«وكل ما كان لنا هناك لم يعد له وجود.»
ينهي محمد هاشم بهذه الجملة روايته الوحيدة «ملاعب مفتوحة»، جملة صالحة في تقديري لتوديعه بها، على نحو ما يليق بقصص وملاحم كبرى يلقي فيها بطلها بنفسه في غمار الحياة منتصرًا بعض الوقت ومهزومًا في أغلب الأحوال، يمر في رحلته بأحداث ووقائع لا يجمع بينها رابط سوى أنها في عداء قطعي مع اليومي والرتيب والمألوف، والأعراف المجتمعية.
جمعتني مع محمد هاشم روايتي الأولى وكنت وقتها أتخبط في كتابتها تحمس لعنوانها «بمناسبة الحياة» وقال إنه سينشرها في «ميريت»، غالبًا لأن العنوان أعجبه، ضحك كطفل عندما أخبرته به، وغادرتنا من ساعتها إمارات جدية مفتعلة، وأصبحنا أصدقاء من دون أن يهتم كلانا بمرور السنوات وتأخر الرواية الموعودة، لكنه حافظ على السؤال عن موعد الانتهاء منها ليس لأي غرض إلا الضحك من تقاعسي، وإلا لنؤكد معاً على الإيمان بمانفيستو لا مبالاة غير معلن.
يكرر العنوان في سياق حديثه العادي مثلما يفعل مع أعمال وعناوين أخرى يتحمس لها كل لسبب مختلف، يميل على متحدث بجانبه لا تعرفه ليخبره عنك وعن عملك فتتعارفان، ويجدها هو فرصة ليتحول إلى استكمال واجبه في الاهتمام بضيوف وزوار لا ينقطع تدفقهم على مقره الكائن في شارع قصر النيل، مساهمين بذلك في تأسيس مجتمع أدبي وثقافي في وسط البلد.. مركز «ميريت محمد هاشم».

لا مفر عند الكتابة عن محمد هاشم من الخلط بين سيرته كناشر ومثقف وبين شخصية من يتحدث عنه، ذلك أن العلاقة بينه وبين مجتمع الكتابة والثقافة لم تستند إلى قواعد العمل الروتينية السائدة حينها في الثقافة المصرية، والتي تمردت عليها نماذج ثقافية متعددة، وكانت «ميريت» واحدة من التجارب الأولى القوية والملهمة في هذا المضمار، عبر نموذج ثقافي نبع اختلافه من دمج الممارسة الثقافية في شكل وطريقة الحياة اليومية، وهذا جرى بلا ترتيبات أو تحضيرات.
لم تكن هناك خطة أدت إلى قرار أو بيان يبشر برؤية بل فعل تشكل استجابة لشروط واقعه مستمدًا من مؤسسها روحًا تشبهه، ما طبع الدار بشخصيته بما استتبعه هذا من تأثيرات إيجابية وسلبية على حد سواء، فإذا كانت «ميريت» قد قامت على أكتاف وأحلام شخصية متمردة فإنها تعرضت للكثير من المشاكل والعقبات منشأها الجانب الفوضوي قرين التمرد.
في «ملاعب مفتوحة» الصادرة عن «ميريت» عام 2004 يفتتح هاشم النص بالعتبة التالية: «عندما تضاءلت قدرتك على التنازل، اختفت للأبد قدرتك على التكيف، لتنسحب من بين الناس تدريجيًا، تسلم روحك لرياح مجهولة وتبكي».
قبل أن ألتقي هاشم، ناشرًا وصديقًا، كانت له صولات وجولات في الممارسة السياسية على الأرض بأوجه مختلفة، كما أنه اكتسب خبرات في مجال النشر من العمل في دار «المحروسة» لا يتحدث هو عن ذلك إلا لو انفتح باب الذكريات السعيدة والتعيسة معًا، وغير هذا لم يكن مهتمًا بالتنظير لتجربته بقدر استخدامها في ثنايا ما يفعل، لكنك ستجد من بين رفاقه من يحدثك عن تاريخه في العمل الوطني، وفي الدفاع عما يراه حقًا.
ممارسة لم ينقطع عنها مع «ميريت»، لكنها اكتسبت شكلًا أكثر تنظيمًا عبر نشر الدراسات والأبحاث والروايات والشعر، ولحسن الحظ أنه كان منفتحًا إلى حد بعيد فلم يهيمن الانتماء والأفكار السياسية على هوية الدار، بل على العكس فقد تنوعت إلى حد بدا معه أن الهدف الأساسي من وراء تأسيس «ميريت» النشر للجميع على أن تتولى الآليات الثقافية والنقدية الفرز، سياسة استجابت لمتطلبات عصرها التسعيني الذي كانت مجالاته الثقافية والفنية والسياسية والاجتماعية آخذة في التبدل إلى الانفتاح بعد عهد من الجمود.
