خالد محمود يكتب .. لماذا يظل « الأرض » أخطر أفلام شاهين ؟

خالد محمود
خالد محمود


حين‭ ‬قدم‭ ‬يوسف‭ ‬شاهين‭ ‬فيلم‭ ‬“الأرض”‭ (‬1970‭)‬،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يصنع‭ ‬فيلماً‭ ‬عن‭ ‬الفلاح‭ ‬المصري‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يكتب‭ ‬مرثية‭ ‬مبكرة‭ ‬للكرامة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬منظومة‭ ‬القهر‭. ‬الفيلم،‭ ‬المأخوذ‭ ‬عن‭ ‬رواية‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬الشرقاوي،‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬إنتاجه‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يبدو‭ ‬كأنه‭ ‬خارج‭ ‬التقويم‭ ‬الذمنى‭ ‬،‭ ‬قابل‭ ‬لإعادة‭ ‬المشاهدة‭ ‬والتأويل‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬جيل‭ ‬جديد،‭ ‬لأن‭ ‬أسئلته‭ ‬الجوهرية‭ ‬لم‭ ‬تفقد‭ ‬حدتها‭: ‬من‭ ‬يملك‭ ‬الأرض؟،‭ ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬القرار؟،‭ ‬وأين‭ ‬يقف‭ ‬الإنسان‭ ‬البسيط‭ ‬حين‭ ‬تتصارع‭ ‬السلطة‭ ‬مع‭ ‬الحق؟،

من‭ ‬الأدب‭ ‬إلى‭ ‬السينما‭ .. ‬حين‭ ‬يتكلم‭ ‬الصمت

لم‭ ‬يتعامل‭ ‬شاهين‭ ‬مع‭ ‬رواية‭ ‬الشرقاوي‭ ‬كنص‭ ‬مقدس،‭ ‬بل‭ ‬كنقطة‭ ‬انطلاق‭. ‬الرواية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬والخطاب‭ ‬المباشر،‭ ‬بينما‭ ‬اختار‭ ‬شاهين‭ ‬أن‭ ‬يُفرغ‭ ‬الخطابة‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬ويمنحها‭ ‬للصورة‭.‬

ففي‭ ‬“الأرض”‭ ‬لا‭ ‬تشرح‭ ‬الشخصيات‭ ‬مواقفها‭ ‬كثيرا،‭ ‬بل‭ ‬نقرأها‭ ‬في‭:‬الصمت‭ ‬الطويل،‭ ‬العيون‭ ‬المترددة،‭ ‬الأجساد‭ ‬المتعبة،‭ ‬وتفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭.‬

هنا‭ ‬تتحول‭ ‬السينما‭ ‬إلى‭ ‬وسيط‭ ‬أكثر‭ ‬صدقًا‭ ‬من‭ ‬اللغة،‭ ‬ويصبح‭ ‬الصراع‭ ‬محسوسا‭ ‬لا‭ ‬مُعلنا‭.‬

الأرض‭ ‬ككيان‭ ‬درامى‭ ‬لا‭ ‬كخلفية

العبقرية‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬أن‭ ‬الأرض‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مكان‭ ‬للأحداث،‭ ‬بل‭ ‬كائن‭ ‬حي‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬الصراع‭.‬

الكاميرا‭ ‬تلامس‭ ‬الطمي،‭ ‬تتبع‭ ‬خطوط‭ ‬الري،‭ ‬ترصد‭ ‬التشققات،‭ ‬وكأنها‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬شبر‭ ‬يحمل‭ ‬ذاكرة‭ ‬من‭ ‬العرق‭ ‬والدم‭.‬

شاهين‭ ‬يعيد‭ ‬تعريف‭ ‬البطولة‭: ‬فالبطل‭ ‬ليس‭ ‬فردًا‭ ‬فقط،‭ ‬ولا‭ ‬الجماعة‭ ‬وحدها‭.. ‬بل‭ ‬العلاقة‭ ‬العضوية‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬وأرضه‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يصبح‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬مياه‭ ‬الري‭ ‬معادلًا‭ ‬رمزياً‭ ‬للصراع‭ ‬على‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الوجود‭.‬

