مأزق الفكر العربى وتحولات الثقافة

النخب العربية انقسمت بين التواصل مع الغرب وثقافته ومناهضة هذه الثقافة

طه حسين عميد الأدب العربى - لوحة تجسد الحملة الفرنسية وأول احتكاك بالشرق
طه حسين عميد الأدب العربى - لوحة تجسد الحملة الفرنسية وأول احتكاك بالشرق


الغرب الاستعمارى ساعد تيار «الإخوان» والحركات السلفية فى العالم العربى

الخلاف دائما بين الإسلاميين والعلمانيين على مسائل شكلية لا علاقة لها بالتقدم!

نصر حامد أبو زيد تعامل مع النص القرآنى من خلال العلوم الأدبية وهو ما أوضح أنه نص متطور وليس جامدا

فى زمن تتكاثر فيه الأسئلة وتتقلّص فيه الإجابات، يعيد الكاتب والمفكر «صبحى موسى» طرح واحد من أخطر التحديات الفكرية التى تواجه المجتمعات العربية: لماذا فشلت مشاريع التحديث لدينا بينما نجحت فى الغرب؟!

فى كتابه الصادم والمثير للتفكّر، «مأزق التنوير فى المجتمع العربي»، لا يكتفى موسى برصد المسار التاريخى لحركات التحديث والنهضة، بل يذهب أبعد نحو تفكيك بنيتها الداخلية، وسبر علاقة العقل بالسلطة، والدين بالهوية، والحداثة بالموروث، الافتتاحية ليست استهلالًا لمجرد عرض أفكار، بل دعوة لفتح الملفات القديمة التى أُغلقت قبل أوانها: كيف تحوّلت الطموحات إلى شعارات؟ لماذا بقيت النخبة أسيرة التحالفات السلطوية؟

وأى دور غاب أو غُيّب عن الجماهير فى بناء مشروع معرفى حقيقى؟

بين سطور الكتاب، تتكشّف مأساة الحداثة الشكلية التى تغلغلت فى مفاصل المجتمع العربى دون أن تُمسّ جوهره، فنشأت طبقات متعلّمة لكن بلا وعى نقدى، ومؤسسات حديثة تحمل بداخلها عقلًا تقليديًا، وإصلاحات مزيفة تتكئ على القديم لتجميل صورة المستقبل.

بهذه الجرأة، يفتح موسى جرحًا قديمًا لم يلتئم، ويطرح سؤالًا لا يمكن تجاوزه: هل يمكن للمجتمعات العربية أن تُنجز تنويرًا حقيقيًا دون مراجعة عميقة للذات؟ أم أن الطريق لا يزال طويلًا، محفوفًا بالتناقضات والانقسامات؟

ينطلق «صبحى موسى» فى كتابه الجديد من سؤال مفاده: لماذا ظل التنوير العربى على مدار قرنين من الزمان فى نفس المربع الأول، فلم ينتقل إلى الأمام عبر نفس المسار الذى اتخذه التنوير الأوربى، ولم تشهد البلدان العربية سيادة التفكير العلمى النقدى، ولا الدفاع عن الحريات أو الحصول على الحقوق التى تمنحها الدولة المدنية الحديثة. وللإجابة عن هذا السؤال فقد اعتمد على منهجين معا، الأول: هو المنهج التاريخى الذى تتبع من خلاله مسار عملية التنوير فى المنطقة العربية، ليس فقط منذ وجّه نابليون بونابرت فوهات مدفعيته على أسوار مدينة الإسكندرية، ولكن منذ عرفت لبنان المطبعة المارونية فى القرن السابع عشر، وتحديدا فى دير «قزوحية» عام 1610، حيث طبعت أول نسخة من «سفر المزامير» فيها باللغة السريانية والعربية، وذلك بفضل انفتاح الإرساليات والبعثات التبشيرية الأوربية على بلاد الشام طوال عصر الدولة العثمانية، تلك التى منحتهم الكثير من الامتيازات.

