منذ الإعلان عن فيلم «الملحد»، بدا واضحًا أن الجدل المحيط به سيتجاوز قيمته الفنية إلى مساحات أيديولوجية مشحونة. عنوان صادم، وموضوع يتعلق بالإيمان والشك، وسياق اجتماعي لا يتسامح كثيرًا مع الأسئلة الوجودية المفتوحة. غير أن تجاوز هذا الضجيج يفرض سؤالًا أكثر أهمية: هل نجح الفيلم في تحويل فكرته الجريئة إلى دراما سينمائية مقنعة؟
ينطلق الفيلم من حكاية شاب يمر بأزمة فكرية تقوده إلى الإلحاد داخل بيئة محافظة، وهو طرح مشروع فنيًا، بل وضروري في سياق سينما تعاني من التكرار والسطحية. إلا أن المشكلة لا تكمن في «ماذا يطرح الفيلم»، بل في كيف يطرحه، إذ يميل العمل إلى اتخاذ موقف شبه مسبق من شخصياته وأفكاره، أكثر من تركها تتطور بحرية أمام المشاهد.
حين تُطرح لأسئلة بدلًا من أن تعاش
يعتمد سيناريو «الملحد» بشكل واضح على الحوار المباشر بوصفه أداة أساسية لنقل الأفكار. الأسئلة الفلسفية تقدم في صورة مناظرات لفظية طويلة، تقترب أحيانًا من خطاب توضيحي أو دفاعي، على حساب الفعل الدرامي. السينما هنا لا «تحكي» بقدر ما «تشرح»، فتتراجع الصورة والرمز لصالح الكلمة، وهو ما يضعف الأثر الفني، مهما كانت القضايا المطروحة مهمة.
الشخصيات، وعلى رأسها البطل، لا تحظى دائمًا بالمساحة الكافية للنمو التدريجي. التحولات الفكرية تأتي أحيانًا متسرعة وغير مدعومة بتراكم درامي كاف، وكأن الفيلم يخشى الإقامة طويلًا في المنطقة الرمادية التي تنتج أسئلة حقيقية بلا إجابات جاهزة.
الأداء التمثيلي.. تفاوت واضح
في فيلم يعتمد إلى هذا الحد على الحوار، يصبح الأداء التمثيلي عنصرًا حاسمًا. ويقدم أحمد حاتم أداءً جادًا ومجتهدًا في دور الشاب المأزوم، محاولًا الإمساك بالتوتر الداخلي والانكسار النفسي. ينجح في المشاهد الصامتة ونظرات القلق والحيرة، لكنه في بعض المواجهات الحوارية يبدو أسيرًا للنص، حيث يتحول الأداء إلى شرح للأفكار أكثر منه تجسيدًا لحالة إنسانية معقدة. ورغم ذلك، يحسب له الانضباط والابتعاد عن المبالغة.
على الجانب الآخر، يحضر محمود حميدة بوصفه العنصر الأكثر تماسكًا داخل الفيلم. بخبرة طويلة وقدرة على الاقتصاد التعبيري، يقدم أداءً هادئًا ورصينًا يمنح الشخصية ثقلًا فكريًا دون افتعال أو خطابية. يعتمد حميدة على نبرة الصوت وتفاصيل الجسد أكثر من الانفعال، فينجح في تخفيف حدة الطرح المباشر، ويمنح المشاهد فرصة للتأمل بدل التلقي القسري. ويعد أداؤه من أبرز نقاط قوة الفيلم.
أما الأدوار المساندة، فتظل محدودة التأثير، لا بسبب ضعف الممثلين، بل بسبب ضيق المساحة التي منحها لهم السيناريو، حيث تبدو الشخصيات في كثير من الأحيان أدوات لدفع الفكرة، لا كيانات درامية مكتملة.
يتسم الإخراج بقدر كبير من التحفظ. لا نجد مغامرة بصرية حقيقية أو توظيفًا لافتًا للمجاز السينمائي يعكس الصراع الداخلي للشخصيات. الصورة نظيفة ومباشرة، لكنها تفتقر إلى دلالات إضافية كان يمكن أن تعمق التجربة. وكأن الفيلم، رغم جرأة موضوعه، يتعامل معه بحذر بصري شديد يحد من طاقته التعبيرية.
بين التنوير والوعظ
يسعى «الملحد» إلى تقديم نفسه كعمل تنويري يواجه التطرف بالفكر، لكنه يقع أحيانًا في فخ الوعظ المضاد، حين يقدم استنتاجات واضحة بدل الاكتفاء بطرح الأسئلة. والسينما، في جوهرها، لا تقنع بالخطب، بل تربك المشاهد وتدعوه إلى التفكير، وتترك له مساحة للشك والتأويل.
«الملحد» فيلم مهم من حيث الجرأة وفتح باب النقاش، لكنه يعاني من اختلال في التوازن بين الفكرة والفن. هو عمل يطرح أسئلة ضرورية، لكنه يقدمها بأدوات تميل إلى المباشرة والخطاب أكثر من الاعتماد على اللغة السينمائية الخالصة. ورغم تعثره الفني، يظل الفيلم خطوة لافتة في مسار سينما تحاول الاقتراب من مناطق مسكوت عنها، حتى وإن لم تنجح دائمًا في التعبير عنها بأقصى طاقتها الفنية.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







