خالد محمود يكتب l الملحد ..أسئلة جريئة فى قبضة الخطاب المباشر

خالد محمود
خالد محمود


منذ‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬الملحد‮»‬،‭ ‬بدا‭ ‬واضحًا‭ ‬أن‭ ‬الجدل‭ ‬المحيط‭ ‬به‭ ‬سيتجاوز‭ ‬قيمته‭ ‬الفنية‭ ‬إلى‭ ‬مساحات‭ ‬أيديولوجية‭ ‬مشحونة‭. ‬عنوان‭ ‬صادم،‭ ‬وموضوع‭ ‬يتعلق‭ ‬بالإيمان‭ ‬والشك،‭ ‬وسياق‭ ‬اجتماعي‭ ‬لا‭ ‬يتسامح‭ ‬كثيرًا‭ ‬مع‭ ‬الأسئلة‭ ‬الوجودية‭ ‬المفتوحة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تجاوز‭ ‬هذا‭ ‬الضجيج‭ ‬يفرض‭ ‬سؤالًا‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭: ‬هل‭ ‬نجح‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬فكرته‭ ‬الجريئة‭ ‬إلى‭ ‬دراما‭ ‬سينمائية‭ ‬مقنعة؟

ينطلق‭ ‬الفيلم‭ ‬من‭ ‬حكاية‭ ‬شاب‭ ‬يمر‭ ‬بأزمة‭ ‬فكرية‭ ‬تقوده‭ ‬إلى‭ ‬الإلحاد‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬محافظة،‭ ‬وهو‭ ‬طرح‭ ‬مشروع‭ ‬فنيًا،‭ ‬بل‭ ‬وضروري‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬سينما‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬التكرار‭ ‬والسطحية‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬يطرح‭ ‬الفيلم‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كيف‭ ‬يطرحه،‭ ‬إذ‭ ‬يميل‭ ‬العمل‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬موقف‭ ‬شبه‭ ‬مسبق‭ ‬من‭ ‬شخصياته‭ ‬وأفكاره،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تركها‭ ‬تتطور‭ ‬بحرية‭ ‬أمام‭ ‬المشاهد‭.‬

حين‭ ‬تُطرح‭ ‬لأسئلة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تعاش

يعتمد‭ ‬سيناريو‭ ‬‮«‬الملحد‮»‬‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬المباشر‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬أساسية‭ ‬لنقل‭ ‬الأفكار‭. ‬الأسئلة‭ ‬الفلسفية‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬مناظرات‭ ‬لفظية‭ ‬طويلة،‭ ‬تقترب‭ ‬أحيانًا‭ ‬من‭ ‬خطاب‭ ‬توضيحي‭ ‬أو‭ ‬دفاعي،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الفعل‭ ‬الدرامي‭. ‬السينما‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬‮«‬تحكي‮»‬‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬‮«‬تشرح‮»‬،‭ ‬فتتراجع‭ ‬الصورة‭ ‬والرمز‭ ‬لصالح‭ ‬الكلمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضعف‭ ‬الأثر‭ ‬الفني،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬القضايا‭ ‬المطروحة‭ ‬مهمة‭.‬

الشخصيات،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬البطل،‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬دائمًا‭ ‬بالمساحة‭ ‬الكافية‭ ‬للنمو‭ ‬التدريجي‭. ‬التحولات‭ ‬الفكرية‭ ‬تأتي‭ ‬أحيانًا‭ ‬متسرعة‭ ‬وغير‭ ‬مدعومة‭ ‬بتراكم‭ ‬درامي‭ ‬كاف،‭ ‬وكأن‭ ‬الفيلم‭ ‬يخشى‭ ‬الإقامة‭ ‬طويلًا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الرمادية‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬أسئلة‭ ‬حقيقية‭ ‬بلا‭ ‬إجابات‭ ‬جاهزة‭.‬

الأداء‭ ‬التمثيلي‭.. ‬تفاوت‭ ‬واضح

في‭ ‬فيلم‭ ‬يعتمد‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬على‭ ‬الحوار،‭ ‬يصبح‭ ‬الأداء‭ ‬التمثيلي‭ ‬عنصرًا‭ ‬حاسمًا‭. ‬ويقدم‭ ‬أحمد‭ ‬حاتم‭ ‬أداءً‭ ‬جادًا‭ ‬ومجتهدًا‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬الشاب‭ ‬المأزوم،‭ ‬محاولًا‭ ‬الإمساك‭ ‬بالتوتر‭ ‬الداخلي‭ ‬والانكسار‭ ‬النفسي‭. ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬المشاهد‭ ‬الصامتة‭ ‬ونظرات‭ ‬القلق‭ ‬والحيرة،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المواجهات‭ ‬الحوارية‭ ‬يبدو‭ ‬أسيرًا‭ ‬للنص،‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬الأداء‭ ‬إلى‭ ‬شرح‭ ‬للأفكار‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬تجسيدًا‭ ‬لحالة‭ ‬إنسانية‭ ‬معقدة‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬يحسب‭ ‬له‭ ‬الانضباط‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬المبالغة‭.‬