أما المنهج الثانى فقد كان الثقافى الاجتماعى الذى رصد من خلاله أسباب صعود وانتكاسة التنوير فى كل مرحلة من مراحله، كما توقف بالتحليل النقدى فى كل مرحلة أمام أعمال نموذجين من المفكرين الذين برزوا فى كل مرحلة، موضحا السياق العام الذى نشأ فيه هذا المفكر، والمعوقات التى واجهته وأعاقت قدرته على توصيل رؤيته إلى قطاعات أكبر من الجماهير، بما يحدث التغيير فى الوعى والفكر، ويجعل الطبقات الدنيا تأخذ بفعل التنوير ولا ترتمى فى أحضان الفكر التقليدى أو جماعات الإسلام السياسى، وذلك كان أكبر المعوقات التى واجهت التنوير خلال مساره التاريخى على مدار قرنين من الزمان.   

 دور الأزهر

قارن «موسى» بين المسارات التى اتخذها التنوير العربى بالمسارات والمحطات التى مر بها التنوير الأوربى، مؤكدا على أن الثقافة العربية لم تتخط بعد مرحلة الثورة البروتستانتية، تلك التى انطلق منها الفكر الأوربى فى ثورته على الكنيسة وهيمنتها على مؤسسات الدولة، مما أتاح للفلاسفة والمفكرين الأوربيين أن ينتقلوا من إصلاح العملية الدينية إلى وضع أسس الدولة المدنية الحديثة والقانون الوضعى، ساعدهم على ذلك الثورة العلمية التى عاشها الغرب فى القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، وهو ما أهل المجتمعات الأوربية لمجىء الثورة الفرنسية، والقبول بالتغييرات الكبيرة التى قدمتها من خلال صيغة الحكم والمشاركة السياسية، بدءا من وضع دستور حاكم لمؤسسات البلاد، وصولا إلى تحول منصب الحاكم من كونه ظل الله على الأرض، إلى كونه رئيسا منتخبا من قبل جمعية عمومية هى الشعب.

قسّم المؤلف كتابه إلى مقدمة تأسيسية طويلة بعنوان «مأزق التنوير» وستة فصول هي: «محمد على وبدايات عصر التنوير»، وفيه توقف أمام ما أنجزه محمد على باشا على مستوى الصعيد الثقافى والاقتصادى والسياسى والحربى، موضحًا أنه بمثابة المحطة الثانية فى مسار التنوير العربى، فقد أتت المحطة الأولى على يد نابليون بونابرت عام 1898، حين أطلق نيران مدفعيته على أسوار مدينة الإسكندرية، كى يتفاجأ الشرق بشكل عام بفارق التطور بينه وبين الغرب، ومن ثم ظهر لدى المصريين سؤال عن كيفية النهضة، وتوزعت الرؤى حول اتجاهين، الأول حاول الإجابة عنه عبر العودة إلى السلف والأخذ بما أخذوا به قديما، أما الثانى فقد تمحور حول ضرورة الأخذ بما أخذت به أوروبا من مدنية ومناهج علمية، وفى الوقت الذى لعب فيه الأزهر دورا مهما فى قيادة الاتجاه الأول، خاصة أن رجاله لعبوا دورا بارزا فى قيادة الثورة على الحملة الفرنسية، فإن قيادة  الاتجاه الثانى قد تمثلت فى محمد على الذى رغب فى بناء دولة حديثة على الأسس الغربية، ومن ثم أرسل البعثات لتعلم مختلف العلوم، ودراسة كافة المهن على الطرق الحديثة، وهو ما خلق طبقة ارتبطت به وبجيشه الذى صارع الجيوش الأوربية. وقد أطلق موسى على هذه الطبقة مسمى «آباء التنوير»، وأفرد لهم الفصل الثانى من الكتاب، واضعا القارئ أمام التطور الثقافى والفكرى الذى شهدته مصر والشام فى مرحلة محمد على، وفيه توقف أمام رؤى وأفكار نموذجين من رواد التنوير هما رفاعة الطهطاوى فى مصر، وخير الدين التونسى فى تونس.

