من وراء النافذة

مجلس إعمار غزة ومكايدات إسرائيل السياسية

هالة العيسوى
هالة العيسوى


تشعر إسرائيل بالأرق من غياب ما يضمن تفكيك سلاح حركة حماس مما يضعها أمام خيار واحد صعب هو التصرف بنفسها

لا تخلو العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من بعض المطبات الهوائية. ولا يمنع شهر العسل الدائم بين ترامب ونتانياهو من وقوع بعض الخلافات العميقة والتصرفات الأحادية المتعارضة مع رغبة الطرف الآخر والمواجهات التى تدخل فى إطار المكايدات السياسية ونحن على مشارف الدخول إلى تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق إنهاء القتال وإعمار غزة. 
تشكيل «المجلس التنفيذى لغزة» الذى سيشرف على إعادة إعمار غزة، وإضافة ممثلين أتراك وقطريين إليه، كان سببًا فى حدوث الخلاف وإعلان التحدى من جانب الحكومة الإسرائيلية لإدارة ترامب. إذ ترى الأولى أن قرار الرئيس الأمريكى بتعيين وزير الخارجية التركى خاقان فيدان والمسئول القطرى على الذوادى فى المجلس التنفيذى لقطاع غزة ليس أقل من صفعة فى وجه إسرائيل، وتحتج بأن التشكيل المعلن لم يكن وارداً فى الاتفاقيات الأصلية بين إسرائيل والولايات المتحدة، كما أن صلاحيات هذا المجلس الجديد ودوره غير واضحين.. 
الاحتجاج الإسرائيلى انصب على المندوبين التركى والقطرى فى حين لم يتطرق إلى باقى أعضاء التشكيل المؤلف من ويتكوف وكوشنر، ووزير الخارجية التركى والمسئول القطرى، ومعهم رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد؛ ورئيس الوزراء البريطانى السابق تونى بلير؛ والملياردير اليهودى الأمريكى مارك روان؛ والوزيرة الإماراتية ريم الهاشمى؛ ووزير الخارجية والدفاع البلغارى السابق نيكولاى ملادينوف، الذى شغل أيضًا منصب مبعوث الأمم المتحدة لعملية السلام فى الشرق الأوسط؛ ورجل الأعمال الإسرائيلى القبرصى ياكير جاباى، المتخصص فى العقارات والتكنولوجيا والاستثمارات الدولية؛ وممثلة الأمم المتحدة سيجريد كاج.
ردًا على الإعلان الأمريكى أصدر نتانياهو، يوم الثلاثاء، بيانًا شديد اللهجة ينتقد فيه تشكيل المجلس، بحجة أن «الإعلان لم يُنسق مع إسرائيل ويتعارض مع سياستها». وتذرعت الحكومة المصغرة بذلك فرفضت مطلب الولايات المتحدة فتح معبر رفح مؤقتًا، وهو أحد آخر أوراق إسرائيل الرابحة لاستعادة القطاع الذى احتلته. 
نتانياهو يشعر بقوة الصفعة الأمريكية التى تبررها حاشية ترامب بسأم الرئيس الأمريكى من جمود الموقف وشعوره بضرورة التقدم نحو تنفيذ باقى مراحل خطته. لكن لنتانياهو رأيًا آخر فقد كان يخشى طوال عامين ردة فعل اليمين المتطرف فى حكومته على مناقشة «اليوم التالى» فى غزة، وقد وجد نفسه أمام سيناريو بالغ الصعوبة؛ فمن ناحية، لا تضم  حكومة غزة التكنوقراطية أعضاءً من السلطة الفلسطينية، الذين بذل سيموتريتش وبن جفير قصارى جهدهما لتجنب الحديث عنهم. لذا، عملياً، ودون التشاور مع إسرائيل، عيّن دونالد ترامب سلسلة من كبار المهنيين من سكان غزة، وهم فى الواقع أعضاء فى حماس شغلوا مناصب فى القطاع العام فى غزة خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من إدارة الجامعة وصولاً إلى إدارة المؤسسات الطبية والهيئات العامة المختلفة.
ومن ناحية ثانية، تعمل إسرائيل منذ سنوات على منع تركيا من الوصول إلى غزة، ليس فقط كما حدث مع سفينة «مافى مرمرة»، ولا مع أساطيل الاحتجاج التركية. ورغم تصدى البحرية الإسرائيلية وتمكنها من منع ذلك لأكثر من عقد، فقد أصبح الأتراك الآن فى طريقهم إلى القطاع - سيدخلون من الباب الأمامى، على السجادة الحمراء، كأعضاء فى الهيئة الحاكمة والمشرفة على غزة. وإذا لم يكن هذا كافيًا لإذلال إسرائيل، فإن المفارقة تكمن فى ضم قطر، التى لم تعد، فى رأى تل أبيب، مجرد ممول لحماس فى غزة، بل أصبحت هى نفسها حماس فى غزة، تُديرها وتُشرف عليها.
من ناحية ثالثة، تشعر إسرائيل بالأرق من غياب ما يضمن تفكيك سلاح حركة حماس مما يضعها أمام خيار واحد صعب هو التصرف بنفسها ما يعنى استئناف حرب ضروس تهدم ما يبنيه الرئيس الأمريكى وقد يشعل المواجهة معه ويضر التنسيق الحربى الجارى بينهما حول توجيه ضربة عسكرية لإيران.