حروب تُدار من غرفٍ مظلمة، وهجمات نفسية ممنهجة تستهدف الشعوب لإرباكها وصناعة حالة من اليأس والإحباط والتشتيت؛ هكذا تخطط جهات معادية لمصر، مستخدمة جماعة الإخوان الإرهابية كأداة تنفيذ محاولات يائسة لتغييب الوعى، وضرب ثقة المواطن فى دولته، عبر نشر الأكاذيب، والترويج للإرهاب والتطرف والخراب فالفوضى، فى معتقدهم، هى طريق العودة إلى السلطة، والدمار هو العرش الذى لا يعرفون سواه.
ولا يخفى على أحد حجم الحرب الضروس التى شنّها إعلام الجماعة الإرهابية على مصر خلال العقد الماضى، فى محاولة مستمرة لاختراق وعى المواطن، والتحريض ضد الدولة، وإشعال الغضب لضمان الفوضى.
إلا أن وعى المصريين كان سدًا منيعًا أمام هذا الكذب المنظم، ليمنحوا الجماعة دروسًا قاسية فى الوطنية، وحب الوطن، والحفاظ على الدولة فى مواجهة مخططات الهدم والتخريب.

اقرأ أيضًا| اتهامات بالسرقة والاحتيال.. فضيحة مالية تهز صفوف الإخوان الهاربين

فى البداية يؤكد د.محمود عبد اللطيف، أستاذ الإعلام بكلية الآداب بجامعة الزقازيق، أن إعلام جماعة الإخوان الإرهابية، منذ سقوطها عن الحكم، لم يتوقف عن محاولات صناعة «سردية بديلة» تهاجم الدولة المصرية وتُجمِّل صورة التنظيم، رغم اعتماده على شبكة تمويل خارجية معقدة وهذه التناقضات اليومية فى خطاب هذا الإعلام تكشف عن هشاشته وافتقاده لأبسط معايير المهنية والموضوعية.
ويوضح أن إعلام الإخوان يتسم بـ «خطاب مزدوج» يُكيّف الرواية بناءً على المصلحة اللحظية للتنظيم، وليس على أساس الوقائع، حيث تتعامل قنوات ومواقع الجماعة - مثل «مكملين» و «الشرق» و «رصد» - مع الحدث السياسى على أنه «مادة تعبئة، لا خبر وتحليل».
ويُبرز أستاذ الإعلام أن أوضح مثال على هذا التناقض هو تغطية موقع «رصد» لموقف الدولة المصرية من القضية الفلسطينية؛ فبمجرد تداول إشاعات عن تهجير الفلسطينيين، يتناولها الموقع بخطاب «تشكيكى مضخم» متجاهلًا النفى الرسمى المصرى.
ثم، ومع نجاح التحركات الدبلوماسية المصرية الداعمة لغزة والوساطة لوقف إطلاق النار، يُغيّر الموقع لهجته فجأة، وهكذا يدار هذا الإعلام المغرض طبقا لمصلحة مموليه.
ويشدد عبد اللطيف على أن هذه الازدواجية تفضح أن المعيار ليس الحقيقة بل المصلحة الإعلامية والسياسية للتنظيم.

شبكة تمويل معقدة
وعن مصادر تمويل هذا الإعلام، يوضح عبد اللطيف أن التقارير الصحفية تكشف عن «شبكة تمويل معقدة» تدعم هذا الإعلام الإرهابى، تنطلق من تبرعات لجمعيات وواجهات اقتصادية وشركات مسجلة فى الخارج، وتُدار بمعرفة قيادات إخوانية مقيمة فى تركيا أو دول أخرى هذا التمويل الموجّه يفسر «وحدة الخطاب وتكرار الرسائل نفسها عبر عشرات القنوات والمواقع».
ويضيف أن معظم قنوات الإخوان، وعلى رأسها «مكملين»، تتبنّى خطابًا واحدًا يخلو من التنوع أو التحقيقات الاستقصائية الحقيقية، فهى أقرب إلى منابر دعائية تُنظِّم الرأى العام المعارض أكثر مما تنقل له الحقيقة، الأمر الذى أفقَد الجمهور الثقة فى هذا الخطاب بمرور الوقت.
