كتاب «القاهرة: خططها وتطورها العمراني «للباحث د. أيمن فؤاد، يعد واحدًا من أهم المراجع التى تناولت تاريخ» القاهرة «وتطورها عبر أكثر من ألف عام، فهو لا يقدم فقط سردًا تاريخيًا للأحداث، بل يرسم صورة متكاملة للمدينة من خلال تحليل بنيتها العمرانية وتوثيق معالمها وآثارها، فى هذا الكتاب الموسوعى يفتح لنا المؤلف بوابة إلى فهم المدينة بوصفها نصًا مفتوحًا، تُعاد كتابته عبر العصور، وتُعاد قراءته وفقًا لتحولات السلطة، والذوق، والوعى الجمعي، لا يقدم لنا الكتاب مجرد دراسة عمرانية، بل هو تأريخ للروح التى سكنت المكان، من الفسطاط إلى القاهرة الفاطمية، ومن أزقة المماليك إلى شوارع الحداثة. إنه دعوة للتأمل فى كيف تصوغ المدن ذاكرتنا، وكيف نعيد نحن تشكيلها فى المقابل، عبر التخطيط، والهدم، والبناء، والحنين، فى زمن تتسارع فيه التحولات العمرانية بلا ذاكرة، يأتى هذا العمل ليعيد للمدينة صوتها، ويمنحنا نحن القرّاء فرصة الإصغاء إلى نبضها العميق.
بعد احتراق الفسطاط أصبحت القاهرة مقرًا للحكم والإدارة
خُططت «القاهرة» كعاصمة إدارية وعسكرية للنظام الفاطمى ومركزًا للمذهب الإسماعيلى والفسطاط العاصمة التجارية والاقتصادية للبلاد
مع محمد على شهدت العاصمة إصلاحات كبرى والخديو إسماعيل قام بنقلة نوعية فى ملامحها
يقدم «د. أيمن فؤاد» سيرة عمرانية متكاملة للقاهرة، تكشف كيف تشكلت من مدن متعاقبة لتصبح عاصمة متعددة الطبقات الحضارية، حاضنة لتراث معمارى يجمع بين الفسطاط والعسكر والقطائع والقاهرة الفاطمية والعصور اللاحقة، وصولًا إلى القاهرة الحديثة التى جمعت بين الأصالة والتجديد. وللأمانة العلمية لم تغفل كتب التاريخ المصرى القديم والحديث معالم القاهرة، تلك العاصمة الأبية، فالكتابة عنها كانت دائمًا بمثابة الإبحار فى أعماق تاريخ ممتد عبر آلاف السنين يروى حكاية أكبر عاصمة عربية متفردة بآثارها ونقوشها التاريخية، رغم قلة – بل ندرة – الأبحاث التى تناولت الجانب العمرانى المدنى لمدينة القاهرة، وندرة ما نعرفه عن تاريخ تطور المدينة ونموها. ومؤلف د. أيمن جاء فى ستة فصول، احتوت صفحاته التى بلغت نحو ستمائة صفحة على مراجع ومصادر علمية دقيقة استعان بها، ليضفى المصداقية والتسلسل التاريخى على جغرافية القاهرة وتطورها العمراني.
حريق الفسطاط
المؤلف يغوص فى أصول القاهرة منذ فجر التاريخ، مؤكدًا أن موقعها الجغرافى فرضته طبيعة الأرض المصرية واستمرار حركة التاريخ. ففى ضواحى القاهرة الحديثة استوطن المصرى القديم واحدة من أوائل المستوطنات المدنية فى العالم قبل خمسة آلاف عام، عندما فرضت المملكة الجنوبية سيطرتها على الشمالية ووحدت مصر، متخذة من مدينة ممفيس – الواقعة بالقرب من التقاء الوادى بالدّلتا على الشاطئ الغربى للنيل، على بعد نحو 25 كيلومترًا جنوب القاهرة الحالية – أول عاصمة مصرية فى التاريخ.
