حكايات| «فاروق حسني».. الفنان الذي حوّل المتحف المصري الكبير إلى معجزة حضارية

حكايات| «فاروق حسني».. الفنان الذي حوّل المتحف المصري الكبير إلى معجزة حضارية

المتحف المصري الكبير تصوير : جان نجاح
المتحف المصري الكبير تصوير : جان نجاح


ليست كل الأحلام تولد من الهدوء، فبعضها يولد من الشرارة، من لحظة تحدٍ صغيرة تُشعل وهجًا لا يخبو، وهكذا كان حلم الفنان فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، الذي رأى في استفزازٍ أجنبيٍ عابرٍ دعوةً لولادة مشروع سيغيّر وجه الثقافة المصرية إلى الأبد "المتحف المصري الكبير".

من حوار في إحدى المدن الأوروبية خرجت فكرة، ومن فكرة وُلد حلم، ومن حلم تشكّل صرحٌ عالميّ يقف اليوم شامخًا عند سفح الأهرامات، ليؤكد أن مصر قد تكون نامية اقتصاديًا، لكنها عظمى ثقافيًا.

رحلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود بين الفكرة والإنجاز، بين الشغف والواقع، بين الإيمان والإصرار، كتب خلالها فاروق حسني فصلًا جديدًا في تاريخ مصر الثقافي، ليحوّل الحلم الشخصي إلى إنجاز وطنيّ باهر.

 من حلمٍ إلى مشروعٍ حضاريّ عالميّ

حين تولى فاروق حسني وزارة الثقافة عام 1987، لم يكن مجرد وزير تقليدي يعتني بالمؤسسات الثقافية، بل فنانًا يرى أن الثقافة هي درع الأمة وهويتها، أدرك أن مصر، رغم عظمتها الأثرية، تفتقد إلى متحف يليق بمكانتها كأقدم حضارة في التاريخ، فمتحف التحرير كان يضيق بكنوزه، وتراكم القطع داخله يحجب جمالها بدل أن يبرزه.

في تلك السنوات، كان حسني يتحدث دائمًا عن أن الثقافة ليست رفاهية، بل استثمار طويل المدى، وأن على مصر أن تُترجم عظمتها التاريخية إلى مشروع ملموس، لكن الشرارة التي أشعلت الحلم لم تكن داخل مصر، بل خارجها، حين وجّه إليه صديقٌ إيطالي سؤالًا بدا ساخرًا: "ماذا ستفعلون في مخزنكم الكبير؟" في إشارة إلى متحف المصري بالتحرير.

ذلك السؤال لم يمر مرور الكرام، بل أثار في داخله غضب الفنان وغيرة الوطني، فردّ بثقة:"سنُقيم أكبر متحف في العالم، في مصر!". 

وهكذا، وُلدت فكرة المتحف المصري الكبير من رحم الاستفزاز، لتتحول إلى مشروعٍ قوميّ، يُعيد صياغة علاقة مصر بحضارتها أمام العالم.

- مصر.. دولة عظمى ثقافيًا

كان فاروق حسني يؤمن بأن الحضارة المصرية لا تُقاس بعدد القطع الأثرية، بل بقدرتها على الإبهار والإلهام عبر العصور، ومن هذا الإيمان انطلقت فكرته أن المتحف الجديد يجب ألا يكون مجرد مبنى لعرض الآثار، بل منارة ثقافية عالمية تعيد تقديم مصر للعالم.

وقال في مذكراته: "مصر قد تكون دولة نامية اقتصادياً أو سياسياً، لكنها ثقافيًا دولة عظمى، ومن حقها أن تمتلك متحفًا عالميًا يليق بتاريخها"، هذا الإيمان العميق لم يكن شعارًا، بل منهج عملٍ استمر لأكثر من 25 عامًا من التخطيط والجهد والإصرار.