مسارات التنوير

وفى الفصل الثالث «اتجاهات التنوير العربي» ذهب إلى أن التنوير العربى اتخذ ثلاثة اتجاهات هي: الاتجاه الإصلاحى الذى سعى إلى تطوير الفكر الدينى بما يتوافق مع   متغيرات العصر الحديث، وكان فى مقدمة هذا الاتجاه محمد عبده الذى حرص على التوفيق بين الرؤية السلفية التى نهضت بالأمة العربية قديما حتى سادت غيرها من الأمم، والرؤية الحديثة التى ظهر فيها العلم، وأصبحت أوروبا النموذج الحضارى القوى من خلاله، وقد ساعد على ظهور هذا الاتجاه ما عرف بالجامعة الإسلامية التى دعا إليها السلطان عبد الحميد، كنوع من تجديد الخطاب الإسلامى، وتدعيم سلطة الخلافة بأطروحات جديدة تبقى عليها فى مواجهة طمع بلدان الاحتلال الأوربى، أما الاتجاه الثانى فقد تمثل فى القومية العربية التى طالب بها المفكرون المسيحيون فى الشام، وفى مقدمتهم نجيب عازورى الذى أصدر كتابه «يقظة الأمة العربية» فى مطلع القرن العشرين، وذهب فيه إلى أن ثمة تيارين ولدا فى نفس الوقت فى الجناح الآسيوى من الخلافة العثمانية (الشام)، وهما الصهيونية والقومية العربية. وأن الصراع بينهما سيستمر إلى أن يقضى أحدهما على الآخر، وأن مستقبل العالم سوف يتحدد وفقا لمستقبل هذا الصراع. وقد انخرط أغلب المثقفين المسيحيين الشوام فى فكر القومية العربية، والمطالبة بها فى مواجهة فكر الجامعة الإسلامية، حيث تصبح المواطنة فيها على أساس العرق وليس الدين، بما يجعلهم على نفس الدرجة من المساواة مع العرب المسلمين، وليسوا درجة ثانية أو ثالثة فى منطقة عربية تحكمها خلافة إسلامية فى تركيا. 

أما الاتجاه الثالث فقد كان اتجاه الدولة الوطنية الذى بدأ مع رفاعة الطهطاوى، هذا الذى لم يدع فى كتبه إلى الخلافة الإسلامية، بل على النقيض تحدث كثيرا عن مصر بوصفها بلدا مستقلا، ولها تاريخ فرعونى عظيم انبهر به الغرب، مما خلق لها حالة من التميز، وكدولة مستقلة ذات ثقافة وطنية خاصة بها، على نحو ما هو حادث فى فرنسا وإيطاليا وغيرهما، وذلك انطلاقا من أن الدولة الوطنية جزء من مكتسبات عصر التنوير الأوربى.

مشروعات التنوير

وتحت عنوان «مشروعات التنوير»، يتوقف« موسى» أمام ما طرحه على عبد الرازق فى كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، وطه حسين فى كتابه «الشعر الجاهلي»، ذاهبا إلى أنهما كانا الأساس الأكبر الذى قام عليه فكر التنوير العربى، فقد هدف على عبد الرازق من كتابه إلى قطع خط الرجعة على كل من يحاول استعادة الخلافة بعدما سقطت فى تركيا عام 1924 على يد كمال أتاتورك. أما طه حسين فتكمن أهمية كتابه فى أنه منح الناس أداة التفكير وإعمال العقل، وذلك انطلاقا من الاعتماد على المنهج العلمى، ذلك الذى يجعلنا نشك فى كل ما ليس له دليل واضح فى المصادر والمراجع التاريخية، هذا الشك الذى قاده لنفى وجود العديد من الشعراء الجاهليين، فضلا عن شعر العفاريت والجن، والشعر المنسوب لآدم ونوح وغيرهما من الأنبياء، موضحاً أنه لا يوجد أثر تاريخى واحد يقول بوجود مثل هذه الأشعار، ومن ثم فقد تم اختراعها من قبل الرواة أو المتعصبين لجماعات ودول، وذلك لتعضيد فكرهم ووجودهم السياسى، وربما تعضيدا لرؤيتهم فى تفسير وتأويل القرآن.