ثم برزت مدينة أون أوهليوبوليس، التى تقع شمال القاهرة الحالية وعُرفت عند العرب باسم «عين شمس»، وظلت قائمة حتى دخول جيوش الفتح الإسلامى سنة 20 هـ/ 641م، حيث أُنشئت الفسطاط كأول مدينة إسلامية فى مصر وإفريقيا، فى الفضاء المجاور لمدينة بابليون القديمة. وبعد نحو ربع قرن، ومع وصول العباسيين إلى قمة السلطة، أُضيف شمال شرقى الفسطاط حى جديد كان مقر دار الإمارة العباسية ومعسكرات الجيوش، عُرف باسم العسكر.
وفى عام 254هـ / 868م، شيّد أحمد بن طولون – أول حاكم مسلم استقل بمصر عن الخلافة العباسية – مدينة جديدة شمال شرق العسكر، أطلق عليها اسم القطائع. ثم جاء عصر الدولة الفاطمية، فبُنيت باسمهم المدينة الرابعة، التى أصبحت «القاهرة» الحقيقية، وإن لم تكن فى بدايتها سوى قصر فخم وثكنات عسكرية ومقر للحكومة، بينما ظلت الفسطاط مركزًا للتجارة والثقافة والأعمال.
ويبين الكتاب أن القاهرة لم تتحول إلى مركز للحكم والإدارة إلا بعد أن أُحرقت الفسطاط عمدًا سنة 564هـ / 1068م، ليجسد سور صلاح الدين الأيوبى لاحقًا الوحدة الحقيقية للعاصمة. ومع ذلك، لم يشهد عمران القاهرة تطورًا كبيرًا فى زمن الإخشيديين الذين حكموا نحو 35 عامًا، إذ لم يتركوا أثرًا معماريًا بارزًا بسبب الفوضى السياسية والأزمات الاقتصادية، باستثناء خمسة منشآت أشار إليها المؤرخون، فُقد معظمها لاحقًا، وهي: البستان الكافوري، ودار الفيل على بركة قارون، والمارستان الكافورى بالفسطاط، ومشهد آل طباطبا – وهو الأثر الوحيد الباقى حتى الآن – ويقع على بعد 500 متر غرب مشهد الإمام الشافعى و230 مترًا شمال عين الصيرة.
وتحولت القاهرة فى العصر الفاطمى إلى منارة لحكم العالم الإسلامي، إذ سجل التاريخ لها دورًا محوريًا فى قيادة هذا العالم أمام التيارات الأجنبية – رغم فشل الفاطميين فى ضم جميع المسلمين إلى صفهم بسبب خلافاتهم العقائدية – وذلك عقب سقوط بغداد، بدءًا من مواجهة الحملات الصليبية ومرورًا بالغزو المغولي، وصولًا إلى العصر الحديث.
تأسيس القاهرة
يروى الكتاب خطط جوهر الصقلي، قائد جيوش الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، بعد أن أتم فتح مصر، وكيف نفذ رؤية الخليفة فى بناء مدينة ملكية تكون بالنسبة للفسطاط كالمنصورية بالنسبة للقيروان فى إفريقية، لتصبح عاصمة للدولة العالمية الشاملة التى حلم بها الفاطميون، وتضم جميع الأراضى الإسلامية..
وكيف أن جوهر الصقلي، بعد عبوره بقواته من الجيزة إلى الفسطاط فى 17 شعبان سنة 358هـ / 6 يوليو 969م، أمر جنوده بالتمركز عند بركة الفيل بالقرب من الجامع الطولوني، ثم وقع اختياره على السهل الرملى المحصور بين خليج أمير المؤمنين غربًا وجبل المقطم شرقًا ليضع فيه أساس المدينة الجديدة. وهناك بدأ فى وضع خطط إنشاء القاهرة وضواحيها، حيث كان الخليج العربى يفصل بين موقع القاهرة والقرية التى عُرفت باسم أم دنين، ثم أصبحت لاحقًا المقس (ميدان رمسيس حاليًا).
وقد تحولت «المقس» فى العصر الفاطمى إلى موضع دار الصناعة، بينما كان النيل قديمًا يمر فى موقع شارع عماد الدين الحالي. وكانت الأراضى الممتدة بين الخليج وساحل النيل الشرقى أراضى زراعية خصبة مليئة بالبساتين، عُرفت ببساتين الفسطاط. وهكذا كانت القاهرة فى بداياتها «حصنًا» يضم قصرًا فخمًا وثكنات عسكرية ومقرًا للحكم، خُططت لتكون العاصمة الإدارية والعسكرية للنظام الفاطمي، ومركزًا للدعوة الدينية والثقافية للمذهب الإسماعيلي، فيما ظلت الفسطاط العاصمة التجارية والاقتصادية للبلاد.