محمود‭ ‬المليجى‭ .. ‬تجسيد‭ ‬الحكمة‭ ‬الشعبية

قدم‭ ‬محمود‭ ‬المليجي‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬“محمد‭ ‬أبو‭ ‬سويلم”‭ ‬أداءً‭ ‬استثنائياً،‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الانفعال‭ ‬أو‭ ‬الشعارات،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬ثقل‭ ‬التجربة‭.‬

“أبو‭ ‬سويلم”‭ ‬ليس‭ ‬ثوريًا‭ ‬بالمعنى‭ ‬الرومانسي،‭ ‬بل‭ ‬رجل‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬طويل،‭ ‬وأن‭ ‬الهزيمة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬التنازل‭ ‬الصغير،‭ ‬وأن‭ ‬الصمت‭ ‬أحيانًا‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬القمع‭.‬

أداء‭ ‬المليجي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭: ‬حركة‭ ‬قليلة،‭ ‬نبرة‭ ‬منخفضة‭ ‬وحضور‭ ‬طاغٍ‭.. ‬وكأن‭ ‬الشخصية‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬نفسها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمثل‭ ‬تاريخًا‭ ‬كاملًا‭ ‬من‭ ‬الصبر‭ ‬والمقاومة‭ ‬الصامتة‭.‬

في‭ ‬الفيلم‭ ‬يرفض‭ ‬شاهين‭ ‬تقديم‭ ‬الفلاحين‭ ‬ككتلة‭ ‬واحدة‭ ‬نقية‭ ‬أو‭ ‬مثالية‭.‬

نرى‭ ‬الانقسام‭ ‬بوضوح‭:‬

•‭ ‬من‭ ‬يخاف‭.. ‬من‭ ‬يساوم‭.. ‬من‭ ‬ينسحب‭.. ‬ومن‭ ‬يقاوم‭ ‬حتى‭ ‬النهاية

هذا‭ ‬التفكك‭ ‬الداخلي‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬قوة‭ ‬الفيلم،‭ ‬لأنه‭ ‬يحرر‭ ‬الخطاب‭ ‬من‭ ‬التبسيط‭ ‬الأيديولوجي‭. ‬الفلاح‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬رمزًا‭ ‬مجردًا،‭ ‬بل‭ ‬إنسانًا‭ ‬محاصرًا‭ ‬بالديون،‭ ‬الخوف،‭ ‬العائلة،‭ ‬والجوع‭.‬

شاهين‭ ‬لا‭ ‬يدين‭ ‬الضعف،‭ ‬لكنه‭ ‬يكشف‭ ‬ثمنه‭.‬

من‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬“الأرض”‭ ‬لا‭ ‬تتجسد‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬واحدة‭ ‬واضحة‭.‬

الإقطاعي‭ ‬غائب‭ ‬فى‭ ‬الشكل،‭ ‬لكنه‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الصورة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العمدةوالخفر‭ ‬وقرارات‭ ‬الري‭ ‬ولغة‭ ‬التهديد‭.. ‬هذه‭ ‬المعالجة‭ ‬الذكية‭ ‬تجعل‭ ‬الفيلم‭ ‬نقدا‭ ‬لبنية‭ ‬السلطة‭ ‬لا‭ ‬لأشخاصها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬بعدًا‭ ‬معاصرًا‭ ‬دائمًا‭. ‬السلطة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬شريرة‭ ‬بالضرورة،‭ ‬لكنها‭ ‬باردة،‭ ‬بيروقراطية،‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬ترى‭ ‬النظام‭ ‬فقط‭.‬

الجسد‭ ‬كأداة‭ ‬مقاومة

في‭ ‬ذروة‭ ‬الفيلم،‭ ‬تتحول‭ ‬المقاومة‭ ‬من‭ ‬الكلام‭ ‬إلى‭ ‬الجسد‭.‬

مشهد‭ ‬سحل‭ ‬“أبو‭ ‬سويلم”‭ ‬وهو‭ ‬متشبث‭ ‬بالأرض‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬نهاية‭ ‬مأساوية،‭ ‬بل‭ ‬بيان‭ ‬سينمائي‭ ‬مكثف‭: ‬فالجسد‭ ‬يُهزم‭ ‬لكن‭ ‬الفكرة‭ ‬تنتصر‭ ‬والأرض‭ ‬تظل‭ ‬شاهدة‭.‬