الاتجاه الوطنى

وقد ذهب موسى فى هذا الفصل إلى أن التنوير العربى الذى بدأ مع الحملة الفرنسية وانتقل مع محمد على إلى محطته الثانية، آتى أكله فى عصر إسماعيل الذى أصبح بمثابة المحطة الثالثة، والتى بدونها ربما لم يكن لما فعله محمد على أهمية، فقد أحيا المشروعات التى أقامها جده، وأعاد فتح المدارس وإرسال البعثات، وزاد فى الأمر أن سمح بإصدار الصحف والمجلات، وأمر بإنشاء الأحزاب وتشكيل البرلمان وصياغة الدستور وانتخاب الحكومة، وهكذا بدأت ثمار التنوير فى الظهور على الأرض، لكن مجىء الاحتلال البريطانى أوقف هذا المسار، أو قضى على أغلبه، فتوارت الحركة الوطنية التى بدأت مع أحمد عرابى ورفاقه، لكنها لم تمت، إذ استمرت إلى جانب فكر الجامعة الإسلامية الذى أخذ فى الظهور بعودة مصر إلى حضن الخلافة التركية، وكذلك إلى جانب فكر القومية العربية التى أتت مع مجىء المثقفين الشوام فارين من الاضطهاد التركى لهم، حيث نشطوا فى تأسيس الصحف والمجلات المعبرة عن وعيهم وفكرهم القومى.
 لكن مع نهاية الحرب العالمية الأولى ومجىء ثورة 1919 تأكد فى مصر بشكل قوى فكر الدولة الوطنية المستقلة، بينما تأكد فى الشام فكر القومية العربية، ومن ثم ظهرت الحركات النضالية التحررية على أساس قومى فى مواجهة فرض الحماية الأوربية على بلدان الشام، فى حين انتشر الفكر السلفى الصوفى فى الحركات التحررية بكل من السودان وليبيا والمغرب العربى، وانقسمت النخب العربية هناك ما بين التواصل مع الغرب وثقافته، وما بين مناهضة هذه الثقافة بالتأكيد على الهوية الإسلامية.

 الفكر التنويرى

وجاءت المحطة الخامسة مع ثورات التحرر العربية فى خمسينيات القرن العشرين، والذى انقسم بعدها العالم العربى إلى بلدان تقدمية تبنت الفكر العلمانى، وبلدان رجعية تبنت التقليدى، وأخذت على عاتقها مواجهة الفكر التقدمى التنويرى، وتغذية الحركات الإسلامية المتشددة، ومساندة الحكومات الملكية، فى حين سعت البلدان التقدمية وفى مقدمتها مصر إلى مساعدة كل ثورات التحرر، ودعم انتقالها إلى الفكر التقدمى، لكن متغيرات هذه المرحلة أتت بنتائج لم تكن فى صالح التنوير، فقد سعى أصحاب الفكر التقدمى إلى صبغ القومية العربية بصبغة إسلامية تتوافق مع فئات الجماهير فى تلك البلدان، وهى فئات لم تفارق الحالة القبائلية والعشائرية والريفية التقليدية، ومن ثم تحولت القومية العربية التى نشأت فى مواجهة الجامعة الإسلامية من الفكر اليسارى إلى التلون بالفكر اليمينى، وكذلك مزجت الناصرية فى مصر بين اليسار واليمين، وظهر العديد من الكتابات التى قدمت الفكر اليسارى بوصفه جزءا من بنية الفكر الإسلامى، مما منح الرؤية الماضوية حضورا لم يكن يتوقعه أكثر المتفائلين بها.

 مرونة النص 

 لكن ذلك لا يعنى أن مشروعات التنوير قد توقفت، فقد انتشرت عمليات اتصال العرب بالغرب، خاصة فى بلدان المغرب العربى، بينما سادت القومية العربية فى الشام، وظهر مفكرون كبار أمثال ميشيل عفلق، وغيره من مؤسسى حزب البعث، بينما شكل نصر حامد أبو زيد أهم محطة فى التنوير العربى بعد طه حسين، ليس لأنه منح الناس الأداة التى يفكرون بها كما فعل طه، ولكن لأنه قام بتفكيك الرؤية الإسلامية من داخلها، سواء من خلال كتابه «مفهوم النص» الذى تعامل فيه مع النص القرآنى من خلال العلوم الأدبية، وليس من خلال العلوم الدينية، وهو ما أوضح مدى مرونة النص القرآنى، وأنه نص متطور وليس جامدا، وأن القرآن مخلوق حسبما قال المعتزلة وليس أزليا حسبما قال الأشاعرة. 