تخطيط القاهرة
اتخذ الفاطميون فى البداية للتخطيط العمرانى للقاهرة الشكل المربع. وبعد نحو مائة وعشرين عامًا، وسّع القائد بدر الجمالى أسوار المدينة الجنوبية والشمالية ونقلها إلى مواقع جديدة ما زالت أبوابها الباقية تدل عليها حتى اليوم، فتحول شكلها من المربع إلى المستطيل. وكان يخترق المدينة شارع رئيسى يمتد من باب زويلة جنوبًا حتى باب الفتوح شمالًا، موازيًا للخليج.
عرف هذا الشارع أولًا باسم الشارع الأعظم، ثم أطلق عليه لاحقًا قصبة القاهرة، وهو ما يعرف اليوم بـ شارع المعز لدين الله الفاطمي. وقد قسم هذا الشارع المدينة إلى قسمين شبه متساويين، ومع ذلك لم تستفد القاهرة من ميزة التخطيط المتعامد الذى وفره الشكلان المربع والمستطيل، فلم تتساوَ مساحات أحيائها، ولم تُنشأ شوارع متعامدة على الشارع الأعظم، إلا عند فتح شارع الأزهر سنة 1930م، الذى قسم القاهرة الفاطمية إلى أربعة أقسام شبه متساوية.
ويذكر المؤلف أن مساحة القاهرة عند تأسيسها بلغت 1,166,400 متر مربع، خصص منها 240,141 مترًا مربعًا للقصر، و120,050 مترًا مربعًا للبستان الكافوري، ومثلها للميادين، فيما أقيمت حارات المدينة على مساحة قدرها 686,000 متر مربع، مع ترك جزء منها فراغًا تحسبًا للتوسع المستقبلي.
ويضيف أن أسوار القاهرة الأولى كانت ضرورة استراتيجية مثلها مثل المدن الفاطمية الأولى: المهدية والمنصورية، فقد كانت جميعها مدنًا مسوَّرة. وقد شيد جوهر الصقلى سور القاهرة الأول من اللبن على شكل مربع طول ضلعه 1080 مترًا. وأبدى المؤرخ المقريزى (تقى الدين أبو العباس أحمد بن على بن عبد القادر المتوفى سنة 845هـ / 1332م) دهشته من حجم الطوب المستخدم فى البناء، إذ ذكر أن طول الطوبة الواحدة ذراع، وعرضها ثلثا ذراع (58 × 34 سم)، وأن سمك السور كان كافيًا لمرور فارسين جنبًا إلى جنب فوقه. وكان للمدينة تسعة أبواب لم يبق منها أثر اليوم، هي:
باب زويلة: نُسب إلى قبيلة من البربر جاءت مع جوهر الصقلى من المغرب، وباب الفتوح: يقع على يسار الخارج من القاهرة عبر سورها الشمالي.. وباب النصر: على يمين الخارج من القاهرة من نفس السور.. وباب سعادة: نُسب إلى سعادة بن حيان، أحد قادة المعز الذى قدم إلى مصر سنة 360هـ/ 971م.. ثم باب الفرج: والذى كان يقع عند التقاء سور القاهرة الجنوبى بالغربي، فى الموقع الذى تشغله الآن مديرية أمن القاهرة القديمة ومحكمة جنوب القاهرة القديمة بميدان أحمد ماهر.
وباب القنطرة الذى شيده جوهر الصقلى عند تهديد القرامطة لمصر سنة 360هـ / 971م، وسمى بهذا الاسم لوجود قنطرة على الخليج تعبر منها القوات إلى المقس لملاقاة القرامطة بعيدًا عن القاهرة..و باب الخوخة: حيث ذكر القلقشندى (شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي، المتوفى سنة 821هـ / 1418م) أنه كان بالقرب من قنطرة الموسكي.
ثم باب القراطين وباب البرقية.
