إلى أين يأخذنا «الذكاء الاصطناعى»؟!

صراع القوى الكبرى حول التفوق في الذكاء الاصطناعي قد يجعل معظم البشر متفرجين

كتب «الذكاء الاصطناعى» فى أمريكا وبريطانيا هذا العام «2025»
كتب «الذكاء الاصطناعى» فى أمريكا وبريطانيا هذا العام «2025»


العلماء يبحثون عن طرق آمنة لدمج الذكاء الاصطناعى فى جسدنا بطريقة تجعلنا أكثر إنتاجية وسعادة وصحة

البشر وذلك الذكاء سيدخلان فى دورات تطورية تؤدى إلى ظهور عدد من الطوائف الهجينة، وكأننا أمام بشر محسنين

هناك احتمالات لحدوث أضرار جسيمة، بل كارثية سببها القدرات التى تمنح لهذه النماذج الذكية بوتيرة سريعة ومتزايدة

يحاول العالم الإسبانى «بيدرو ريا رسيو» تقديم إجابة عن سؤال العنوان الرئيسي- إلى أين يأخذنا «الذكاء الاصطناعى»؟!- فى كتابه «كيف سيشكل الذكاء الاصطناعى مستقبلنا؟»، وقد تصدر هذا الكتاب مبيعات كتب «الذكاء الاصطناعى» فى أمريكا وبريطانيا هذا العام «2025»، وقد صدر فى نسخ رقمية مسموعة ومكتوبة.

المميز فى هذا الكتاب هو أنه يأخذ القارئ فى رحلة عبر الزمن عمرها آلاف السنين، تبدأ منذ الأساطير القديمة، وحتى فى المستقبل البعيد ليجيب عن الأسئلة المتراكمة حول الذكاء الاصطناعى مثل: كيف انبثقت فكرة الذكاء الاصطناعى فى العقل البشرى؟ وما الذى يعكف عليه العلماء الآن؟ وإلى أين ينتهى كل هذا؟ ويتنقل المؤلف برشاقة وسلاسة بين العلوم المختلفة من الطب للتاريخ مرورا بالأدب والسينما.

يبدأ «بيدرو ريا رسيو» من الإرهاصات الأولى لفكرة الذكاء الاصطناعى فى الحضارات القديمة فيعرض جزءًا من النص الصينى «ليزى وجراهام» الذى كتب تقريبا فى القرن الرابع قبل الميلاد وجاء فيه «حدق الملك بدهشة فى الجسم المصنوع الذى كان يمشى أمامه بخطوات متسارعة، وكان الجسم يحرك رأسه للأعلى وللأسفل بانسيابية حتى أن من يراه يظنه إنسانا حقيقيا، لمس الجسم المصنوع ذقنه، ثم بدأ يغنى بنغمة مثالية بعدها بدأ يحرك يديه بطريقة تلقائية، وحاول الملك أن يختبر تأثير نزع بعض أعضاء الجسم المصنوع وحينما نزع القلب أصبح الفم غير قادر على النطق، وحينما نزع الكبد عجزت العينان عن الرؤية، وحينما نزع الكلى عجزت القدمان عن الحركة، فسُر الملك».

وفى الحضارة اليونانية مثلا عرض المؤلف فكرة مشابهة ظهرت فى القرن الثامن قبل الميلاد، وهى فكرة «بجماليون وغالاتيا» وهى أسطورة شهيرة عن النحات «بجماليون» الذى وقع فى حب «غالاتيا» وهى تمثال صنعه بنفسه، ومنحته الإلهة أفروديت الحياة، وهى الظاهرة التى عرفت أدبيا باسم تأثير «بجماليون» والذى ظهر فى أعمال فنية مثل مسرحية «جورج برنارد شو» «بجماليون»، أو «سيدتى الجميلة».

 وتحت عنوان «من فرانكنشتاين وحتى سباق الفضاء» ينتقل المؤلف للخيال العلمى، مستهلا الفصل بجزء من مسرحية « روبوتات روسوم العالمية» للكاتب التشيكى كار تشابيك والتى كتبت عام 1920.

وفى المسرحية التى غلب على نهايتها طابع التشاؤم يقول الكاتب «بعد عشر سنوات من الآن ستنتج روبوتات مصانع «روسوم» الكثير من القمح والملابس، والكثير من كل شىء، حتى أن الأشياء ستفقد قيمتها، وسيأخذ كل إنسان ما يكفيه وزيادة، ولن يكون هناك فقر، وسيصبح الناس بلا عمل لأنه لن يكون هناك عمل ليقوموا به، فالروبوتات ستقوم بكل الأعمال، وسيستمتع الناس بحياتهم ويقومون فقط بالأعمال التى تسعدهم».