- لحظة المواجهة.. من فكرة إلى موافقة رئاسية

بعد عودته من أوروبا، توجّه فاروق حسني مباشرة إلى الرئيس الراحل حسني مبارك، وقال له: "يا ريس، نريد أن نبني أكبر متحف في العالم، يليق بمصر وتاريخها".

فنظر إليه الرئيس متسائلًا: "منين يا فاروق؟ هنجيب التمويل منين؟"

لكن الوزير الفنان لم يتراجع، بل قال بثقة: "التمويل سيأتي حين يرى العالم جدّيتنا، هذا المتحف ليس مشروعًا مصريًا فقط، بل رسالة حضارية للعالم".

أُعطى الضوء الأخضر، وبدأت رحلة البحث عن الأرض والتمويل والتصميم.

- رحلة في الرمال.. البحث عن المكان المقدّس

بدأت رحلة البحث عن الموقع المثالي، وكانت البداية في طريق الفيوم، لكنها لم تكن موفقة، حتى جاء اليوم الذي اصطحب فيه الرئيس مبارك والمشير طنطاوي الوزير فاروق حسني في جولة حول أهرامات الجيزة.

يصف حسني تلك اللحظة قائلاً: "حين بدت الأهرامات في الأفق، قال الرئيس: ما رأيك في هذه الأرض؟ فقلت فورًا: هذه هى، هنا يجب أن يكون المتحف" .

وهكذا، اختير الموقع ليكون بوابة الحضارة أمام الأهرامات، في تزاوج مدهش بين الماضي والحداثة، بين الفرعونية المعمارية والرؤية المعاصرة.

- من فكرة معمارية إلى مؤسسة ثقافية عالمية

لم يكن الهدف مجرد بناء متحف، بل إنشاء مؤسسة ثقافية اقتصادية تواكب متاحف العالم الكبرى كـ"اللوفر" و"المتروبوليتان".

تم تنظيم مسابقة معمارية عالمية بإشراف لجان دولية و"اليونسكو"، وفاز تصميمٍ يمزج بين الضوء والرمل والظل ليحاكي روح مصر القديمة، ويجعل الزائر يشعر بأنه يسير داخل قلب التاريخ نفسه.

قال فاروق حسني: "أردت للمتحف أن يكون رسالة، لا مبنى، مكانًا يشعر فيه الزائر أن الحضارة المصرية تتنفس حوله".

ولم تكن رؤيته مقتصرة على الجدران، بل امتدت إلى التفاصيل الدقيقة: قاعات تعليمية، ومراكز بحثية، وسينما، ومسرح، ومكتبة ضخمة، ليصبح المتحف مدينة ثقافية متكاملة.

- الدعم الدولي.. عندما اجتمعت الحضارات لخدمة مصر

بدأت مرحلة التمويل بدراسة الجدوى التي أعدّتها إيطاليا بتكلفة بلغت 5 ملايين دولار، واستمرت أربع سنوات، ثم جاءت اليابان لتقدّم دعمًا غير مسبوق بلغ 300 مليون دولار في شكل قرض ميسر.

قال حسني عن ذلك: "اليابانيون شعروا أن الحضارة المصرية أُم الحضارات، فتجاوبوا بدعمهم بلا تردد، الحضارات العظيمة تتعاطف مع بعضها البعض".

"كانت التكلفة المبدئية للمشروع قرابة مليار دولار، لكنها لم تكن عائقًا، لأن المشروع كان أكبر من مجرد رقم.. كان مشروع كرامة حضارية".

- رمسيس الثاني.. المسيرة التي حبست أنفاس العالم

من أكثر اللحظات إثارة في هذه الرحلة كانت نقل تمثال رمسيس الثاني من ميدانه في وسط القاهرة إلى موقع المتحف عام 2006، كانت العملية مغامرة كبرى تابعتها الأمة لحظة بلحظة، يقول حسني عنها: "ليلة النقل لم أنم، كنت أشاهد البث المباشر وأنا أرتجف من القلق، لو حدث أي خطأ، لكانت كارثة قومية، لكن التمثال وصل سالمًا وسط فرحة الملايين، ليرى الجميع رمز مصر الخالد يخطو نحو بيته الجديد في المتحف الكبير".

