائم المتداولة عبر الإنترنت جاهزية الوزارة وقدرتها على استيعاب طبيعة الجريمة الحديثة ومن جهة أخرى، تعكس مكانة الصفحة الرسمية على فيسبوك نجاحًا إعلاميًا كبيرًا يواكب الإنجازات الميدانية. وبالتالى أصبحت مصر اليوم أمام نموذج متقدم من الأمن المتكامل، يعتمد على التكنولوجيا، والتحليل، والشفافية، والتواصل المباشر مع المواطنين، بما يجعل التجربة المصرية فى مكافحة الجريمة الرقمية واحدة من التجارب الرائدة فى المنطقة.

خلاصة القول

بطولات رجال الشرطة التى نراها اليوم، تعد امتدادًا طبيعيًا لتاريخ طويل من البطولات والتضحية، به العديد من المحطات التى تؤكد دومًا وطنية هذا الجهاز، وحرص أبنائه على التضحية بالغالى والنفيس لحفظ أمن المواطن وسلامته، فتحية إلى أبطال يؤدون واجبهم بكل أمانة وإخلاص، ويضحون بالغالى والنفيس من أجل رفعة هذا الوطن، وتحقيق أمن وسلامة مواطنيه.. أبطال كانوا ومازالوا وسيظلوا دائمًا على عهدهم بالتضحية بأرواحهم من أجل حفظ مقدرات أرض الكنانة.