في هذه اللحظة التي نودع فيها هاشم، كما اعتدنا أن نناديه، نستعيد أهمية فعله التنويري الذي ساهم به مع آخرين منطلقين فيه بجرأة نحو استكشاف إمكانيات التحقق بعيدًا عن المؤسسة الثقافية الرسمية، وهو ما كان يعني تلقائيًا البحث عن خيارات أخرى للدعم والتمويل والتعامل مع سوق غير مهيأة للتعامل مع هذا النوع من المغامرات، غير أن ما ساعد على النجاح الهائل للتجربة أن هاشم لم يكن وحده فقد جاء فعله تلبية لحاجة عامة إلى تحرير الواقع الثقافي، وسعيًا إلى ممارسة ثقافية وإبداعية مغايرة مطبوعة بحس الشارع لا المنصات، رغب المثقفون في شكل أقرب إلى المقهى لا إلى رواق وزارة، يتخلصون فيه من «طابور» النشر الحكومي وتحرير تجربتهم من القيد الزمني المكبلين به.
ومن حسن الحظ أيضًا أن الشخصية الفنية بداخل محمد هاشم كانت لها الغلبة وهو ما منحه لـ«ميريت» فنشأت تبعًا لهذا دار نشر لديها مرونة عالية في مسألة النشر، تحتفي بفكرة الإبداع بمعناها الأوسع فلا يمكن نسبتها إلى اتجاه واحد أو أسماء بعينها بل لطيف ثقافي واسع لا يجمعه إلا جملة مفاهيم متفق عليها، ومنها: مدنية الدولة. حرية الرأي والتعبير، وغيرها من مبادئ تعتبر ركيزة حركة الثقافة في مصر.
أن تذهب إلى هاشم في «ميريت» يعني الانتقال إلى شكل مغاير بالكامل للعمل الثقافي بخلاف التعامل الرسمي في المكاتب، الفعل الثقافي عند هاشم جزء لا ينفصل عن الشارع، أو بمعنى أكثر دقة فإن الشارع هنا مصدر الفعل الثقافي، ولا يعني هذا أنك لن تسمع هناك جدالات عن الحداثة وما بعدها أو التفكيكية وغير ذلك من نقاشات حول موضوعات رائجة لكن هذا كان يتم دمجه مع التطبيقات الحياتية.
يشبه الأمر هنا بعض الدول التي ما زال الشعر فيها يغنى في الشوارع، ربما لهذا كان لزامًا على الدار أن تكون مفتوحة للزيارة طوال اليوم تقريبًا، وأن تقوم بوظائف متعددة فهي دار نشر ومكتبة للبيع (غالبًا كنا نحصل على الكتب مجانًا ولا نأخذ مقابلًا لما ننشر فيها).
كما أنها مخزنً للكتب (لاحقًا تم نقل الكتب إلى مخزن وكان ثمة نزاع بشأنه)، وفي كل الأوقات لابد أن تلتقي هناك أحد أعلام الثقافة والفن في مصر والعالم العربي إضافة إلى مترجمين وباحثين أجانب، والحق أن هاشم تمتع بشخصية جذابة ما مكنه من عقد صداقات مع أسماء واتجاهات متعارضة ومتباينة، وجمعها تحت سقف واحد، حدث هذا منذ البداية وبسرعة إلى الدرجة التي أصبحت بها الدار اختيارًا مفضلًا على الدوام للكتاب والقراء على السواء.
هذا كله يعني أن «ميريت» لم تكن دار نشر بل أقرب لملتقى ثقافي لا يتبع القواعد الكلاسيكية.. الثقافة فيه تنطلق من كونها وسيلة تعبير قبل أن تطمح إلى ما غير ذلك من تأثير اعتقادًا في أن تحقق ذلك رهن بالتجربة والتأثيرات المتبادلة مع مجتمعها.
وهذا كان له أثر كبير في منح الدار شخصيتها الحيوية في البداية وظل دافعًا لها لسنوات، لكنها أيضًا سياسة سببت لها الكثير من الأزمات التي هددتها بالتوقف، ثم أنه كان عاملًا في خسائر تالية للدار بعدم تمكنها من تنفيذ مشروعات أكبر، أو حتى المواصلة بالقوة نفسها، كان من الصعب على شخص واحد مهما بلغت قدراته أن يتولى أعباء الدار بعد توسعها الهائل، فهل كان من الضروري أن تتحول «ميريت» إلى مؤسسة ثقافية على الطراز الكلاسيكي لتبقى! لكن من كان يضمن أنها ستبقى بعد ذلك!
رحل عنا الناشر والمثقف محمد هاشم بعد ساعات من كلمات ختم بها حياته على حسابه على الـ«فيسبوك» يشكو فيها من نزلة برد منعته من حضور حفل ارتباط ابنته، لهذا لم يصدق الكثيرون نبأ الرحيل، فمن خاض تلك المغامرات والأحداث قادر على المقاومة، لكنه أيضًا رحيل يشبه حياته المليئة بالأحداث المفاجئة، وربما لنبقى على الدوام نتذكر تلك الخفة التي أغنت الحياة الثقافية المصرية والعربية لأكثر من عقدين من الزمان.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







