لا أحد يعيد عقارب المعرفة إلى الوراء، ولا قارئ اليوم يشبه قارئ الأمس، من كانت يده تمتد إلى كتاب باتت أذنه تلتقط كتابًا مسموعًا، ومن كان يلتقط المعلومة من سطر، صار يختصرها فى منشور، وبين هذا وذاك، يقف القارئ المعاصر مذهولًا أمام كثرة الوسائط، وكأنه يسأل: أى طريق أسلك؟ وما الذى يمكن أن يُعد «قراءة» فى عالم لا يهدأ فيه الضوء الأزرق؟
وعلى مشارف الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الكتاب التى تنطلق بعد أيام، حاورنا ثلاثة من أبرز المفكرين والخبراء، لنستطلع رؤيتهم حول مستقبل القراءة، والوسيط الأفضل للشباب، وكيف يمكن الحفاظ على جوهر المعرفة وسط تداخل الوسائط بين الورق والصوت والشاشة؟
الكتب الصوتية الأوفر حظا
يرى أستاذ نظم إدارة المعلومات ومصادرها، وخبير التراث الرقمى باليونسكو، وعميد كلية التربية الخاصة بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، د. شريف كامل شاهين، أن الكتب الصوتية تمثّل تطورًا منطقيًا فى مسار النشر، مستفيدة من الطفرة الرقمية والذكاء الاصطناعى.
حيث يقول: «الكتب الصوتية ظاهرة قديمة حديثة، استفادت من معظم إمكانات النشر الإلكترونى، بما فى ذلك الذكاء الاصطناعى، نعم، أوصى شبابنا من أجل استثمار مفيد وممتع للوقت، سواء فى فصل الصيف، أو غيره من فصول السنة، بالتوجّه نحو الكتب الصوتية، قدّم سوق النشر العالمى الكتب الصوتية كأحد البدائل المتاحة للقارئ، للإطلاع على الكتب فى كافة موضوعات المعرفة».
ويضيف: «واجهت صناعة الكتب المسموعة أو الصوتية مشاكل وعقبات فنية واقتصادية، وكذلك فى قبولها العام من القارئ فى بداية طرحها، إلا أنها اليوم من أكبر وأقوى قطاعات سوق النشر العالمى، كانت تقتصر على الروايات والقصص التى تُحكى بأصوات ذات ملامح خاصة، تترك أثرًا فى نفس القارئ، يجعله يتعلق بأمرين: المحتوى الشيق، وأسلوب التعليق والحكى الصوتى الجذاب المريح للأذن».
ويشرح التحول الذى طرأ على فعل القراءة، قائلاً: «وانتقلت عادة القراءة المعتمدة على حاسة البصر منفردًا، إلى الاعتماد على حاستى السمع والبصر معًا، فى تناغم وتفرّد غير مسبوق… تستطيع الاستمتاع وتحقيق فائدة ثقافية وفكرية وتعليمية وغيرها، فى أوقات الفراغ وأوقات الانتظار، من خلال الكتب الصوتية».
ويختم برسالة تشجيعية للشباب: «يشهد العالم سباقًا عالميًا وعربيًا ومحليًا فى مجال النشر المسموع، خاصة أن كافة متطلباته التقنية أصبحت فى متناول كل مستخدم للهواتف الذكية، فضلًا عن انخفاض أسعارها مقارنة بالمطبوع، وعدم تقيّدها بمكان أو زمان للاستماع إلى محتواها… إنها دعوة لاستكشاف هذا العالم الجديد من عوالم النشر المتنوعة، من أجل تحقيق فائدة أكبر بأقل التكاليف».
المهم أن نقرأ
ويقول الناقد د. هيثم الحاج على، فيؤمن بأن الوسيط ليس هو المحور الحقيقى لفعل القراءة، بل الفعل ذاته، إذ يرى أن المعرفة يمكن أن تصل إلينا بأية صورة.
ويضيف: «فى الحقيقة، دائمًا ما أنظر إلى الفعل ولا أنظر كثيرًا إلى الوسيط. بمعنى أننى أشجّع دائمًا على القراءة فى أية صورة، ومن هنا يمكننى أن أطرح على الشباب فكرة القراءة عبر كتاب ورقى، أورقمى، أو حتى عن طريق أو حتى المسموع، المهم أن تكون المعرفة قادرة على الوصول بأية وسيلة كانت».