ويرى عبد اللطيف أن مواجهة هذا النوع من الإعلام لا تكون بالمنع أو الرد العاطفى، بل بتعزيز ثقافة التحقق والنقد الإعلامى لدى الجمهور، فالمشاهد الذى يعرف كيف يتتبع مصدر الخبر ويفهم لغة التحيّز، هو أفضل مناعة ضد أى خطاب موجه.
كما أن دعم الإعلام الوطنى المهنى، وتوسيع مساحات الشفافية والمصارحة، هما الطريق الأضمن لكشف الوجه الآخر للجماعة وإعلامها، فالمعركة اليوم هى بين وعى نقدى ومحتوى مُسيَّس.
ويؤكد الكاتب الصحفى والخبير الإعلامى محمد صلاح أن كلمة السر فى إعلام جماعة الإخوان الإرهابية المعادى لمصر هو «عزمى بشارة»، الذى يقوم بتوجيه هذا الإعلام وتصدير الأكاذيب ضد الدولة المصرية.
الصفحات الشخصية
ويضيف أن المنصات والقنوات التى كانت تبث من تركيا خفت كثيرًا، واقتصرت الآن على بعض الصفحات الشخصية التى تُدار دون علم السلطات التركية، التى طردت بالفعل أعدادًا من أقطاب هذا التنظيم وأذرعه.
ويوضح أن تمويل إعلام الجماعة يتم عبر بعض الدول وأجهزة المخابرات، وكذلك من رجال أعمال داعمين للتنظيم، بالإضافة إلى «الالتزام الشهرى» المفروض على كل عضو فى الجماعة، وهو نظام معروف فى التنظيم منذ تأسيسه عام 1928.
ويشدد صلاح على أن الإخوان يتاجرون بالقضية الفلسطينية، حيث سرق التنظيم شعارًا شهيرًا أطلقه الزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات وهو (عالقدس رايحين شهداء بالملايين)، وأصبحوا يرددونه عبر منصاتهم وقنواتهم فى محاولة لحشد الرأى العام فقط وإثارته فى الوقت الذى بدا واضحا دعم الجماعة الكامل لإسرائيل.
ويشير إلى أن القضية الفلسطينية كشفت عوار إعلام الإخوان وعدم مهنيته، بل وأثبتت تناقضاته، مؤكدًا أن هذا الإعلام مكشوف عواره منذ البداية، ولم تعد أكاذيبه تنطلى على الشعب المصرى، وأن العاملين به «يقبضون الثمن» لاستمرار دوافعهم فى نشر الفوضى وبث الفتنة داخل مصر.
ويؤكد صلاح أن من أكبر أكاذيب الإعلام الإخوانى ما يسمى بـ «صفقة القرن» المزعومة والتى روَّج لها التنظيم منذ البداية على أن الهدف منها موافقة مصر والرئيس السيسى على تهجير آلاف الفلسطينيين إلى سيناء، وهو ما أكدت مصر كذبه عمليًا.
ويوضح أن الإرادة الإخوانية اتحدت مع الإرادة الإسرائيلية فى الضغط لفتح المعبر أثناء العدوان الإسرائيلى بهدف تهجير الفلسطينيين وليس من أجل إدخال المساعدات لغزة ولكن مصر أصرت على أن المسألة لا تتعلق بأمور إنسانية فقط، وإنما هى قضية أساسية للعرب، وأن قبول التهجير هو «تصفية للقضية الفلسطينية».
ويكمل أن التنظيم الإرهابى دخل بعد مؤتمر شرم الشيخ فى «مرحلة عدم اتزان»، ولاحظنا «ارتباكات كبيرة» فى منصاته وتناوله الإعلامى بعدما انتصرت الإرادة ووجهة النظر المصرية، وثبت أن مصر لم تغير موقفها، بل موقفها هو الذى فرض نفسه.

زعزعة الاستقرار
ويختتم مدير مكتب الحياة اللندنية الأسبق بمصر حديثه مؤكدًا أن هدف الإعلام الإخوانى الأساسى هو «زعزعة الاستقرار، بث الفرقة بين مصر والدول العربية، وفرض صورة نمطية مُسيئة لمصر لدى الشعوب العربية» لذا يجب تصنيفه بوضوح أنه إعلام عدو.
