خالد محمود يكتب : من الهامش إلى قلب الكادر.. كيف صنع بطولة المهمشين فى السينما المصرية

خالد محمود
خالد محمود


داوود‭ ‬عبدالسيد‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬المخرجين‭ ‬المصريين‭ ‬انشغالًا‭ ‬بالمهمشين‭ ‬بوصفهم‭ ‬أبطالًا‭ ‬لا‭ ‬ضحايا،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬المهمش‭ ‬في‭ ‬سينما‭ ‬داوود‭ ‬عنصرًا‭ ‬خلفيًا،‭ ‬ولا‭ ‬مجرد‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬بطولة‭ ‬الآخرين،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الصورة،‭ ‬حاملًا‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬عن‭ ‬العدالة،‭ ‬والمعنى،‭ ‬والحرية،‭ ‬والسلطة‭.‬

منذ‭ ‬بداياته،‭ ‬انحاز‭ ‬عبدالسيد‭ ‬إلى‭ ‬شخصيات‭ ‬تقع‭ ‬خارج‭ ‬المركز‭ ‬الاجتماعي‭: ‬فقراء،‭ ‬صعاليك،‭ ‬غرباء،‭ ‬مهزومون‭ ‬ظاهريًا،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يقدمهم‭ ‬كضحايا‭ ‬باكين،‭ ‬بل‭ ‬كأبطال‭ ‬يملكون‭ ‬وعيا‭ ‬حقيقيا‭ ‬بمأزقهم،‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬مقاومة‭ ‬القهر‭ ‬بالأسئلة،‭ ‬لا‭ ‬بالشعارات‭.‬

‭(‬المهمش‭ ‬كبطل‭ ‬فلسفي‭ ‬لا‭ ‬اجتماعي‭ ‬فقط‭). ‬

في‭ ‬أفلام‭ ‬داوود‭ ‬عبدالسيد،‭ ‬لا‭ ‬تُختزل‭ ‬الهامشية‭ ‬في‭ ‬الفقر‭ ‬أو‭ ‬التهميش‭ ‬الطبقي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تتسع‭ ‬لتشمل‭: ‬المهمش‭ ‬فكريا‭.. ‬والمهمش‭ ‬أخلاقيا‭ ‬ووجوديا‭.‬شخصياته‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬خارج‭ ‬الإجماع،‭ ‬لا‭ ‬تنتمي‭ ‬بالكامل‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬جماعة،‭ ‬وتعيش‭ ‬صراعا‭ ‬داخليًا‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬صراعها‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‭.‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أبطاله‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬أبطال‭ ‬الرواية‭ ‬الفلسفية‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬النماذج‭ ‬الواقعية‭ ‬التقليدية‭.‬

“الصعاليك”‭.. ‬المهمشون‭ ‬ضد‭ ‬نظام‭ ‬القيم

في‭ ‬فيلم‭ ‬“الصعاليك”‭ (‬1985‭)‬،‭ ‬يقدم‭ ‬عبدالسيد‭ ‬نموذجا‭ ‬واضحا‭ ‬للمهمش‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬يكتشف‭ ‬زيف‭ ‬القيم‭ ‬السائدة‭. ‬الشخصيتان‭ (‬نور‭ ‬الشريف‭ ‬ومحمود‭ ‬عبدالعزيز‭) ‬تبدأن‭ ‬من‭ ‬الهامش،‭ ‬وتحاولان‭ ‬الصعود‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬فاسدة،‭ ‬لتكتشفا‭ ‬أن‭: ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الفقر،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬يكافئ‭ ‬الانتهازية‭ ‬ويعاقب‭ ‬النزاهة‭. ‬المهمش‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬بريئا‭ ‬بالكامل،‭ ‬بل‭ ‬قابل‭ ‬للتورط،‭ ‬وهي‭ ‬نقطة‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬عبدالسيد،‭ ‬حيثالهامش‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬ملائكة،‭ ‬بل‭ ‬بشرًا‭ ‬يتفاوضون‭ ‬مع‭ ‬القبح‭.‬