وقد توقف «موسى» فى الفصل الخامس أمام ما قدمه المفكر الجزائرى محمد أركون، والذى حصل على تعليمه الأساس من الجامعة بالجزائر، لكنه حصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون بفرنسا، وكل كتاباته باللغة الفرنسية، ويعد واحدا من أبرز وأشهر المفكرين العرب فى الغرب، إلا أن حالة أركون مثلت إشكالية العلاقة بين الفكر العربى والغربى، فحين أصدر سلمان رشدى روايته «آيات شيطانية» انتقدته كل الدوائر الإسلامية، وقامت المظاهرات بسببها فى الهند وإيران وباكستان، وأعلن الخومينى إهدار دمه، مما جعل الغرب ينتفض للدفاع عنه، فى وسط هذه الحالة من اللغط كتب محمد أركون ثلاث مقالات أوضح فيها أن رشدى لم يحترم مشاعر المسلمين وديانتهم، مما جعل المفكرين الغربيين ينتقدون أركون، وينعتونه طيلة الوقت بأنه مفكر إسلامى، وهو ما جعل أركون متهما من قبل المسلمين الذين ينتقد فكرهم بأنه مهرطق، ومتهما من قبل الغربيين بأنه مفكر إسلامى، وتعكس هذه الأزمة رغبة الغرب فى التنوير العربى وفقا لتصوراته هو عن العرب.

التحالف الرجعى

وقد أوضح الكتاب فى فصله الأخير «بنية التحالف الرجعي» أن التنوير العربى يعيش مأزقا متعدد الأطراف، فالتنوير الذى نشأ فى الغرب، وعرفه المصريون والعرب بشكل عام، عبر نابليون بونابرت، جاء على يد الآلة العسكرية، مثلما أتت المطبعة والعلماء المصاحبون للحملة، ومن اللحظة الأولى خاطب الغرب الاستعمارى المشاعر الدينية، معظما من وجودها، معتبرا أنه جاء وفقا لتعاليمها ليقضى على الطغاة والفاسدين، ومن ثم تحالف طيلة الوقت مع التيارات الدينية المناهضة للفكر التنويرى، فدعم تيار الإخوان المسلمين، ودعم الدول الرجعية التى دعمت الحركات والتيارات السلفية فى العالم العربى. 

استيراد التنوير

أما الجانب الآخر الذى جعل التنوير العربى لا يسير فى نفس المسارات الصحيحة التى سار فيها التنوير الغربي؛ هو أن التنوير الغربى جاء وفقا لتفاعل اجتماعى ثقافى سياسى طبيعى على الأرض، فى حين أن التنوير العربى تم استيراده، ولم تكن هناك حركة علمية ولا اقتصادية تساعد على انتاجه بشكل طبيعى، ومن ثم ارتبط منذ محمد على بتوجهات الطبقة السياسية، تلك التى تغيرت رؤيتها له وفقا لمصالحها، فقد دعم الملك فاروق الإخوان فى مواجهة الوفد الليبرالى، وطعم جمال عبد الناصر الفكر اليسارى برؤى إسلامية كى يتمكن من السيطرة على الشارع فى مواجهة الإخوان والسلفيين، فى حين انقلب السادات على الفكر اليسارى وتبنى التوجه اليمينى، ووقف مبارك داعما للوعى والفكر المدنى من خلال الإعلام والثقافة، لكنه ترك التعليم والأزهر والشارع ككل للفكر السلفى، لذا كان طبيعيا أن يأتى الإخوان إلى الحكم بعد تنحيه عنه.