ويؤكد الخبير الإعلامى والباحث فى شئون الجماعات المتطرفة حسام الغمرى، أن إعلام جماعة الإخوان المسلمين يمثل «آلة ضخ أكاذيب» و«غرف حرب نفسية» ممولة من أجندات غربية لخدمة أهداف صهيونية، مشددًا على أن هذا الإعلام فشل فى تحقيق أهدافه لإثارة الشارع المصرى وتدمير المشروع المصري.
ويشير إلى أن الكذب والانحدار فى تناول الشأن العام ليس جديدًا على جماعة الإخوان، بل يمثل جزءًا من دورهم الوظيفى منذ تأسيسهم على يد حسن البنا، الذى مول مجلة «الكشكول الجديد» التى كانت آلة لضخ الأكاذيب والبذاءة، مؤكدًا أنهم أول من أدخلوا هذه العادة السيئة إلى مصر، بعدما كان الجدل السياسى بعد ثورة 19 يتسم بالرقى.
ويستشهد بخلاف النحاس باشا ومكرم عبيد الذى تجسد فى كتابى «الكتاب الأسود» و«الكتاب الأبيض» بشكل راقٍ، ولكن الإخوان المسلمين هم من أبدعوا البذاءات السياسية فى خطاباتهم، ناهيك عن العنف فى الاختلافات السياسية.
ويشدد الغمرى على أن الجماعة حاولت استغلال حجم المأساة فى غزة وما تثيره من مشاعر نبيلة لـ «إشعال الشارع المصرى تجاه الدولة»، ولكن هذا المخطط فشل تمامًا بعد أن كان رهان الجماعة يقوم على مسارين فاشلين: أولهما محاولة استنساخ سيناريو 67 عبر تسعير الشارع وإثارة الفوضى؛ لأنهم يعلمون أن «لا عودة لهم دون الخراب والفوضى»، والثانى دفع الدولة المصرية لخطوة غير محسوبة يتمناها العدو لتأخير مشروع التحديث المصرى الذى كان الهدف أن يُضرب للمرة الرابعة بعد عهود محمد على والخديو إسماعيل وعبد الناصر، لأن نجاح مصر هذه المرة سيجعل ممولى الجماعة يشعرون أنها لم تؤد دورها ووظيفتها.
احتلال سيناء
ويشير إلى أن الإخوان بدأوا يروجون بأن علامة نجاحهم هى «احتلال سيناء»، لأن الفوضى كانت ستضع المؤسسات الأمنية بين اضطرابات داخلية وعدو يتربص بالخارج، مؤكدًا أن هذا الهدف صرح به محمد إلهامى، مؤسس حركة «نداء» الجناح المسلح للجماعة.
ويستشهد الغمرى بتاريخ البنا حين جمع تبرعات من المصريين للكتائب ثم أرسل 200 مقاتل فقط، قبل أن يطلب منهم عدم القتال، بحجة أن يظل دورهم هو التذكير بالقضية فقط. لذا فإن ما تقوم به الجماعة ليس بالأمر الجديد، بل هى استراتيجية مستمرة تحاول الجماعة استخدامها وفق قواعد كل عصر لمحاولة النيل من الدولة المصرية بهدف خدمة مموليها للوصول لحلمهم الأكبر وهو السلطة والعودة لها مرة أخرى.
ويصف الغمرى إعلام الإخوان بأنه «غرف لإدارة حرب نفسية» يعمل وفق ثلاثية «التشويه والتخوين والتشكيك»، مشيرًا إلى أن هناك إرادة غربية لاستمرار تمويلها لخدمة أهداف صهيونية، وأن هذا يندرج تحت ما يُعرف بـ «حروب الإدراك والوعى» أو «حروب الجيل الرابع والخامس» التى تستهدف العقل البشرى، مؤكدًا أن الهدف الأسمى لهذه الأجندات هو خدمة الكيان الصهيونى، وزعزعة الجبهة الداخلية المصرية لإنهاك المؤسسات الأمنية وإعطاء فرصة للعدو الصهيونى.
ولحماية العقول المصرية من هذه الحرب النفسية يرى أن على الإعلاميين والمثقفين والمواطنين الدور الأكبر فى كشف هذه المؤامرة وإظهار الوعى ودعم المؤسسات الوطنية، موضحًا أن بقاء الإعلام الإخوانى قائم على التمويل المستمر، والتفاعل المصنوع من لجانهم الإلكترونية على السوشيال ميديا.
