خالد محمود يكتب .. بين فرصة التحول وخطر الدوران في الحلقة نفسها.. إلى أين تتجه السينما المصرية بعد 2025؟

خالد محمود
خالد محمود


إذا‭ ‬كان‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬قد‭ ‬كشف‭ ‬بوضوح‭ ‬عن‭ ‬ملامح‭ ‬المشهد‭ ‬السينمائي‭ ‬المصري،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬نشاط‭ ‬إنتاجي‭ ‬وانتقادات‭ ‬فنية،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بما‭ ‬حدث،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬لاحقًا،‭ ‬فالصناعة‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬عتبة‭ ‬زمنية‭ ‬فارقة‭: ‬‮«‬إما‭ ‬أن‭ ‬تستثمر‭ ‬دروس‭ ‬المرحلة،‭ ‬أو‭ ‬تواصل‭ ‬الدوران‭ ‬داخل‭ ‬معادلة‭ ‬استهلاكية‭ ‬أثبتت‭ ‬محدوديتها‮»‬‭.‬

والسؤال‭ ‬الأهم‭ ‬أولا‭: ‬‮«‬هل‭ ‬تستمر‭ ‬هيمنة‭ ‬السينما‭ ‬التجارية؟‮»‬‭. ‬

المؤشرات‭ ‬الأولية‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬2025‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬السينما‭ ‬التجارية‭ ‬ستظل‭ ‬لاعبا‭ ‬أساسيا‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بضغوط‭ ‬التوزيع‭ ‬وتكلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتغير‭ ‬عادات‭ ‬المشاهدة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬السينما،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحوله‭ ‬إلى‭ ‬الشكل‭ ‬الوحيد‭ ‬المقبول‭ ‬إنتاجيًا‭.‬

الواقع‭ ‬ان‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تكرار‭ ‬الصيغ‭ ‬الناجحة‭ ‬حتى‭ ‬فقدان‭ ‬تأثيرها،‭ ‬وإنهاك‭ ‬الجمهور‭ ‬بدل‭ ‬جذبه،‭ ‬وإضعاف‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬كمساحة‭ ‬للتجديد‭ ‬والتعبير،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحة‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الفيلم‭ ‬الجماهيري‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬عملًا‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬المتعة‭ ‬والعمق،‭ ‬لا‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالإيرادات‭.‬

ثانيًا‭: ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭.. ‬بوابة‭ ‬المستقبل‭ ‬الحقيقية

فأحد‭ ‬أهم‭ ‬دروس‭ ‬2025‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الإخراج‭ ‬أو‭ ‬الأداء‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الكتابة،‭ ‬فالمستقبل‭ ‬الحقيقي‭ ‬للصناعة‭ ‬مرهون‭ ‬بعودة‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالسيناريو‭ ‬بوصفه‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬لأي‭ ‬تجربة‭ ‬ناجحة‭.‬

إذا‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬استثمارًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬النصوص

و‭ ‬دعمًا‭ ‬حقيقيا‭ ‬للكتاب‭ ‬الجدد،‭ ‬ومساحات‭ ‬آمنة‭ ‬للتجريب‭ ‬فستظل‭ ‬الأفلام‭ ‬أسيرة‭ ‬الحكايات‭ ‬المستهلكة،‭ ‬مهما‭ ‬تطورت‭ ‬أدوات‭ ‬التنفيذ‭.‬

ثالثًا‭: ‬الجيل‭ ‬الجديد‭.. ‬فرصة‭ ‬لم‭ ‬تُستغل‭ ‬بعد‭..‬

فما‭ ‬بعد‭ ‬2025‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬المخرجين‭ ‬والمخرجات،‭ ‬الذين‭ ‬أثبتوا‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬محدودة‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬لغة‭ ‬سينمائية‭ ‬مختلفة‭.‬‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬محاصرًا‭ ‬بين‭ ‬ضعف‭ ‬التمويل،‭ ‬ضيق‭ ‬فرص‭ ‬العرض‭ ‬وغياب‭ ‬الدعم‭ ‬المؤسسي‭ ‬طويل‭ ‬المدى،‭ ‬والمستقبل‭ ‬يتطلب‭ ‬دمج‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الصناعة‭ ‬لا‭ ‬وضعه‭ ‬على‭ ‬الهامش‭ ‬تحت‭ ‬لافتة‭ ‬‮«‬سينما‭ ‬مستقلة‮»‬‭ ‬بلا‭ ‬امتداد‭ ‬جماهيري‭.‬

رابعًا‭: ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬والعالم‭.. ‬من‭ ‬التمثيل‭ ‬إلى‭ ‬التأثير‭..‬

المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬التمثيل‭ ‬في‭ ‬المهرجانات‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬التأثير‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬عبر‭ ‬تقليد‭ ‬النماذج‭ ‬الغربية،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭: ‬حكايات‭ ‬محلية‭ ‬صادقة‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬المجتمع‭ ‬يتوحد‭ ‬معها‭ ‬المشاهد،‭ ‬ولغة‭ ‬بصرية‭ ‬معاصرة‭ ‬تساير‭ ‬ما‭ ‬تشهده‭ ‬شاشات‭ ‬العالم،‭ ‬وإنتاج‭ ‬مشترك‭ ‬ذكي‭ ‬وواع‭ ‬لا‭ ‬يفقد‭ ‬الهوية‭ .‬

العالم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬سينما‭ ‬مقلدة،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬أصوات‭ ‬أصيلة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬مجتمعاتها‭ ‬بصدق‭.‬

خامسًا‭: ‬الجمهور‭ ‬شريك‭ ‬لا‭ ‬متلقٍ

حيث‭ ‬تبقى‭ ‬أحد‭ ‬التحولات‭ ‬المهمة‭ ‬بعد‭ ‬2025‭ ‬هو‭ ‬تغير‭ ‬ذائقة‭ ‬الجمهور،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬فالجمهور‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا‭.. ‬أكثر‭ ‬انتقائية،‭ ‬وأقل‭ ‬تسامحا‭ ‬مع‭ ‬الأعمال‭ ‬الضعيفة‭ ‬بحكم‭ ‬ما‭ ‬يشاهده‭ ‬من‭ ‬إنتاجات‭ ‬أخرى‭. ‬‮ ‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬صناع‭ ‬السينما‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المشاهد‭ ‬بوصفه‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬التجربة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬في‭ ‬شباك‭ ‬التذاكربحسبة‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬منتجينا‭ ‬وموزعينا‭.‬

أن‭ ‬مستقبل‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬بعد‭ ‬2025‭ ‬ليس‭ ‬مظلما،‭ ‬لكنه‭ ‬مشروط‭ ‬بجرأة‭ ‬القرار،‭ ‬وتوازن‭ ‬الرؤية،‭ ‬والإيمان‭ ‬بأن‭ ‬السينما‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬صناعة‭ ‬ربح،‭ ‬بل‭ ‬قوة‭ ‬ثقافية‭ ‬ناعمة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬والبقاء‭.‬

فإما‭ ‬أن‭ ‬تختار‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭ ‬أن‭ ‬تتطور‭ ‬من‭ ‬داخلها،‭ ‬أو‭ ‬تكتفي‭ ‬بتكرار‭ ‬نجاحات‭ ‬قصيرة‭ ‬العمر،‭ ‬وتترك‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬بلا‭ ‬إجابة‭.. ‬ما‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬سيبقى‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬العرض؟

;