مشهد آخر

صلاح و ليفربول : نهاية أسطورية كما لو كان فيلم لا يُنسى

خالد محمود
خالد محمود


في‭ ‬عالم‭ ‬السينما‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬ننتظر‭ ‬النهاية،‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الموسيقى‭ ‬مع‭ ‬الانفعالات،‭ ‬حيث‭ ‬تكتمل‭ ‬الحكاية‭ ‬ويظهر‭ ‬البطل‭ ‬بأعمق‭ ‬صوره‭ ‬الإنسانية‭. ‬وفي‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬نحصل‭ ‬على‭ ‬نهايةً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭. ‬لكن‭ ‬خروج‭ ‬محمد‭ ‬صلاح‭ ‬من‭ ‬ليفربول‭ ‬–‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬أو‭ ‬اقترب‭ ‬أو‭ ‬بات‭ ‬متوقعًا‭ ‬–‭ ‬يبدو‭ ‬وكأنه‭ ‬المشهد‭ ‬الختامي‭ ‬لفيلم‭ ‬درامي‭ ‬عن‭ ‬أسطورة‭ ‬كُتبت‭ ‬بأقدامها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصاغ‭ ‬كلماتها‭.‬

في‭ ‬لقطة‭ ‬افتتاحية‭ ‬للمشهد‭ ‬الختامي‮…‬‭ ‬الكاميرا‭ ‬تتحرك‭ ‬ببطء‭ ‬داخل‭ ‬“آنفيلد”‭. ‬المدرجات‭ ‬تضيء‭ ‬كأمواج‭ ‬حمراء،‭ ‬والجمهور‭ ‬يردد‭ ‬الهتاف‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬المكان‭:‬

‏“Mo Salah‮…‬‭ ‬running down the wing‮…‬”

صلاح‭ ‬يقف‭ ‬وحده‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الملعب‭. ‬لا‭ ‬كرة،‭ ‬لا‭ ‬خصوم،‭ ‬فقط‭ ‬تاريخ‭ ‬يمتد‭ ‬لثماني‭ ‬سنوات‭ ‬خلفه،‭ ‬مليء‭ ‬بالفخر‭ ‬والإنجازات،‭ ‬وجمهور‭ ‬يعرف‭ ‬أنه‭ ‬يشاهد‭ ‬آخر‭ ‬لحظةً‭ ‬من‭ ‬فصل‭ ‬لن‭ ‬يتكرر‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬النادي‭ ‬الإنجليزي‭.‬

حركة‭ ‬الكاميرا‭ ‬ترتفع‭ ‬فوقه،‭ ‬فتبدو‭ ‬ملامحه‭ ‬مزيجًا‭ ‬من‭ ‬الرضا‭ ‬والوجع‮…‬‭ ‬مشهد‭ ‬يذكّر‭ ‬بنهايات‭ ‬أفلام‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬التي‭ ‬تودع‭ ‬فيها‭ ‬الأسطورة‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬صنعها‭ ‬وصنعته‭.‬

في‭ ‬السينما،‭ ‬يعرف‭ ‬المخرج‭ ‬المحترف‭ ‬متى‭ ‬يترك‭ ‬الصمت‭ ‬يتكلم‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬يخيم‭ ‬الصمت‭ ‬على‭ ‬الملعب‭ ‬للحظة،‭ ‬كأن‭ ‬الزمن‭ ‬نفسه‭ ‬توقف‭.‬

تتذكر‭ ‬الجماهير‭ ‬مشاهد‭ ‬البطولة‭ ‬والمشوار‭:‬

–‭ ‬نهائي‭ ‬كييف‭ ‬2018‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬بالجراح

–‭ ‬مدريد‭ ‬2019‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬فيه‭ ‬ليكتب‭ ‬الثأر

–‭ ‬لقب‭ ‬الدوري‭ ‬التاريخي‭ ‬بعد‭ ‬30‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬الانتظار

–‭ ‬الأرقام‭ ‬التي‭ ‬تحوّلت‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬إحصاءاتً‭ ‬إلى‭ ‬أساطير‭ ‬محفوظةً

ثم‭ ‬ينفجر‭ ‬التصفيق‮…‬‭ ‬ليس‭ ‬تصفيق‭ ‬احتفال،‭ ‬بل‭ ‬تصفيق‭ ‬وداع‭ ‬يحمل‭ ‬امتنانًا‭ ‬وحبًا‭ ‬متبادلًا‭.‬

كما‭ ‬تفعل‭ ‬السينما‭ ‬حين‭ ‬تقطع‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر،‭ ‬يظهر‭ ‬أمامنا‭ ‬مونتاج‭ ‬تخيلي‭:‬

–‭ ‬صلاح‭ ‬يركض‭ ‬نحو‭ ‬الجماهير‭ ‬بعد‭ ‬هدفه‭ ‬الرائع‭ ‬في‭ ‬مانشستر‭ ‬يونايتد‮…‬

