في سجل الذاكرة الثقافية المصرية، يبقى اسم فاروق حسني حاضرًا بوصفه أحد أعمدة الفكر والإبداع في مصر الحديثة، فهو الوزير الذى لم يفصل بين الفن والإدارة، ولا بين الريشة والقرار، مثقفًا يرى في الجمال مشروعًا وطنيًا، ومن بين بصماته التى لا تُمحى، يتصدر المتحف المصرى الكبير، المشروع الذي تجاوز حدود الفكرة إلى أن يصبح رمزًا عالميًا للحضارة المصرية ومرآةً لرؤية فنية وإنسانية فريدة.
حين طرح حسنى فكرة إنشاء المتحف المصرى الكبير في أواخر تسعينيات القرن الماضى، لم يكن يفكر في مجرد بناء متحف جديد يضم الآثار المصرية، بل فى إعادة صياغة علاقة المصريين والعالم بتاريخ مصر القديم، كان يرى أن المتحف يجب أن يكون أكثر من صالة عرض، بل مؤسسة معرفية وحضارية تمزج بين العلم والفن، بين العرض والتعليم، بين الأصالة والحداثة.
اختيار موقع المتحف لم يكن صدفة، فقد أراده أن يكون امتدادًا بصريًا وروحيًا لأهرامات الجيزة، حيث تتجاور الأزمنة، ويتحاور الماضي مع الحاضر، هذا التفاعل بين المكان والرؤية هو ما جعل المشروع مختلفًا عن أى مشروع ثقافى آخر فى المنطقة، فهو يضع الهوية المصرية في قلب العالم الحديث.
من الحلم إلى التنفيذ
بدأت الدراسات والتخطيط في عهد فاروق حسنى، الذي أشرف بنفسه على تفاصيل المشروع، من الفكرة إلى التصميم، ومن التصور المعمارى إلى اختيار الموقع والهيئة الدولية المنفذة.. لم يكن المتحف بالنسبة له مجرد مشروع وزارى، بل حلمًا شخصيًا ووطنياً، تجسد فيه إيمانه العميق بأن الثقافة هي القوة الناعمة التى تصنع مستقبل الأمم.
واجه المشروع تحديات معقدة، من التمويل إلى الإدارة، ومن التنافس الدولى إلى متطلبات الحفاظ على الآثار، لكن إصراره وإيمانه العميق برسالته الثقافية جعلاه يقف أمام كل عقبة بروح الفنان الذي لا يعرف المستحيل، فقد كان يرى أن المتحف ليس مجرد مبنى ضخم، بل رمز لعظمة المصريين وقدرتهم على صياغة المستقبل كما صنعوا التاريخ.
حوار بين الفن والحضارة
بفضل هذه الرؤية، خرج تصميم المتحف المصرى الكبير فى ثوب معمارى مبهر، يجمع بين البساطة المعاصرة والرمزية الفرعونية فى آن واحد، واجهته الضخمة من الحجر الرملي تعكس ضوء الشمس كما تعكس المعابد القديمة، بينما تمتد داخله مساحات عرض حديثة تستخدم أحدث تقنيات العرض والإضاءة والتفاعل الرقمى، ليصبح المتحف تجربة حسية وثقافية متكاملة.
ويكفى أن نذكر أن المتحف يضم أكثر من مئة ألف قطعة أثرية، من بينها المجموعة الكاملة لتوت عنخ آمون، لتُعرض لأول مرة فى سياق علمى وجمالى يليق بمكانتها التاريخية، إنه ليس متحفًا للفرجة فحسب، بل مؤسسة معرفية تضم معامل ترميم ومراكز بحث وتعليم، لتصبح مصر بذلك رائدة فى علوم المتاحف والتراث.
ربما تكمن عبقرية فاروق حسنى في أنه لم يتعامل مع المتحف كمشروع إدارى، بل كـ لوحة فنية ضخمة ترسم ملامح الوطن، فكما يستخدم الفنان الظل والنور لإبراز المعنى، استخدم الوزير الفكر والتنظيم والتخطيط ليرسم صورة لمصر الحديثة وهى تتحدث عن نفسها بثقة وجمال.
لقد حمل المتحف المصرى الكبير ملامح فلسفية: أن الفن ليس ترفًا، وأن الحضارة ليست ماضيًا جامدًا، بل كيانًا حيًا يتجدد بالرؤية والوعي، فالثقافة عنده هي ذاكرة الأمة وعنوان نهضتها، والمتحف هو تجسيد مادى لتلك الذاكرة التى أرادها أن تبقى ناطقة إلى الأبد.
إرث باقٍ للأجيال
اليوم، وبعد افتتاح المتحف، يعود الحديث بقوة عن صاحب الرؤية الأولى، عن الفنان الذى حلم ذات يوم بمكان يليق بتاريخ مصر، فصار الحلم واقعًا، وستظل جدران المتحف شاهدة على بصمته، تمامًا كما تشهد لوحاته على حسّه الإنسانى الرفيع.
وكم كان رائعًا أن يطل علينا فاروق حسنى في مستهل حفل افتتاح المتحف قائلًا: الآن أشعر بالرضا الوافر، الآن أشعر بالسعادة الغامرة، وغاية ما أتمنى أن يتمسك الجيل الذى رأى تلك الحالة الوطنية الاستثنائية بما لديه من أحلام، وأن يستظل بمفردات الهوية المصرية التي من دونها نتوه بين الأمم، وأن ينقل تلك الروح إلى ما بعده من أجيال قادمة، فبهم يتجدد شباب مصر، وبأحلامهم تظل دومًا سامقة.
في النهاية.. يبقى المتحف المصرى الكبير أيقونة الحضارة المصرية في العصر الحديث، ويبقى فاروق حسني أيقونته الأولى، فبريشته الفكرية وبصيرته الفنية أعاد رسم علاقة مصر بتاريخها، لتقف شامخة أمام العالم، وهي تقول للعصر كله: "أنا مصر.. أتكلم عن نفسى بالجمال."
إقرأ أيضا .. حازم فتح الله.. فنان لا يرحل


شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