على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬يحضر‭ ‬محمود‭ ‬حميدة‭ ‬بوصفه‭ ‬العنصر‭ ‬الأكثر‭ ‬تماسكًا‭ ‬داخل‭ ‬الفيلم‭. ‬بخبرة‭ ‬طويلة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التعبيري،‭ ‬يقدم‭ ‬أداءً‭ ‬هادئًا‭ ‬ورصينًا‭ ‬يمنح‭ ‬الشخصية‭ ‬ثقلًا‭ ‬فكريًا‭ ‬دون‭ ‬افتعال‭ ‬أو‭ ‬خطابية‭. ‬يعتمد‭ ‬حميدة‭ ‬على‭ ‬نبرة‭ ‬الصوت‭ ‬وتفاصيل‭ ‬الجسد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الانفعال،‭ ‬فينجح‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬حدة‭ ‬الطرح‭ ‬المباشر،‭ ‬ويمنح‭ ‬المشاهد‭ ‬فرصة‭ ‬للتأمل‭ ‬بدل‭ ‬التلقي‭ ‬القسري‭. ‬ويعد‭ ‬أداؤه‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬نقاط‭ ‬قوة‭ ‬الفيلم‭.‬

أما‭ ‬الأدوار‭ ‬المساندة،‭ ‬فتظل‭ ‬محدودة‭ ‬التأثير،‭ ‬لا‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬الممثلين،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬ضيق‭ ‬المساحة‭ ‬التي‭ ‬منحها‭ ‬لهم‭ ‬السيناريو،‭ ‬حيث‭ ‬تبدو‭ ‬الشخصيات‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬أدوات‭ ‬لدفع‭ ‬الفكرة،‭ ‬لا‭ ‬كيانات‭ ‬درامية‭ ‬مكتملة‭.‬

يتسم‭ ‬الإخراج‭ ‬بقدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬التحفظ‭. ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬مغامرة‭ ‬بصرية‭ ‬حقيقية‭ ‬أو‭ ‬توظيفًا‭ ‬لافتًا‭ ‬للمجاز‭ ‬السينمائي‭ ‬يعكس‭ ‬الصراع‭ ‬الداخلي‭ ‬للشخصيات‭. ‬الصورة‭ ‬نظيفة‭ ‬ومباشرة،‭ ‬لكنها‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬دلالات‭ ‬إضافية‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعمق‭ ‬التجربة‭. ‬وكأن‭ ‬الفيلم،‭ ‬رغم‭ ‬جرأة‭ ‬موضوعه،‭ ‬يتعامل‭ ‬معه‭ ‬بحذر‭ ‬بصري‭ ‬شديد‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬طاقته‭ ‬التعبيرية‭.‬

بين‭ ‬التنوير‭ ‬والوعظ

يسعى‭ ‬‮«‬الملحد‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬نفسه‭ ‬كعمل‭ ‬تنويري‭ ‬يواجه‭ ‬التطرف‭ ‬بالفكر،‭ ‬لكنه‭ ‬يقع‭ ‬أحيانًا‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الوعظ‭ ‬المضاد،‭ ‬حين‭ ‬يقدم‭ ‬استنتاجات‭ ‬واضحة‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بطرح‭ ‬الأسئلة‭. ‬والسينما،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬لا‭ ‬تقنع‭ ‬بالخطب،‭ ‬بل‭ ‬تربك‭ ‬المشاهد‭ ‬وتدعوه‭ ‬إلى‭ ‬التفكير،‭ ‬وتترك‭ ‬له‭ ‬مساحة‭ ‬للشك‭ ‬والتأويل‭.‬

‮«‬الملحد‮»‬‭ ‬فيلم‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الجرأة‭ ‬وفتح‭ ‬باب‭ ‬النقاش،‭ ‬لكنه‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬اختلال‭ ‬في‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الفكرة‭ ‬والفن‭. ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬ضرورية،‭ ‬لكنه‭ ‬يقدمها‭ ‬بأدوات‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬المباشرة‭ ‬والخطاب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬السينمائية‭ ‬الخالصة‭. ‬ورغم‭ ‬تعثره‭ ‬الفني،‭ ‬يظل‭ ‬الفيلم‭ ‬خطوة‭ ‬لافتة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬سينما‭ ‬تحاول‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬مسكوت‭ ‬عنها،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭ ‬بأقصى‭ ‬طاقتها‭ ‬الفنية‭.‬

;