“البحث‭ ‬عن‭ ‬سيد‭ ‬مرزوق”‭.. ‬المهمش‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬السلطة‭ ‬الغامضة

يُعد‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬ذروة‭ ‬معالجة‭ ‬عبدالسيد‭ ‬للمهمش‭ ‬الوجودي‭.‬البطل‭ (‬نور‭ ‬الشريف‭) ‬موظف‭ ‬بسيط،‭ ‬بلا‭ ‬نفوذ،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬فجأة‭ ‬داخل‭ ‬متاهة‭ ‬سلطة‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬قواعدها‭.‬الهامش‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭: ‬هامش‭ ‬المعرفة‭ ‬و‭ ‬الفهم‭.. ‬وهامش‭ ‬القرار‭. ‬الشخصية‭ ‬لا‭ ‬تُقهر‭ ‬بالعنف‭ ‬المباشر،‭ ‬بل‭ ‬بالغموض،‭ ‬وهو‭ ‬أخطر‭ ‬أشكال‭ ‬التهميش‭.‬عبدالسيد‭ ‬يحول‭ ‬البطل‭ ‬المهمش‭ ‬إلى‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يُسمح‭ ‬له‭ ‬بفهمه‭.‬

“الكيت‭ ‬كات”‭.. ‬المهمش‭ ‬بوصفه‭ ‬حكيمًا‭ ‬شعبيًا

في‭ ‬“الكيت‭ ‬كات”‭ (‬1991‭)‬،‭ ‬يصل‭ ‬داوود‭ ‬عبدالسيد‭ ‬إلى‭ ‬ذروة‭ ‬إنسانيته،‭ ‬الشيخ‭ ‬حسني،‭ ‬الكفيف‭ ‬الفقير،‭ ‬المهمش‭ ‬صحيًا‭ ‬واقتصاديًا،‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭:‬أكثر‭ ‬شخصيات‭ ‬الفيلم‭ ‬وعيًا‭ ‬و‭ ‬سخرية‭ ‬من‭ ‬الواقع‭.. ‬وأقلها‭ ‬استسلامًا‭ ‬للهزيمة‭..‬هنا‭ ‬يعكس‭ ‬عبدالسيد‭ ‬المعادلة‭: ‬المركز‭ ‬أعمى‭.. ‬والهامش‭ ‬يرى‭.‬المهمش‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬متلق‭ ‬للضربات،‭ ‬بل‭ ‬منتج‭ ‬للمعنى،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬القهر‭ ‬إلى‭ ‬ضحك،‭ ‬والحرمان‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭.‬

“أرض‭ ‬الخوف”‭.. ‬المهمش‭ ‬داخل‭ ‬السلطة

في‭ ‬“أرض‭ ‬الخوف”‭ (‬1999‭)‬،‭ ‬يبلغ‭ ‬مشروع‭ ‬عبدالسيد‭ ‬ذروته‭ ‬الأكثر‭ ‬تعقيدًا‭.‬البطل‭ (‬أحمد‭ ‬زكي‭) ‬ليس‭ ‬مهمشًا‭ ‬بالمعنى‭ ‬الطبقي،‭ ‬بل‭ ‬مهمش‭ ‬معرفيًا‭ ‬وأخلاقيًا‭. ‬ضابط‭ ‬يدخل‭ ‬عالم‭ ‬المخدرات‭ ‬بصفته‭ ‬ممثلًا‭ ‬للسلطة،‭ ‬لكنه‭ ‬يفقد‭ ‬تدريجيًا‭ ‬موقعه‭ ‬داخلها‭. ‬الهامش‭ ‬هنا‭: ‬ليس‭ ‬خارج‭ ‬النظام‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬داخل‭ ‬قلبه،‭ ‬دون‭ ‬اعتراف‭ ‬كامل‭.‬يشبه‭ ‬هذا‭ ‬البناء‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬بازوليني‭ ‬بـ”المنطقة‭ ‬الرمادية”،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬البطل‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الطاعة‭ ‬والخيانة،‭ ‬بين‭ ‬الدور‭ ‬والذات‭.‬