تسمية العاصمة
اختلف المؤرخون فى أصل تسمية الفسطاط كأول عاصمة إسلامية لمصر، تكرر الأمر ذاته بشأن تسمية القاهرة. فكما استُبعدت رواية «اليمامة» فى تفسير اسم فسطاط عمرو بن العاص، يستبعد المؤلف أيضًا الرواية التى تربط اسم القاهرة بالمنجمين والغراب، أو بالاقتران بكوكب المشترى المعروف بـ «القاهر».
وتوضح كتب التاريخ أن أصل التسمية يرتبط برواية وردت عن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، إذ يروى أنه عندما خرج لوداع قائده جوهر الصقلى فى طريقه لفتح مصر، قال مشيرًا إلى المدينة التى سيبنيها:
«والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، وليدخلنّ إليها بالأردية من غير حرب، ولينزلنّ فى خرابات ابن طولون، وليبنِينّ مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا».
وعندما وصل المعز إلى مصر فى أواخر سنة 362هـ / 973م، واستفسر من قائده عن اسم المدينة التى شيدها، لم يُعجبه اسم المنصورية، فغيّره إلى القاهرة، اعتقادًا منه أن هذا الاسم سيكون فألًا حسنًا، وأنها ستقهر الدنيا وتصبح مقر الحكم للعالم الإسلامي. بل إنه عاتب قائده على اختيار موقع البناء بعيدًا عن ساحل النيل فى موضع المقس (ميدان رمسيس حاليًا).
الحارة المصرية
يرصد المؤلف ظهور مصطلح الحارة مع تأسيس القاهرة، حيث بدأ المؤرخون وكتاب الخطط يستخدمونه للدلالة على المناطق السكنية (الأحياء) التى سكنتها الفرق المختلفة من الجيش داخل أسوار الحصن الفاطمي. وكانت كل حارة تُعرف باسم الجماعة أو القبيلة التى سكنتها.
ويؤرخ المسبحى (الأمير المختار عز الملك محمد بن عبيد الله بن أحمد، المتوفى سنة 420هـ / 1029م) أول استخدام لهذا المصطلح بإطلاقه على حارة العبيد خارج باب زويلة. أما المقريزى فقد عرّف الحارة بأنها: «كل محلة دنت منازلهم، والمحلة منزل القوم».
كانت حارات القاهرة الفاطمية معزولة عن بعضها، ويتخللها عدد من السكك والدروب، ولكل منها أسواقها وحماماتها ومساجدها. ووصف الرحالة الفارسى ناصر خسرو الذى زار القاهرة سنة 439هـ/ 1046م، أن المدينة كانت مقسمة حينها إلى عشر حارات، هي:
حارة برجوان، وحارة زويلة، وحارة الجوذرية، وحارة الأمراء، وحارة الديلم، وحارة الروم، وحارة الباطلية، وحارة قصر الشوق، وحارة عبيد الشراء، وحارة المصامدة
ومع ذلك يؤكد المؤلف أن «المسبحي» ذكر حارات أخرى مثل: المحمودية، البرقية، العطوفية، الجوانية، الميمونية، الفرحية، والعبيد.
العمارة الدينية
يبيّن المؤلف أن ما ميّز الفسطاط – أول عاصمة إسلامية لمصر – هو جامع عمرو بن العاص أو «الجامع العتيق». وفى مدينة القطائع كان جامع ابن طولون الأثر الوحيد الباقى من تلك المدينة الملكية. أما فى القاهرة الفاطمية، فكان أبرز ما أُنشئ هو جامع القاهرة، الذى عُرف لاحقًا باسم الجامع الأزهر.
ويشير الكتاب إلى أن الجامع الوحيد الذى أُضيف للقاهرة فى العصر الفاطمى الأول كان جامع الخطبة المعروف بـ «الجامع الأنور»، إضافة إلى الجامع الأقمر الذى شُيد بين عامى 515هـ/ 1121م و519هـ/ 1125م، ثم الجامع الفخر الذى أنشئ سنة 543هـ/ 1148م.
كما يوضح أن عمارة المساجد فى هذه الفترة استمدت أصولها من جامع ابن طولون، الذى بُنى سنة 265هـ / 879م على طراز جامع سامراء (سرّ من رأى) فى العراق، ليصبح هذا الطراز نموذجًا أثّر لاحقًا فى تخطيط وبناء المساجد فى مصر الإسلامية.
