إيمان أنور

منحة.. فى قلب العالم !!

إيمان أنور
إيمان أنور


«فى لحظاتى الأولى أصابتنى رعشة رهبة ممزوجة بالفضول ..ففى هذا المبنى الزجاجى العملاق يبدأ عالم آخر !» 

التفاحة !
فى اللحظة الأولى التى تطأ فيها قدماك أرض نيويورك .. ينفجر العالم فى وجهك كلوحة فنية مجنونة رسمها فنان متوحش !.. ليست مجرد مدينة ..إنها وحش حى يتنفس يصرخ .. يرقص فى نبض لا يهدأ .. أنت فى حضن «التفاحة التى لا تنام» كما يلقبها أهلها.. هنا .. الصخب ليس عيبا.. بل نبع الحياة .. هو الإيقاع الذى يدق فى صدرك قبل أن يدق فى أذنيك..!..
أعود بشريط الذكريات إلى سنوات طويلة مضت.. ثلاثة عقود من الزمان .. عندما حصلت على منحة الصحفيين الشباب لدورة تدريبية لمدة عام كامل بعد إجتياز كافة الاختبارات الدقيقة بنجاح لأكون الصحفية الوحيدة التى تمثل مصر فى منظمة الأمم المتحدة بمقرها الرئيسى بنيويورك .. كنت بعد .. فى بدايات عملى الصحفى فى جريدتى الحبيبة الأخبار قليلة التجربة والخبرة ولكننى أيضا مليئة بالتطلع والشغف والحماس .. ولاتزال حتى اليوم كلمات أستاذنا الغالى الكاتب الصحفى الكبير جلال دويدار «رحمه الله» رئيس التحرير وقتها .. تتردد على مسامعى ناصحا قبل السفر بصوته الحنون الحازم فى ذات الوقت « خللى بالك من نفسك .. ما تحتكيش بحد .. سأكلفك بمراسلة الجرنال عند اللزوم « .. فقد كانت لدينا هناك مراسلة دائمة ولكنها لم تكن متفرغة هى أستاذتنا الكبيرة الراحلة ثناء يوسف حيث كانت تعمل موظفة بالمكتب الإعلامى بالمنظمة العالمية.. وتمد الجرنال من وقت لآخر بموضوعات وأخبار مميزة كنا ننفرد بها .. والتى بذلت معها جهدا فيما بعد لإقناعها أننى فى منحة (فقط ) وأن وجودى هنا سينتهى مع نهايتها .. بعد أن تصورت أننى قد أشكل تهديدا لاستمرارها وأحل مكانها فى مراسلة الجرنال !..
مقر الأمم المتحدة
فى صباح خريفى بارد بنيويورك .. وقفت أمام أبواب مقر الأمم المتحدة على ضفاف نهر الهادسون.. فى لحظاتى الأولى أصابتنى رعشة الرهبة ولكنها ممزوجة بالفضول .. المدينة الصاخبة التى وصلتها قبل أيام تبدو الآن بعيدة .. هنا فى هذا المبنى الزجاجى الشاهق المكون من 39 طابقا واستغرق بناؤه خمس سنوات كاملة يبدأ عالم آخر .. خطوت إلى الداخل مشهرة هويتى وأوراق قبولى فى المنحة أمام رجل الأمن وبعد فحصها بدقة منحنى بطاقة الزائر ووجّهنى إلى مكتب تسجيل المتدربين بالطابق تحت الأرضى .. هنا عبرت إلى عالم الدهشة والمجهول حيث تحول الصخب الخارجى إلى همس يحمل أثقال العالم بأكمله..!. أمضيت يومى الأول كله فى استخراج بطاقتى الدائمة والتعرف على القاعة المخصصة لحضور المحاضرات وزملائى الذين وفدوا مثلى من مختلف الدول النامية ثم التعرف على أستاذى عادل حسن أو «أديل أسن» كما كان ينطقه .. وهو أمريكى باكستانى الأصل المشرف على رسالتى البحثية والتى سأتقدم بها فى ختام منحتى .. ومن حسن الحظ أنه كان طيب القلب غير أنه كان سريع الغضب إذا لم أنفذ تعليماته حرفيا .. فتجحظ عيناه خلف نظارته وتتغير ملامحه السمحة وهو يصرخ فى وجهى موبخا !.. ولعل معاملته الصارمة كانت سببا فى أن أحصل على درجة إمتياز فى البحث الذى بذلت فيه جهدا كبيرا تحت عنوان «عمليات حفظ السلام فى الشرق الأوسط».
البيروقراطية !