واختار فاروق حسني أن يُوضع التمثال في البهو الرئيسي للمتحف، ليكون أول ما يراه الزائر عند دخوله "ليستقبلك كملكٍ عائدٍ إلى عرشه"، كما وصفه.

- العلم والفن في خدمة التراث

ضمن فكرته، أصر فاروق حسني على إنشاء مركز ترميم عالمي المستوى داخل المتحف، مجهز بأحدث المعامل وأدق الأجهزة، كان يقول دائمًا: "الترميم ليس إصلاحًا، بل بعثٌ جديد للحضارة".

وهكذا، تم بناء أكبر مركز ترميم في الشرق الأوسط، افتُتح جزئيًا عام 2009، ليُصبح نواةً لأعمال صيانة آلاف القطع النادرة، بينها مقتنيات الملك توت عنخ آمون.

- الفن الذي قاوم الزمن

على مدار أكثر من عقدين، واجه المشروع تحديات مالية وسياسية، خاصة بعد عام 2011، لكن الفكرة لم تمت.

يقول فاروق حسني: "المشروعات الكبرى لا تموت، لأنها تُزرع في الأرض والوعي معًا" .

وحين تولى الرئيس عبدالفتاح السيسي رعاية المشروع بنفسه، عاد الحلم ليتنفس من جديد، بدأت فرق العمل المصرية واليابانية تُكمل المسيرة، حتى وصل المشروع إلى مراحله النهائية، ليُصبح المتحف على أعتاب افتتاحه التاريخي.

- أيقونة مصر الجديدة

اليوم، يقف المتحف المصري الكبير شامخًا على بوابة الجيزة، كتحفة معمارية تجمع بين عبق الماضي وروح المستقبل.

يضم المتحف أكثر من 100 ألف قطعة أثرية من مختلف العصور، بينها 5300 قطعة للملك توت عنخ آمون، تُعرض لأول مرة مكتملة في مكان واحد، لكنه في جوهره ليس مجرد متحف، بل حوار بين الزمان والمكان، بين الأجداد والأحفاد، بين الفن والتاريخ.

- فاروق حسني.. حين يصبح الحلم رسالة وطن

حين يسير الزائر اليوم بين أروقة المتحف الكبير، قد لا يعرف أن وراء هذا الصرح فنانًا حلم به من لحظة غضب، وآمن به رغم كل العقبات.

فاروق حسني لم يبنِ متحفًا فقط، بل ترك رسالة ثقافية خالدة تقول: "إن مصر لا تنام على أمجادها، بل تُعيد صياغتها لترويها من جديد ". 

وهو اليوم يرى حلمه واقفًا تحت شمس الجيزة، يقول بفخر: "كلما دخلت المتحف، شعرت أن الخيال قد أصبح حقيقة، وأن مصر ما زالت قادرة على أن تُبهر العالم كما فعلت منذ آلاف السنين ".

المتحف المصري الكبير ليس مجرد إنجاز عمراني، بل سيرة وطنٍ في هيئة صرحٍ ثقافيّ خالد، هو ترجمة عملية لفكرة أن الحضارة المصرية لا تُختزل في الماضي، بل تُصاغ باستمرار في الحاضر والمستقبل.

 اقرأ أيضا |فاروق حسني يقيم معرضاً فنياً بالمتحف المصري الكبير

وفاروق حسني، بفكره وفنه وإيمانه، أثبت أن الثقافة يمكن أن تبني اقتصادًا، وأن الجمال يمكن أن يكون مشروعًا وطنيًا، لقد بدأ الحلم بسؤالٍ ساخر، وانتهى بإجابةٍ تليق بعظمة مصر: "هذا هو المتحف المصري الكبير.. مرآة مصر للعالم، وحكاية فنانٍ آمن بأن الحلم إذا سُقي بالإصرار، لا بد أن يُثمر حضارة" .