أما فى الجانب المدني، فقد لعب العصر الطولونى دورًا بارزًا فى تحديد طبيعة العمارة المدنية المصرية، وتبعه الفاطميون فى تطوير مدينة الفسطاط، حتى جاء العصر الأيوبى ليبدأ مرحلة جديدة من العمارة المصرية بإنشاء قلعة الجبل والقاعة التى شيدها السلطان الصالح نجم الدين أيوب فى قلعة جزيرة الروضة، وهى التى كان لها تأثير كبير على تخطيط القاعات فى العصر المملوكي، والذى استمد بدوره من طراز سامراء بالعراق.
إدارة البلاد
ويبين المؤلف كيف كان للعاصمة القاهرة دور كبير فى إدارة شئون البلاد، حيث كانت الإدارة الفاطمية للعاصمة تستند إلى ثلاثة موظفين رئيسيين: الوالي، وصاحب الشرطة، والمحتسب، بالإضافة إلى القاضي. غير أنّ معالم النظام الإدارى للعاصمة ولسائر الأقاليم لم تتضح بشكل كامل إلا بعد الإصلاحات الإدارية التى أدخلها بدر الجمالى فى العقد السابع من القرن الخامس الهجري، والتى قُسمت فيها مصر إداريًا إلى أربع ولايات رئيسية: قوص، والشرقية، والغربية، والإسكندرية، بالإضافة إلى القاهرة والفسطاط.
وقد برز دور والى القاهرة فى تنظيم مواكب الخليفة، والحفاظ على الأمن والنظام، والنظر فى قضايا العقوبات والإجرام، وتولى تنفيذ الأحكام. أما المحتسب فقد اضطلع بمهام دينية وإشرافية على التجارة والصناعة، وكان سجله يُقرأ على المنابر، وكان مرتبه الشهرى ثلاثين دينارًا. فيما كان القاضى يعقد جلساته يومى الاثنين والخميس فى قصر القاهرة، ويومى السبت والثلاثاء فى الجامع العتيق.
قاهرة الأيوبيين
شهدت القاهرة فى العصر الأيوبى تحولات كبرى تمثلت فى ضعف الدولة الفاطمية وانحسار نفوذها نهائيًا، وتولى عدد من أهل السُّنة مناصب وزارية مهمة. وقد قاد صلاح الدين يوسف بن أيوب انقلابًا سلميًا أعاد به مصر إلى منظومة الدول السنية التى كانت تخطب للخليفة العباسى فى بغداد. وفى عام 566هـ، تبنّى صلاح الدين خطة لتحويل بعض الدور فى فسطاط مصر إلى مدارس لتدريس الفقه على المذاهب السنية الأربعة.
ثم انتقل مركز الحكم من القاهرة إلى قلعة الجبل، حيث انتقل إليها نهائيًا السلطان الكامل محمد سنة 604هـ/1207م. وأدت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية فى العصر الأيوبى إلى إعادة تشكيل النسيج العمرانى للمدينة، إذ ظهرت أنماط معمارية جديدة حلّت محل القصور الفاطمية فى منطقة بين القصرين. كما أدخل الأيوبيون إلى القاهرة عمارة حربية ومدنية ودينية جديدة تمثلت فى بناء قلعة الجبل والعديد من المدارس السنية.
قاهرة المماليك
ويخصص المؤلف فصولًا واسعة للعصرين الأيوبى والمملوكي، حيث أعاد صلاح الدين تنظيم المدينة وأقام القلعة وأحاطها بسور ضخم، بينما شهد العصر المملوكى طفرة معمارية كبرى جعلت شوارع القاهرة متحفًا مفتوحًا يزخر بالمساجد والمدارس والأسبلة والخانات.
فقد تبدلت معالم القاهرة بعد سقوط حكم الأيوبيين وقيام عصر المماليك سنة 648هـ/1250م، إذ ورث المماليك دولة قوية عن البيت الأيوبي، واستمر حكمهم قرابة ثلاثة قرون. غير أنّ القاهرة فى هذه الحقبة فقدت حصونها الفاطمية، إذ اختفى سورها القديم وسط أحيائها الجديدة.