وبالمناسبة كلمة «روبوت» تعنى عمل بلغة مؤلف المسرحية التى تدور أحداثها حول روبوتات يصنعها البشر من مواد اصطناعية لتقوم بالأعمال نيابة عنهم، فى البداية تكون الروبوتات سعيدة بالعمل مع البشر قبل أن تتمرد لاحقا، وتتسبب فى انقراض الجنس البشرى.

ومن أهم الأعمال الأدبية التى يتحدث عنها المؤلف رواية « فرانكنشتاين» للروائية مارى شيلى التى كتبتها فى عام « 1818» وغلب عليها أيضا طابع التشاؤم، وتدور أحداثها حول عالم شاب مهتم بتجاوز حدود العلم ينتج مخلوقا غريبا فى إحدى تجاربه العلمية.

ولم يكتف المؤلف بالأدب، بل انتقل للسينما عارضا مجموعة من الأفلام المختلفة منها الفيلم الصامت «ميتروبوليس» للمخرج «فريتز لانج» والذى عرض عام 1927 وتدور أحداثه حول مدينة مستقبلية تعيش فى طبقتين واحدة علوية ينعم فيها الأثرياء بالرفاهية ومدينة تحت الأرض يعيش فيها الفقراء مسحوقين.

وهكذا وضح المؤلف فكرته من أن ما هو أمامنا اليوم هو ثمار غرست بذورها قديما فى العقل البشرى منذ آلاف السنين، كما لا يخفى المؤلف مخاوفه، وقلقه من تطور الذكاء الاصطناعى فيتحدث عن التأثير السلبى الذى قد يحدثه فى مجالات مثل الأمن السيبرانى والتكنولوجيا الحيوية واستخدامه فى نشر معلومات مضللة، وأيضا لا ينكر أن هناك احتمالات قائمة لحدوث أضرار جسيمة، بل كارثية، سواء كانت متعمدة أو غير متعمدة، سببها القدرات التى تمنح لهذه النماذج الذكية بوتيرة سريعة ومتزايدة لا تمنحنا الفرصة على اختبار النتائج بشكل فعال.

وفى نفس الفصل يعرض المؤلف لمحة سريعة عما يعكف عليه العلماء حاليا فيقول: «تم دمج الذكاء الاصطناعى بسلاسة فى حياتنا اليومية، تاركًا أثره على مجالات تتراوح من الهواتف الذكية إلى القيادة الذاتية إلى إنجاز الأعمال الإبداعية، لكن معظمنا لا يرى التأثير السريع والعميق، ولو نظرنا بتأمل لاكتشفنا أن التفاعلات الخوارزمية تحاصرنا فهى تشكل آراءنا ومشاعرنا وخياراتنا الصحية وتفضيلاتنا السياسية والاستهلاكية بشكل أكثر بكثير مما نظنه».

ويشرح قائلا: «هناك تكامل بين البشر والذكاء الاصطناعى بالفعل، سواء كان ذلك واضحًا لنا أو صامتًا، وهى عملية نشير إليها باسم «الترابط بين الإنسان والذكاء الاصطناعي» أو «التشابك»، وهو الأمر الذى يزداد تسارعًا كل يوم.

ويؤكد المؤلف أنه ستشهد العقود القليلة القادمة فترة تحول حيث من المتوقع أن يمكّن الذكاء الاصطناعى تعزيز القدرات البشرية إلى مستوى لم يكن فى السابق سوى موضوع خيال علمى.

فالتقنيات المتطورة ستعزز قدرات الجسم البشرى المختلفة سواء البدنية أم العقلية والفكرية وستستفيد البيولوجيا التركيبية من خوارزميات الذكاء الاصطناعى لتحسين الجسم البشرى، وتصميم الحمض النووى البشرى لمعالجة الشيخوخة والأمراض أو زراعة أعضاء محسّنة مصممة بواسطة الذكاء الاصطناعي! 

ويسأل المؤلف من لا يصدقه قائلا: قبل أن تفكر فى هذا على أنه خيال علمى بحت، دعنى أسألك: «هل تستطيع إزالة هاتفك الذكى من يدك حتى فى هذه اللحظة؟ هذه القطعة التى تظنها تكنولوجيا متطورة ستصبح بمثابة أداة حجرية فى الأفق القريب».