مع بدء الدورة التدريبية .. تعرفت على نظام الأمم المتحدة .. وقد بدا كما لو كان رواية معقدة مليئة بالشخصيات الثانوية !.. هناك الجمعية العامة .. ذلك البرلمان العالمى بقاعته الرئيسية المهيبة .. الشاهقة بجدرانها الزجاجية الشفافة المطلة على النهر كأنها تراقب تدفق التاريخ .. حيث كنت أجلس كمتدربة ترى الدائرة الدوارة للمقاعد الـ193 التى تمثل كل دولة عضوا فى هذه المنظمة التى وُلدت من رماد الحرب العالمية الثانية.. أتذكر دروسها عن الميثاق الذى يُلقب بـ «الكتاب الأزرق» ويحدد الهدف .. حفظ السلام الدولى وتعزيز حقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية.. لكن الواقع يختلف : فالدستور هذا رغم جماله النظرى يغرق فى مستنقع البيروقراطية .. حيث يتحدث كل عضو بصوت واحد .. لكن قراراته غير ملزمة إلا بروح الإجماع .. ثم مجلس الأمن .. القلب النابض بالقوة .. مع خمسة أعضاء دائمين كلنا نعرفهم يحملون حق الفيتو كسيف معلق فوق رؤوس الجميع .. هذا هو الدستور فى العمل: مبادئ نبيلة تتعثر للأسف فى ممرات السياسة..! والبيروقراطية هى الشبح الذى يطارد كل ركن وزاوية .. آلاف الموظفين من الدول الأعضاء يتنقلون فى الممرات اللامتناهية .. يملأون استمارات ..يعقدون اجتماعات ثم إجتماعات فرعية عن اجتماعات أخرى .. ورش عمل عن «الإجراءات الإدارية» السخيفة وقد تعلمت باحترافية كيفية كتابة التقرير الذى للأسف من الضرورى أن يمر عبر سبعة أقسام قبل الوصول إلى الموافقة.. «هنا.. السرعة عدو» .. وكان مستر أديل يقول لى بابتسامة ساخرة الورق يتراكم كالثلوج فى نيويورك الشتوية ..والقرارات تتأخر شهورا بسبب خلافات ثقافية أو لغوية .. لكن فى هذه الفوضى يكمن السحر !... فالمنظمة ليست آلة مثالية .. بل مرآة للبشرية بكل تناقضاتها !..
كوزموبوليتان !
ولعل أجمل ما فى الدورة هو التنوع الجنسى «كوزموبوليتان».. ذلك اللوحة الحية من الوجوه والأصوات .. أجلس أمس بجوار خوان من كولومبيا الذى يروى قصص المخدرات والسلام فى المناطق الريفية وإلى يسارى أمينة من نيجيريا .. التى ساعدتها فى كتابة تقارير عن النزاعات الأفريقية .. وأمامى جليندا من الفلبين التى تشكو من سلوك الدعارة المعترف به فى بلادها .. وهناك فيكتوريا من تونجا الواقعة على المحيط الباسيفيكى وهى جزيرة صغيرة جدا تظهر كمجرد نقطة باهتة على خريطة أطلس .. وفى قاعة الطعام كنا نتبادل أيضا القصص .. فتاة هندية تتحدث عن الفقر فى مومباى .. وصحفى من البرازيل يروى ثقافتهم فى أكل اللحوم .. كان عددنا 25 من جنسيات مختلفة - عرب .. آسيويين .. أفارقة .. أوروبيين لاتينيين - نتحدث أربع لغات مختلفة «العربية ..الفرنسية .. البرتغالية الإسبانية بالإضافة للإنجليزية».. معا كل يوم .. نتبادل الأفكار والخبرات ونتعرف على بعضنا البعض بعاداتنا وتقاليدنا.. هذا التنوع لم يكن مجرد خلفية .. إنما كان الوقود الذى يغذى المناقشات ويحول البيروقراطية إلى حوار حى !..
نيويورك نيويورك !
أحببت مدينة نيويورك وعشقتها.. ومع مرور الأيام ذاب إحساسى بالغربة وكنت أستمتع بالعودة إلى المنزل الذى إستأجرناه أنا وصديقتى السورية تماضر فاتح سيرا على الأقدام .. أما فى ليالى الويك آند فكنا نمضيها غالبا فى هذا الميدان الصاخب « تايمز سكوير « القلب النابض بالأضواء .. المتلألئ كجوهرة عملاقة رائعة .. حيث الإعلانات تتحدث بلغات الألوان: أحمر يصرخ بعروض برودواى .. أزرق يغازل بوعود الموضة.. أصفر يدعو للوجبات السريعة .. المارة يندفعون كأمواج بحر هائج .. سائح يلتقط صورا بكاميرا ترتجف من الإثارة .. فتاة شارع ترقص تحت المطر .. أصوات هنا وهناك من صفارات السيارات إلى همهمات الجماهير .. الصخب هنا لايقتصر على الشوارع ولكنه فى الوجوه أيضا .. أول مرة .. تشعر بالاختناق .. ثم بالنشوة .. إنها المدينة التى تجبرك على التنفس بسرعة .. وتفتح صدرك وتلهث وتجبرك على العيش بوتيرة لا ترحم !.. تمشى شمالا نحو سنترال بارك .. ملاذا أخضر هنا يلين الصخب قليلا ..لكنه لا يختفى !.. نيويورك لا تسمح لك بالانفصال عنها .. فهى الإنعكاس الطبيعى للأمم المتحدة .. إنها تذكرك دائماً بأنك جزء من كائن أكبر .. من نسيج بشرى ينبض بالطموح والتفاؤل والألم والحلم !..