ويطالب بضرورة إعادة استخدام سلاح السوشيال ميديا لصالح الأجندة الوطنية ولصالح قوة مصر الناعمة، ليُوضح للممولين أن الإخوان قد فشلوا، مما قد يساهم فى تفكيك مصادر تمويلهم.
تناقضات جوهرية
وفى نفس السياق، يؤكد الدكتور عادل رأفت، أستاذ الإعلام بجامعة المنوفية، أن الخطاب الإعلامى لجماعة الإخوان الإرهابية معادٍ لمصر وكشف بوضوح عن تناقضات جوهرية تهدف إلى تقويض الاستقرار الوطني.
وهذا الأمر يُعد «نموذجًا لاستراتيجية للجماعات الهدامة التى تضع أجندة الجماعة فوق مصلحة الوطن، مستفيدة من كل أزمة لترويج خطاب الهدم من أجل السيطرة».
ويوضح الدكتور رأفت أن تناقضات إعلام الإخوان تتجلى فى تعامله مع أزمة غزة خاصة ما يتعلق بالدور الإنسانى والدبلوماسى لمصر خلال الحرب.
وتركيز إعلام الجماعة على اتهام مصر بالتواطؤ مع إسرائيل عند إغلاق معبر رفح، متجاهلًا أن المعبر خاضع لاتفاقيات دولية، وأن إسرائيل تسيطر على الجانب الآخر وتعرقل دخول المساعدات. فى حين أنه عندما نجحت مصر فى تسيير المساعدات أو إخلاء الجرحى، تحوّل خطاب الإخوان إلى تقزيم هذا الدور أو اتهام مصر بـ «المتاجرة بالقضية»، فى محاولة لتشويه جهودها الدبلوماسية.
ويُبرز أستاذ الإعلام تناقضًا آخر فى اتهامات الإخوان بموافقة مصر على تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، حيث روّجوا لسيناريوهات وهمية، مثل تصوير عمارات سكنية مصرية على أنها مخصصة للتهجير، بينما أكد الرئيس السيسى وقيادات الجيش رفض أى مخططات تهجير، وأجهضت مصر هذه المحاولات عبر ضغط دبلوماسى قوى دون الانجرار إلى حرب إقليمية وأضاف: «إعلام الإخوان تجاهل التصريحات المصرية الحازمة التى حذرت من أى اختراق للحدود، واستمر فى نشر أكاذيب المؤامرة دون أدلة».
لذا، فهذا التناقض يكشف محاولات الإخوان لنزع أى صفة وطنية عن الدور المصرى.
ويشير إلى أن تناقضات إعلام الإخوان جزء من استراتيجية واعية تهدف إلى نزع الشرعية عن الدولة المصرية، وتأجيج السخط الداخلى وإثارة القلاقل وإرضاء داعمين إقليميين يسعون لتقييد الدور المصرى.
ويوضح أن مصادر تمويل إعلام الإخوان معقدة، وتشمل: أموال الجماعة واستثماراتها فى الخارج (مستشفيات، مدارس، شركات صرافة)، وشبكات تبرعات دولية واسعة النطاق تحت ستار جمعيات خيرية، بالإضافة إلى الدعم الحكومى الذى قدمته قوى إقليمية لفترة طويلة مشيرًا إلى أن هذه الجهات تسعى لاستخدام إعلام الإخوان كأداة ضغط لتقييد الدور الإقليمى لمصر.
ويرى رأفت أن الحل لمواجهة هذا الإعلام المُمنهَج هو بوضع استراتيجيات للمواجهة، تشمل تعزيز الشفافية الإعلامية، تقديم الحقائق بأرقام ووقائع واضحة، واستخدام المنصات الرقمية بأدوات مبتكرة لاستهداف الشباب، إلى جانب تعزيز الانتماء الوطنى من خلال مبادرات مجتمعية وتعليم التفكير النقدى لمواجهة الشائعات.
ويختتم حديثه قائلًا: «إعلام الإخوان يمثل معارضة هدامة تضع أجندتها فوق مصلحة الوطن، لكن وعى الشعب المصرى وصلابة الموقف الوطنى كشفا زيف هذه التناقضات. وكما راهن الرئيس السيسى على وعى المصريين، فإن خبرتهم التاريخية ستظل حصنًا ضد محاولات زعزعة الاستقرار. حمى الله مصر وشعبها».

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







