رحيق السطور «المتمرد».. رحلة ساحر يخطف القلوب!

رحلة ساحر
رحلة ساحر


كتاب «المتمرد.. سيرة حياة عمر خيرت» محاولة للولوج والتعرف على مراحل تكوين حياة «عمر خيرت» كموسيقى متفرد متمرد، ومعرفة أسرار محاولته الفذة لنشر الوعى الموسيقى، وصنع جمهور خاص للموسيقى، أى لسماع الموسيقى البحتة بعيدا عن الغناء والتطريب الشرقى، كنوع من التمرد على المألوف ومحاولة خلق لغة موسيقية جديدة تزاوج بين الأصالة والحداثة، ليصبح رمزا للإبداع المصرى والعالمى.. فيبدأ الكتاب بتوثيق تاريخ عائلة عمر خيرت، ونشأته فى بيئة موسيقية وثقافية ثرية، حيث كان شغوفًا منذ الصغر بالعزف على الدرامز ثم البيانو، قبل أن يتجه لدراسة الموسيقى بشكل أكاديمى فى الكونسرفاتوار. ويبدو أن عمر خيرت قد اختار لقب المتمرد لأنه يرفض النمط التقليدى السائد فى الموسيقى المصرية، وسعى إلى تقديم موسيقى أوركسترالية ممزوجة بالأنغام الشرقية. هذا التوجه جعله من القلائل الذين نجحوا فى نقل موسيقى الأوركسترا من كونها نخبوية إلى مساحة جماهيرية واسعة.


ولم تكن مسيرة «خيرت» سوى طريق ملىء بالعوائق، لكن إصراره على ما يريد وتلبية لما بداخل جيناته الوراثية جعله يتخطى كل المعوقات التى واجهها فى بداياته، وتمكن من تجاوزها بفضل إصراره على التميز، ليصبح أحد أهم الموسيقيين الذين أثروا فى وجدان المصريين والعرب لعقود.
وقد لعب القدر دورا بارزا فى وضع القدوة أمامه، وتمثلت تلك القدوة الموسيقية والإنسانية أمامه فى عمه أبوبكر فيذكر:» أما عمى أبو بكر فكان المثل الأعلى منذ صغرى، وعندما كنت أشاهد حفلاته فى الأوبرا، كنت أتمنى أن أكون مثله يوما ما، هو لم يكن مثلا أعلى لى فى الفنون والموسيقى فقط، بل كإنسان أيضا، أستطيع القول بأننى سلكت نفس الطريق تقريبا، إنما بأسلوبى الخاص».
وواحدة من الصعوبات التى واجهته وكادت تعصف بمستقبله الموسيقى حين توفى عمه فجأة، وكان «خيرت» مازال يدرس بالكونسرفاتوار ووجد الشر يحيق به حيث حاول البعض الانتقام من عمه فى صورته، ويعرقل دراسته بل ويحاول محو اسم خيرت من المعهد تماما فيذكر عن ذلك: «..لم أكن أفهم ذلك، بل كان أبى يفهم هذا، فنصحنى بالابتعاد عن المعهد حتى لا يؤثر على نفسيتى وحياتى، وإكمال دراسة الموسيقى بالمراسلة مع «ترينتى كوليدج أوف ميوزك» الإنجليزية..» واستمر فى التدريب والدراسة حتى أصبح رمزًا موسيقيًا.. وكان طموحه ومثابرته هو المفتاح للوصول لهدفه.
ولم تأخذ دراسته خطا منتظما، فقد تخللها فترات انقطاع للعمل فى بعض الفرق الشبابية التى كانت منتشرة فى السبعينيات، واعتبرها أيضا محاولة أخرى للتمرد فيذكر: فمن يشاهدنى الآن أرتدى بزة أنيقة، وأجلس فى وقار على البيانو أعزف ألحانى، لا يتخيل أبدا أنى كنت منذ زمن أرتدى ملابس تواكب الموضة فى الستينيات، أمسك عصا الدرامز وأعزف عليه ضمن فريق يعزف الآلات الحديثة من جيتار وخلافه، صانعا موسيقى صاخبة، يتراقص عليها الآلاف الشباب».
ويذكر: ربما كانت الموسيقى التصويرية بداية هى بطاقة التعارف بين الجمهور وخيرت، حيث أبدع فى أعمال شهيرة مثل: قضية عم أحمد، والبخيل وأنا، وضمير أبلة حكمت، وغوايش، وليلة القبض على فاطمة.. ولم يكن هدفه مجرد الشهرة السريعة، بل بناء إرث موسيقى يبقى للأجيال. التفكير فى الأثر البعيد أهم من المكاسب اللحظية.. فلم يرضَ خيرت بأن يكون مجرد امتداد للتقليد الموسيقى السائد، بل ابتكر أسلوبًا جديدًا جمع بين الأوركسترا الغربية والروح الشرقية. الدرس هنا: لا تخف من كسر القوالب. الكتاب حاول توثيق المحطات الكبرى فى حياة خيرت، لكنه لا يغوص كثيرًا فى تفاصيل حياته الشخصية أو الجوانب الإنسانية العميقة، مما جعل السيرة هنا تميل إلى الرسمية أكثر من الحميمية. لكن يظل الكتاب بلا شك إضافة مهمة لتوثيق حياة عمر خيرت. الكتاب صادر عن دار نهضة مصر، وحرره الصحفى محمد الشماع.