–‭ ‬صلاح‭ ‬يرفع‭ ‬الحذاء‭ ‬الذهبي‮…‬

–‭ ‬صلاح‭ ‬يحتضن‭ ‬يورغن‭ ‬كلوب‭ ‬بابتسامة‭ ‬ابن‭ ‬لا‭ ‬ينسى‭ ‬فضل‭ ‬الأب‮…‬

–‭ ‬صلاح‭ ‬يسجد‭ ‬احتفالًا،‭ ‬يكتب‭ ‬هوية‭ ‬جديدة‭ ‬للاحتفال‭ ‬في‭ ‬الدوري‭ ‬الإنجليزي‮…‬

كل‭ ‬لقطة‭ ‬تُعرض‭ ‬كأنها‭ ‬مشهد‭ ‬من‭ ‬فيلم‭ ‬يُعرض‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬محفورة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الملايين‭.‬

وأتساءل‭ ‬كيف‭ ‬يستقبل‭ ‬الجمهور‭ ‬هذا‭ ‬“الفيلم”‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُنسى؟

الجمهور‭ ‬في‭ ‬ليفربول‭ ‬ومصر‭ ‬والعالم‭ ‬العربي،‭ ‬لن‭ ‬يشاهد‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬كمتفرجٍ‭ ‬عابر‮…‬‭ ‬سيشاهده‭ ‬وكأنه‭ ‬يودع‭ ‬بطلاً‭ ‬عاشوه‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الشاشة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أسبوع‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الملعب‭.‬

•‭ ‬بعضهم‭ ‬سيقرأ‭ ‬النهاية‭ ‬بطعم‭ ‬الفخر‭: ‬لقد‭ ‬صنع‭ ‬لاعب‭ ‬مصري‭ ‬عربي‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يصنعه‭ ‬أحد‭ ‬قبله‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أعظم‭ ‬دوريات‭ ‬العالم‭.‬

•‭ ‬آخرون‭ ‬سيشعرون‭ ‬بالأسى‭: ‬لأن‭ ‬الوداع‭ ‬مهما‭ ‬طال‭ ‬تأجيله‭ ‬يبقى‭ ‬لحظةً‭ ‬ثقيلةً‭ ‬مليئةً‭ ‬بالمشاعر‭.‬

•‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬سيترقب‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭: ‬أين‭ ‬ستكون‭ ‬الرحلة‭ ‬المقبلة؟‭ ‬وما‭ ‬المشهد‭ ‬الافتتاحي‭ ‬لفصل‭ ‬جديد؟

لكن‭ ‬الجميع‭ ‬سيتفق‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭:‬

أن‭ ‬الفيلم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حبكة‭ ‬معقدة‭ ‬ليكون‭ ‬عظيمًا‮…‬‭ ‬كان‭ ‬يحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬محمد‭ ‬صلاح‭.‬

في‭ ‬حوار‭ ‬تخيلي‭ ‬مكتوب‭ ‬بأسلوب‭ ‬سينمائي،‭ ‬يجسد‭ ‬المشهد‭ ‬الأخير‭ ‬بين‭ ‬محمد‭ ‬صلاح‭ ‬وجماهير‭ ‬ليفربول،‭ ‬وكأنه‭ ‬لحظة‭ ‬درامية‭ ‬من‭ ‬فيلم‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬أسطورة‭:‬

المشهد‭: ‬ملعب‭ ‬آنفيلد‭ ‬بعد‭ ‬المباراة‭. ‬المدرجات‭ ‬لم‭ ‬تغادر‭ ‬بعد‭. ‬الأضواء‭ ‬خافتة،‭ ‬وصوت‭ ‬الجمهور‭ ‬يتلاشى‭ ‬تدريجيًا‭. ‬الكاميرا‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬صلاح‭ ‬وهو‭ ‬يتقدم‭ ‬ببطء‭ ‬ينظر‭ ‬للمدرجات،‭ ‬بصوت‭ ‬منخفض‭:‬

كنت‭ ‬أظن‭ ‬أني‭ ‬مستعد‭ ‬لهذه‭ ‬اللحظة‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬يبدو‭ ‬أنني‭ ‬لست‭ ‬كذلك‭.‬

صوت‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ (‬رجل‭ ‬مسن‭ ‬يرتدي‭ ‬وشاح‭ ‬ليفربول‭): ‬يا‭ ‬صلاح‮…‬‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يستعد‭ ‬لوداع‭ ‬بيت‭ ‬عاش‭ ‬فيه‭ ‬أفضل‭ ‬سنواته‭.‬

صلاح‭ (‬يبتسم‭ ‬بخجل‭): ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬مجرد‭ ‬لاعب‭ ‬هنا‮…‬‭ ‬أنتم‭ ‬جعلتموني‭ ‬جزءًا‭ ‬منكم‭.‬