ويقترح الحاج على خطوات مدروسة لبدء علاقة جيدة مع القراءة: «من هنا، فإنه من الممكن اقتراح اتجاهات للقراءة؛ فإذا كان الشاب حديث عهد بها، فالأولى أن يبدأ بشىء جذاب، مثل الروايات والقصص القصيرة، وبالطبع أقصد هنا الروايات التى يمكنها أن تُشكّل وعيًا حقيقيًا، والتى عندما يستكشفها الشباب يجدون فيها عوالم حقيقية، ولدينا أسماء بالطبع مثل نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، ومحمد المخزنجى، وإبراهيم أصلان، وغيرهم الكثيرون. الفكرة أن يبدأ الشباب بالأسماء المعروفة والمجرّبة».
ويُكمل «هيثم»: «يأتى تلو ذلك الكتب التاريخية، تلك التى يمكنها أن تُلخّص أهم الحوادث التاريخية فى صورة سردية، ومثلها السير الذاتية، الأدبية منها وغير الأدبية، ربما تكون تلك الأنواع الثلاثة هى خير بداية للشباب المقبل على قراءات أولى، وهى التى يمكنها توجيهه فيما بعد إلى مجالات أخرى متنوعة، ربما يجد فيها ضالته بصورة أكبر».
«الورقى» ما زال يملك صوته
أما الشاعر والمفكر د. زين عبد الهادى، المشرف العام على مكتبات مدينة الثقافة والفنون بالعاصمة الإدارية، فيتخذ موقفًا ناقدًا تجاه الشبكات الاجتماعية، مؤكدًا أنها لا ترقى إلى مستوى الكتاب كمصدر معرفى.
يقول: «على الرغم من أن الشبكات الاجتماعية تمثل تهديدًا خطيرًا للكتاب ومن ثم للقراءة، إلا أننا لا يمكننا المقارنة بين نوعين من مصادر المعلومات مختلفين شكلًا وموضوعًا، الكتاب عمره حوالى ٦٠٠ سنة، منذ تقديم أول كتاب ورقى فى التاريخ على يد «حنا جوتنبرج» عام ١٤٢٣، والكتاب يتسم بسردياته المطولة، ونوعية من المؤلفين العظام فى الأغلب، كما أنه مريح للعين، على عكس الشبكات الاجتماعية التى تعتمد نصوصًا قصيرة غالبًا، يكتبها العامة وأى شخص، إلا فيما ندر من جانب كتّاب موثوق بهم، لم يكن يمكن، وبالتجربة، الاعتماد عليها كمصدر لمعلومات رصينة ومجربة ومحكمة. هذه النقاط الثلاث تصب فى صالح الكتاب».
ويضيف «زين»: «ومع ذلك، سنجد السواد الأعظم من الشباب يتجهون نحو استخدامها كمصادر موثوقة لمعلوماتهم، وهذا خطأ فادح فى طريقهم لاكتساب المعلومات والمعرفة، ورغم ذلك، اتجهت كثير من الأبحاث الأكاديمية فى السنوات الأخيرة، ومبكرًا فى نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، إلى محاولة تعديل محتوى الشبكات الاجتماعية من خلال إتاحة ووضع كثير من المعارف والمعلومات الصحيحة عليها».
ثم يستعرض «عبد الهادى» تجربته الشخصية فى هذا المجال: «شخصيًا، لى تجربتان فى هذا الأمر؛ الأولى بدأت مبكرًا فى النصف الثانى من التسعينيات مع طلابى بالجامعة، فى محاولة منى لتوفير محتوى علمى يحصد مميزات الشبكات الاجتماعية ويقدّم من خلالها المحتوى العلمى، وهو ما نجح بشكل كبير، أما التجربة الثانية فبدأتها منذ شهرين، لإتاحة معرفة علمية لكل الناس، سواء طبية، أو علمية، أو تكنولوجية وغيرها، من خلال ما يُعرف بـ»مرصد العلوم والتكنولوجيا»، والذى أتيحه عبر» الواتساب والفيسبوك»، وبشكل جزئى عبر شبكة» لينكدإن «.
ويختتم د.زين عبد الهادى» مؤكدًا على قيمة الورق: «ببساطة، وإجابة عن سؤالك، يمكن استخدام الشبكات الاجتماعية فى التدريس وتوفير محتوى علمى رصين يستفيد من مميزاتها، خاصة السرديات القصيرة و»الفيديو» والصوت والصورة، مما يوفر متعة كبيرة لمختلف الأعمار، ويحقق الشروط التى ذكرناها، كما يمكن توفير كثير من الكتب لهم لقراءتها، لكنى حاليًا لا أفضل ذلك بسبب التأثير البالغ للشاشة على العين الإنسانية، وأفضل اعتماد صيحة أن للكتاب الورقى الكثير ليقوله».
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