هذا‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المشاهد‭ ‬قسوة‭ ‬وصدقًا‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬المصرية،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يطلب‭ ‬تعاطفا‭ ‬عاطفيا،‭ ‬بل‭ ‬يفرض‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬السؤال‭: ‬“ماذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تُنتزع‭ ‬من‭ ‬جذورك؟”‭.‬

يصل‭ ‬شاهين‭ ‬في‭ ‬“الأرض”‭ ‬إلى‭ ‬ذروة‭ ‬توازنه‭ ‬الفني‭.. ‬حركة‭ ‬كاميرا‭ ‬هادئة،‭ ‬لقطات‭ ‬طويلة‭ ‬تخدم‭ ‬الإحساس‭ ‬بالزمن،‭ ‬استخدام‭ ‬ذكي‭ ‬للصوت‭ ‬الطبيعي،‭ ‬مونتاج‭ ‬يحترم‭ ‬الإيقاع‭ ‬الداخلي‭ ‬للمشهد‭.‬

لا‭ ‬نجد‭ ‬هنا‭ ‬تجريب‭ ‬“إسكندرية‭ ‬ليه؟”،‭ ‬ولا‭ ‬صخب‭ ‬“عودة‭ ‬الابن‭ ‬الضال”،‭ ‬بل‭ ‬كلاسيكية‭ ‬واعية‭ ‬تعرف‭ ‬متى‭ ‬تتراجع‭ ‬لتترك‭ ‬للصورة‭ ‬أن‭ ‬تتكلم‭.‬

رغم‭ ‬وضوح‭ ‬موقف‭ ‬الفيلم،‭ ‬يتجنب‭ ‬شاهين‭ ‬الشعارات‭ ‬المباشرة‭. ‬السياسة‭ ‬هنا‭ ‬كامنة‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭.. ‬في‭ ‬الصمت‭.. ‬في‭ ‬القرار‭ ‬الصغير،‭ ‬في‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الغد،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬“الأرض”‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬وتأثيرًا‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬الخطابية،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يُلقن،‭ ‬بل‭ ‬يُحرج‭ ‬المتفرج‭ ‬أخلاقيًا‭.‬

يمثل‭ ‬الفيلم‭ ‬حلقة‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬ثلاثية‭ ‬شاهين‭ ‬السياسية‭: ‬“الأرض”،‭ ‬“العصفور”،‭ ‬و”عودة‭ ‬الابن‭ ‬الضال”‭.‬

لكن‭ ‬“الأرض”‭ ‬يظل‭ ‬الأكثر‭ ‬تماسُكًا،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬ينشغل‭ ‬بالسؤال‭ ‬الوطني‭ ‬الكبير‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬البسيط،‭ ‬ومن‭ ‬علاقة‭ ‬ملموسة‭: ‬الأرض‭ ‬والماء‭.‬

‭ ‬لماذا‭ ‬يبقى‭ ‬“الأرض”‭ ‬فيلمًا‭ ‬حيًا؟

بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬عامًا،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬“الأرض”‭ ‬فيلمًا‭ ‬قديمًا‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬صراع‭ ‬منتهٍ،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬معادلة‭ ‬تتكرر‭:‬

سلطة‭ ‬مقابل‭ ‬حق‭.. ‬خوف‭ ‬مقابل‭ ‬كرامة‭.. ‬حياة‭ ‬بلا‭ ‬جذور‭ ‬مقابل‭ ‬موت‭ ‬بشرف

“الأرض”‭ ‬ليس‭ ‬فيلما‭ ‬يُشاهد،‭ ‬بل‭ ‬اختبار‭ ‬أخلاقي‭ ‬يُعاد‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬مشاهدة‭.‬

وفي‭ ‬سينما‭ ‬يوسف‭ ‬شاهين،‭ ‬يظل‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬أعماله‭ ‬نقاءً،‭ ‬وأكثرها‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تذكيرنا‭ ‬بأن‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬يبدأ‭ ‬دائمًا‭ ‬من‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬الكرامة‭.‬

;