وقد زخرت القاهرة المملوكية بكم هائل من الجوامع والمدارس والخوانق والدور والقصور والوكالات والحمّامات. وازدهرت المنطقة المجاورة للخليج كمكان للنزهة والاستمتاع، كما تميزت المنطقة الممتدة بين باب الفتوح شمالًا وباب زويلة جنوبًا باعتبارها مركز المدينة الاقتصادي. وتشير المصادر إلى أن القاهرة شهدت أكبر توسع وازدهار فى عصر المماليك، خاصة فى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، حيث شكّلت فترة حكمه نقطة تحول مهمة فى تاريخ القاهرة، إذ بلغت العاصمة المصرية أبعادًا لم تعرفها من قبل، ولم تصل إليها مرة أخرى إلا حين تبنّى الخديو إسماعيل فى منتصف القرن التاسع عشر مشروعه الطموح لبناء القاهرة الحديثة.
بزوغ الأزبكية
يشير المؤلف إلى أنّه فى تلك الحقبة نُفذ مشروع عمرانى كبير على بُعد 500 متر غرب الخليج، حيث جرى تعمير منطقة الأزبكية، التى نُسبت إلى المقر الأتابكى أزبك. وقد حظيت المنطقة ببناء القصور والمنازل والطواحين والأفران وغيرها من المرافق، لكنها اندثرت مع المشروع الحضارى الذى تبناه الخديو إسماعيل، والذى شمل تجديد ميدان الأزبكية وإنشاء دار الأوبرا المصرية.
القاهرة العثمانية
لم يختلف وضع القاهرة كثيرًا من العصر الفاطمى حتى العصر العثماني، إذ ظلت العاصمة المصرية نقطة عبور رئيسية للتجارة الشرقية، ومركزًا مهمًا لتجمع الحجاج والمعتمرين القادمين من شمال إفريقيا. كما تضاعفت مساحة القاهرة من 66 فدانًا فى العصر الفاطمى إلى 130 فدانًا فى العصر العثماني، وتضاعف عدد الوكالات من 58 وكالة فى أواخر العصر المملوكى إلى 360 وكالة فى العصر العثماني.
واستمرت القاهرة مركزًا لحياة دينية وثقافية نشطة بفضل الجامع الأزهر. وفى مجال العمارة المدنية، لم تتراجع القاهرة بل اتسعت عمرانيا فى مختلف الاتجاهات؛ حيث سكنت الطبقة الأرستقراطية القاهرية الأحياء المحيطة ببركة الفيل والشاطئ الأيمن للخليج. كما أسهمت الزيادة السكانية فى تطور فن العمارة، وشُيدت الأسبلة ذات الأعمدة الرخامية المزخرفة بالبرونز المذهب.
أما قصور البكوات ودور الشيوخ وكبار العلماء والموظفين، فقد تميزت بالثراء فى زخارفها واتساع مساحاتها. بينما عُرفت مساكن الطبقات الدنيا باسم «الرباع»، وهى أماكن السكن الجماعى التى كان يقطنها صغار الحرفيين والعمال والفقراء والوافدون الجدد إلى القاهرة.
أما فى العصر الحديث، فقد شهدت القاهرة إصلاحات كبرى مع محمد على باشا، الذى ردم البرك والمستنقعات وأدخل أنظمة جديدة للبنية التحتية. وجاء الخديو إسماعيل ليحدث نقلة نوعية فى ملامحها، محاولًا جعلها «باريس الشرق» بشوارع مستقيمة وحدائق وقصور حديثة مثل قصر عابدين وسراى الجزيرة، لتصبح المدينة مزيجًا بين الطابع الإسلامى العريق والتأثير الأوروبى الحديث.
ويختتم الكتاب بعرض أهم مصادر دراسة الخطط، من بينها المواعظ والاعتبار للمقريزي، ووصف علماء الحملة الفرنسية، ومشروع على مبارك الخطط التوفيقية. كما يضم خرائط نادرة توثق التحولات الكبرى التى مرت بها القاهرة.

«الإسلاموفوبيا اليومية» عندما تصبح الهوية تهمة والمظهر مبررا للتحيز
خطابات ندب المراقبين الأسبوع المقبل
عودة اختبارات القدرات.. وتقييم التخصصات النظرية