ويؤكد أن العلماء الآن يبحثون عن طرق آمنة جسديًا لدمج الذكاء الاصطناعى فى جسدنا وعقلنا بطريقة تجعلنا أكثر إنتاجية وسعادة وصحة من خلال تعزيز المناعة ومراقبة أجسامنا بطريقة آلية لتحذيرنا من المخاطر الصحية وزرع أنسجة معدلة هندسيا. 

فهناك مثلا أبحاث حول زرع تقنيات ذكية تراقب نسبة السكر فى الدم وتقوم بضخ نسبة الإنسولين بشكل تلقائى، أو ضخ الكمية المناسبة من الدوبامين عند الحاجة لذلك، فالإنسان واحتياجاته بجميع عناصرها النفسية والجسدية وغيرها ستصبح معادلة يمكن التعامل معها بشكل جوهرى، لأن التغييرات التى ستحدث ستكون مثل الزلزال وسندخل مرحلة يمكن أن نطلق عليها « ما بعد الإنسان الحالي».

ففى العقود القادمة، سيكون اختيار ذراع محسنة لتعزيز القوة أمرا مقبولا على نطاق واسع، كما سيصبح الانخراط فى صداقة مع روبوت خيارًا روتينيًا، وسيتم تبنى اختيار زرع إلكترونى فى الدماغ للاستفادة من قوة المعالجة لأحدث خوارزميات الذكاء الاصطناعى من قبل المجتمع.

وسيكون الحصول على تعديل بيولوجى يسمح لنا بالأكل دون زيادة الوزن أو بالرؤية فى الظلام مرغوبا فيه، ونتيجة لذلك، ستنشأ مجموعة متنوعة من الهويات، تمثل تركيبات مختلفة من الذكاء الاصطناعى والبيولوجيا. هذه العلاقة العميقة والمعقدة بين البشر والذكاء الاصطناعى ستؤدى إلى تآكل تدريجى للحدود بين الاثنين، من خلال هذه التفاعلات، سيدخل البشر والذكاء الاصطناعى فى سلسلة من الدورات التطورية، مما يؤدى إلى ظهور عدد من الطوائف الهجينة وكأننا أمام بشر محسنين، بالتوازى، سيستمر البشر، الذين هم بالفعل فى عملية التشابك مع الذكاء الاصطناعى، السيارات ذاتية القيادة، والروبوتات العسكرية مثل الطائرات بدون طيار وروبوتات الفضاء مثل مستكشفى المريخ.

والخط الثالث هو تطور البشر الآليين، بالإضافة إلى ذلك يشرح المؤلف كيفية تمكن الروبوتات بشكل متزايد من التعرف على المشاعر البشرية والاستجابة لها إلى الحد الذى بدأ فيه بعض البشر بالفعل فى إقامة علاقات إنسانية معهم. 

وتحت عنوان «الانتقال»، يصف الرحلة التحويلية التى ستستمر خلال العقود القادمة بينما يتطور البشر نحو تكامل أعمق مع الذكاء الاصطناعى حيث ستتطور عملية الانتقال على مسارين متوازيين، فى المسار الأول ستتوسع الروبوتات لتدخل الجسم البشرى مما يعزز قدراتنا الجسدية، فى المسار الثانى، ستقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعى بتعزيز البيولوجيا التركيبية، والتى ستُستخدم لتعديل الحمض النووى البشرى للحد من الشيخوخة والأمراض وتصميم أعضاء محسنة للزرع.

ومع استمرار تحسن الذكاء الاصطناعى ستشهد مجتمعاتنا واقتصاداتنا تحولا عميقا مما يطرح رؤية متفائلة الذكاء الاصطناعى كقوة للخير يمكنها تمكين الإنسانية، وحماية البيئة، والقضاء على الفقر، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والسماح للبشر بالتركيز على إتمام المهام التى تحقق لهم المتعة بينما تتولى الروبوتات الأعمال الأكثر رتابة.

وبينما هذا ممكن استنادًا إلى عناصر واضحة من التكنولوجيا، فإن التكنولوجيا دائمًا لها جانبان إذ هناك وجهة نظر معارضة تطرح صورة أكثر قتامة حول كيفية تكيفنا مع الذكاء الاصطناعى، مع الأخذ فى الاعتبار الفروق الواضحة فى التفكير الثقافى المتجذر فى البشرية على مدى آلاف السنين، والمؤسسات السياسية القديمة، والميل البشرى الطبيعى، ناهيك عن الفجوة الكبيرة فى الفهم والوصول إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى والموارد اللازمة لتطبيقها.