مسائل شكلية

يعد كتاب «مأزق التنوير العربي» بالغ الأهمية فى مرحلتنا التاريخية الراهنة، حيث إنه يقوم بتشريح الحالة المصرية والعربية، واضعا اليد على مناطق الضعف أو الخلل فى مسار التنوير العربى، مشخصا بدقة الأسباب التى أعاقت الوعى العربى عن تخطى المرحلة الأولى من التنوير، والتى جعلتنا دائما محلك سر، حيث يدور الخلاف دائما بين الإسلاميين والعلمانيين على مسائل شكلية، لا علاقة لها بالتقدم ولا التأخر، وأعلى منجزها أن تبقى الوضع على ما هو عليه دون تغيير، ومن ثم يتم كل فترة إعادة إنتاج نفس القضايا التى أنتجت منذ مجىء الحملة الفرنسية، ومنذ أثير السؤال الأساس عن كيفية النهضة، دون أن ينتقل أى من الفريقين، سواء الإسلاميون أو العلمانيون، إلى كيفية بناء وطن عصرى قوى، أو كيفية الحفاظ على الحريات التى نصّت عليها قوانين الأمم المتحدة، ولا نيل الحقوق التى استطاعت الدولة المدنية الحديثة أن تمنحها لأبنائها، وهو ما أثر على حرية التفكير والوعى واحترام الآخر لدينا، خذل المرأة فى حقوقها وقضاياها، مثلما خذل الأقليات فى حقوقهم وقضاياهم، وأوقف المجتمع أمام قشور الفكر التى  كان من الممكن تجاوزها لإنجاز ما هو أهم، لكن كلا الفريقين لم يكن لديه القدرة على ذلك.

ولم تدعم الأنظمة المتوالية حقوق المواطنين فى التفكير والوعى، وساندت كلا الاتجاهين بنفس القدر على فترات متباينة، مما جعل كليهما يعتبر أن الدولة تقف فى وجهه وتفسح المجال للآخر، وظلت الدولة متهمة من كلا التيارين بالعداء له، مما خلق أزمة ثقة دائمة ومتبادلة بينهم وبين الدولة..  

ولم يكن الأمر أفضل حالا على مستوى العلاقة بين الثقافة العربية والغرب، فالغرب الذى قدم كل منجزات التنوير للعالم هو نفسه الذى احتل المنطقة العربية، ومارس كل حيله لإبقائها تحت سيطرته، فعادى التعلم والتفكير العلمى والحكومات الوطنية والحياة الحزبية الديمقراطية الصحيحة، ودعم جماعات الإسلام السياسى والمتطرف، وجماعات الفكر الرجعى والتقليدى، وحافظ على عدم إحداث تغيير حقيقى فى قطاع الإنتاج، فظلت كل اقتصاديات المنطقة ريعية، وفى أفضل أحوالها زراعية تقليدية، لا تقوم على التصنيع ولا المعرفة، مما أسهم فى خلق بنية ذهنية تقليدية ماضوية سلفية، سرعان ما تحولت لدى بعض العناصر إلى سلفية جهادية معادية لكل أشكال الفكر والحياة.

المجتمع المدني

ولعل النقد الذى يمكن توجيهه لكتاب صبحى موسى «مأزق التنوير العربي» هو نفس الانتقاد الذى تم توجيهه إلى كتابه السابق «تحولات الثقافة فى مصر»، فقد اهتم فى كلا العملين برصد التعامل الرسمى مع الثقافة وفعل التنوير، مغفلا منظمات المجتمع المدنى ودورها فى التثقيف والتنوير، وقدرتها على تغيير رؤى المواطنين، وانفتاحها على مجتمعات وثقافات أكثر تطورا ووعيا وتحررا من مجتمعاتنا، كما أن التيار الإسلامى استخدم المجتمع المدنى بشكل أكثر خدمية، مما جعله أكثر التصاقا بالناس وقدرة على جذبهم إلى الوعى الإسلامى منهم إلى الوعى التنويرى.

 

المؤلف:

صبحى موسى شاعر وروائى من مواليد عام 1972 قرية شما أشمون بمحافظة المنوفية، حصل على ليسانس الآداب فى علم الاجتماع عام 1994 من جامعة شبين الكوم، صدر له العديد من المؤلفات.

 

الكتاب:


«مأزق التنوير العربى». 

المؤلف:

صبحى موسى

الناشر:
روافد للنشر