“رسائل‭ ‬البحر”‭.. ‬المهمش‭ ‬كمنفى‭ ‬داخلي

في‭ ‬“رسائل‭ ‬البحر”‭ (‬2010‭)‬،‭ ‬يتخلى‭ ‬عبدالسيد‭ ‬عن‭ ‬المدينة‭ ‬الصاخبة‭ ‬لصالح‭ ‬عزلة‭ ‬شبه‭ ‬ميتافيزيقية‭. ‬البطل‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬فقيرا‭ ‬ولا‭ ‬مسحوقا،‭ ‬لكنه‭ ‬منفي‭ ‬نفسيا،‭ ‬عاجز‭ ‬عن‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬العاطفي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬السائد‭.‬يشبه‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬شخصيات‭ ‬بازوليني‭ ‬المتأخرة،‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬الهامش‭ ‬إلى‭:‬اغتراب‭ ‬وجودي،‭ ‬انسحاب‭ ‬واعٍ‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬فقد‭ ‬معناه‭ ‬المهمش‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬صادمًا،‭ ‬بل‭ ‬صامتًا،‭ ‬وهو‭ ‬تطور‭ ‬لافت‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬عبدالسيد‭.(‬المهمش‭ ‬في‭ ‬سينما‭ ‬عبدالسيد‭ ‬ليس‭ ‬رمزًا‭ ‬بل‭ ‬إنسان‭).  ‬

أهم‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬معالجة‭ ‬داوود‭ ‬عبدالسيد‭ ‬هو‭ ‬رفضه‭ ‬لتحويل‭ ‬المهمش‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬مباشر،‭ ‬شخصياته‭: ‬تخطئ،‭ ‬تناقض‭ ‬نفسها،‭ ‬تسخر‭ ‬من‭ ‬أحلامها‭.. ‬وتفشل‭ ‬أحيانًا‭ ‬وهو‭ ‬بذلك‭ ‬يحررها‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الجاهز،‭ ‬ويمنحها‭ ‬كرامتها‭ ‬الإنسانية‭.‬

لماذا‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬المهمش‭ ‬ثوريًا‭ ‬؟‭ ‬سؤال‭ ‬جوهري‭ ‬في‭ ‬سينما‭ ‬عبدالسيد‭:‬

لماذا‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬المهمش‭ ‬إلى‭ ‬ثائر؟‭ ‬الإجابة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬مشروعه‭ ‬لا‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬الحل،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬كشف‭ ‬البنية،‭ ‬المهمش‭ ‬ليس‭ ‬أداة‭ ‬تغيير،‭ ‬بل‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬انسداد‭ ‬الأفق‭ ‬الأخلاقي‭ ‬للنظام‭ ‬بأكمله‭.‬

قدم‭ ‬داوود‭ ‬عبدالسيد‭ ‬المهمشين‭ ‬لا‭ ‬بوصفهم‭ ‬هامش‭ ‬القصة،‭ ‬بل‭ ‬جوهرها،‭ ‬في‭ ‬سينماه،‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬القصور،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬الأزقة،‭ ‬ولا‭ ‬يصوغ‭ ‬الوعي‭ ‬من‭ ‬فوق،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬تحت،‭ ‬ولذلك‭ ‬بقيت‭ ‬أفلامه‭ ‬حيّة،‭ ‬لأن‭ ‬المهمش‭ ‬عنده‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حالة‭ ‬اجتماعية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬ضميرًا‭ ‬قلقًا‭ ‬يرفض‭ ‬الصمت‭.‬

;