ومن هذا المنظور، سيقوم الذكاء الاصطناعى على أسس الاستبداد البشرى، ليصبح محفزًا للسيطرة على كل جانب من جوانب حياة الإنسان، مجبرًا الناس على قبول أى ما يقدمه لهم بخيره وشره لكى لا يتخلفوا عن الركب، وستتراكم السلطة المفرطة فى أيدى القلة الذين يسيطرون على التكنولوجيا، والتى ستعكس بدورها آراءهم المحددة حول ما هو جيد وما هو غير جيد، والأسوأ من ذلك، قد يسعى البعض بشكل خاص إلى استبعاد من يُعتبرون أضعف، أو مرفوضين لأى سبب كان أو بدون سبب، أو غير مناسبين ثقافيًا.

وهكذا، بينما يتواصل الصراع بين القوى الكبرى حول التفوق فى الذكاء الاصطناعى قد يصبح معظم البشر متفرجين فى هذه اللعبة الخطرة، فمن الواضح أن التغيير لن يحدث بشكل متساوٍ، وما يمكن أن يمهد الطريق لثورة غير مسبوقة للبشرية قد يترك فجوة حادة وشرخا لا يمكن صدعه.

وتحت عنوان «الكائن الجديد»، يغطى المرحلة الأخيرة من تطوير الذكاء الفائق حيث تتجه مجالات البحث الحالية لتسريع الرحلة من الذكاء الاصطناعى التوليدى إلى الذكاء الاصطناعى العام حيث يكون التركيز بشكل رئيسى على تمكين الآلات من التخطيط وتطبيق الحس السليم ومحاكاة العقل البشرى بالإضافة لمحاولات نقل الوعى والذكريات على أساس رقمى، ومن المثير أن «الذكاء الاصطناعى يملك القدرة على تحسين نفسه دون تدخل بشرى مباشر، مما يسرّع من وتيرة الابتكار والتغيير»

ويشير المؤلف للحروب التى قد يسببها الذكاء الاصطناعى بين البشر المتنافسين والمتصارعين طوال الوقت فيقول: «فى 1 نوفمبر 2023، اجتمع حوالى 150 شخصاً وصِفوا بأنهم شخصيات بارزة فى الحكومات والصناعات من حول العالم، بما فى ذلك كمالا هاريس، نائبة الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن، والملياردير إيلون ماسك، فى بليتشلى، بإنجلترا، فى قمة سلامة الذكاء الاصطناعى، وقد تم خلال هذا اللقاء تطوير ومراجعة سيناريوهات تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعى فى مجالات متعددة، وقد لعب هذه الاجتماع دوراً حاسماً فى تسهيل حوار عالمى حول تنظيم الذكاء الاصطناعى.

وقد تم اختيار الموقع تكريماً لرائد الذكاء الاصطناعى البارز «آلان تورينج» الذى أدى عمله فى نفس المكان قبل 80 عاماً وساهم فى إنهاء الحرب العالمية الثانية، وإنقاذ ملايين الأرواح، وقام بتطوير أول حاسوب، وفى ذلك اليوم اجتمعت 28 دولة، بما فى ذلك القوى العالمية مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبى، لتأييد إعلان بليتشلى، مؤكدين الالتزام بالمداولات المستمرة حول النشر الآمن للذكاء الاصطناعى.

وقد أعرب هذا الإعلان عن المخاوف بشأن المخاطر المحتملة أمامنا، مثل سوء استخدام الذكاء الاصطناعى التوليدى من قبل الإرهابيين أو مجرمى الإنترنت وتحقيق الذكاء الاصطناعى للوعى وتهديده للوجود.

فى النهاية، لم تكن كل الدول ممثلة على قدم المساواة، ومن المفارقات المقلقة أو النفاق الصريح أن أولئك الذين وقعوا إعلان «بليتشلي» يشاركون أيضًا بنشاط وبشكل عدوانى فى السباق لقيادة تقدم الذكاء الاصطناعى وامتلاك «ميزة» على الآخرين فى هذا المجال.

ويختتم المؤلف كتابه بنظرة خيالية علمية إلى المستقبل البعيد بعد ملايين السنين، متخيلًا سيناريو ما بعد الإنسانية، حيث توجد كائنات بنوع فائق من الذكاء والقدرات المحسنة مع عدد هائل من الروبوتات المختلفة، متمنيا ألا ينتهى الأمر بنتائج مروعة.