امرأة‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬تمسك‭ ‬بيد‭ ‬طفلها‭: ‬أنت‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬جزءًا‭ ‬منا‭ ‬فقط‮…‬‭ ‬كنت‭ ‬الأمل‭. ‬كنت‭ ‬الدرس‭ ‬الذي‭ ‬نعلمه‭ ‬لأطفالنا‭: ‬أن‭ ‬الحلم‭ ‬ممكن‭.‬

طفل‭ ‬صغير‭ ‬يرفع‭ ‬قميصًا‭ ‬عليه‭ ‬الرقم‭ ‬11‭: ‬هتوحشنا‭ ‬يا‭ ‬مو‭!‬

صلاح‭ ‬يتوقف‭ ‬للحظة،‭ ‬تتغير‭ ‬نبرة‭ ‬صوته‭: ‬أنتم‭ ‬اللي‭ ‬هتوحشوني‮…‬‭ ‬كل‭ ‬خطوة،‭ ‬كل‭ ‬هتاف،‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬ضغط‮…‬‭ ‬حتى‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬صعبة‭.‬

هي‭ ‬دي‭ ‬اللي‭ ‬صنعتني‭.‬

يدخل‭ ‬يورغن‭ ‬كلوب‭ ‬إلى‭ ‬المشهد،‭ ‬يقف‭ ‬بجوار‭ ‬صلاح‭.‬

كلوب‭ ‬مبتسمًا‭ ‬بأسى‭: ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬ده‭ ‬لازم‭ ‬يوصل‭ ‬للنهاية‮…‬‭ ‬بس‭ ‬كنت‭ ‬أتمنى‭ ‬نفضل‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬شوية‭ ‬كمان‭.‬

صلاح‭: ‬أنا‭ ‬اتعلمت‭ ‬منك‭ ‬إن‭ ‬النهاية‭ ‬مش‭ ‬لازم‭ ‬تكون‭ ‬حزينة‮…‬‭ ‬المهم‭ ‬نخرج‭ ‬منها‭ ‬وإحنا‭ ‬بنبص‭ ‬لبعض‭ ‬باحترام‭.‬

كلوب‭ ‬يهز‭ ‬رأسه‭: ‬وأنت‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مشهد‭ ‬كبطل‮…‬‭ ‬مش‭ ‬بس‭ ‬بطل‭ ‬في‭ ‬الكرة،‭ ‬بطل‭ ‬في‭ ‬الروح‭.‬

صلاح‭ ‬يتقدم‭ ‬خطوة‭ ‬أخرى‭ ‬نحو‭ ‬الجماهير‭. ‬الصمت‭ ‬يُخيم‭.‬

صلاح‭ ‬بصوت‭ ‬يملؤه‭ ‬الامتنان‭: ‬شكرًا‮…‬‭ ‬على‭ ‬إنكم‭ ‬احتضنتوني‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬يوم‮…‬‭ ‬على‭ ‬إنكم‭ ‬هتفتوا‭ ‬باسمي‭ ‬أكتر‭ ‬مما‭ ‬توقعت‮…‬

ولو‭ ‬الفيلم‭ ‬خلص‭ ‬هنا‮…‬‭ ‬فأنا‭ ‬متأكد‭ ‬أن‭ ‬الرحلة‭ ‬لسه‭ ‬فيها‭ ‬مشاهد‭ ‬كتير‭ ‬هناك‮…‬‭ ‬وهنا‭.‬

امرأة‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬تصرخ‭: ‬مش‭ ‬نهاية‮…‬‭ ‬ده‭ ‬فاصل‭ ‬من‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭!‬

هنستناك‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬اللي‭ ‬جاي‭ ‬يا‭ ‬مو‭!‬

صلاح‭ ‬يرفع‭ ‬يده‭ ‬مودعًا‭. ‬الكاميرا‭ ‬ترتفع‭ ‬فوق‭ ‬الملعب‭. ‬صوت‭ ‬الجمهور‭ ‬يعود‭ ‬تدريجيًا‭ ‬بهتاف‭ ‬واحد‮…‬

الجمهور‭ (‬بأعلى‭ ‬صوت‭): ‬“MO SALAH‮…‬‭ ‬MO SALAH‮…‬‭ ‬KING OF EGYPT‭!‬”

قطع‭. ‬نهاية‭ ‬المشهد‭.‬

في‭ ‬السينما،‭ ‬يكتب‭ ‬المخرج‭ ‬النهاية‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬فيكتبها‭ ‬الزمن‮…‬‭ ‬ويضيف‭ ‬إليها‭ ‬الجمهور‭ ‬روحه‭.‬

ومشهد‭ ‬صلاح‭ ‬الأخير‭ ‬مع‭ ‬ليفربول،‭ ‬حين‭ ‬يأتي‭ ‬رسميًا،‭ ‬سيكون‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬النهايات‭ ‬التي‭ ‬تظل‭ ‬تُعاد‭ ‬وتُقرأ‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬النهاية‭ ‬المثالية‭ ‬لفيلم‭ ‬عن‭ ‬أسطورة‭ ‬لن‭ ‬تتكرر‭.‬

;