حازم فتح الله.. فنان لا يرحل

لوحة للفنان محمد حازم فتح الله - ألوان مائية 1996
لوحة للفنان محمد حازم فتح الله - ألوان مائية 1996


الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله..

التحق بكلية الفنون الجميلة، ليبدأ رحلة علمية وإبداعية متميزة، انتهت بتعيينه معيدًا بقسم الجرافيك، ثم ترقيه فى مناصبها حتى أصبح عميدًا للكلية، ثم نائبًا لرئيس جامعة حلوان، إنه الفنان والأستاذ د. محمد حازم فتح الله (1944-2022)، أحد أعلام فن الجرافيك فى مصر، وأستاذ الأساتذة الذى جمع بين العشق للفن والثقافة، والإخلاص للبحث العلمى والتشكيلى، فكان مثالًا للفنان الأكاديمى الذى منح عمره للفن، بحثًا وتنقيبًا وإبداعًا.

تمر اليوم الذكرى الثالثة لرحيل حازم فتح الله الذى كان عاشقًا للفن والثقافة بكل تفاصيلهما، امتلك قدرة نادرة على الجمع بين الحس الجمالى والدقة العلمية، بين الأصالة والتجديد، وبين التواضع والصرامة الأكاديمية، أحب طلابه، وأحبوه، فكان لهم أستاذًا وقدوة وصديقًا، ترك فى نفوسهم أثرًا لا يُمحى.

نعم.. لقد رحل الجسد، لكن بقى الأثر، بقيت أعماله وشهاداته وسيرته شاهدة على مسيرة فنان ومُعلم كبير، وبقيت سيرته محفورة فى ذاكرة من عرفوه وعملوا معه.. فى ذكراه الثالثة، نستعيد صورته بابتسامته الهادئة، وصوته الواثق، وريشته التى لم تعرف يومًا التوقف عن البحث عن الجمال فى كل ما حولها.

اقرأ أيضًا | جولة «بوابة أخبار اليوم» في معرض الفنون التشكيلية «بحبك يا مصر»

دنيا الصحافة

كان حديثه يجمع بين عذوبة الذكريات وعمق الفكر، فتتمنى ألا يتوقف عن سرد حكاياته وأسراره مع دنيا الصحافة والفن، وبخاصة فى دار أخبار اليوم العريقة.. هناك، وبين أروقتها المضيئة بالمواهب، التقى وهو فى المرحلة الإعدادية بالعملاقين على ومصطفى أمين، ثم تعرف إلى كبار رساميها رخا، وبيكار، وصاروخان، وكنعان، الذين رأوا فيه ملامح فنان واعد، فاحتضنوه وشجعوه وفتحوا له أبواب فن الكاريكاتير، ليبدأ رحلته الأولى مع الريشة والحكاية.

فى فترة الستينيات، كان حازم فتح الله يخطّ بريشته طريقًا جديدًا فى عالم الكاريكاتير، حيث عمل رسّامًا بمجلة الجيل التى كانت تصدر عن أخبار اليوم، تحت رئاسة تحرير الكاتب الكبير أنيس منصور.. هناك، أبدع فى رسم صفحة أسبوعية، وأحيانًا صفحتين كاملتين، تزدان بعدة رسوم ساخرة تحمل روح الدعابة وعمق الفكرة معًا.

كان يمنح كل صفحة عنوانًا مميزًا يعكس فكرته وذكاءه الفنى، مثل: معركة الأرانب، آخر موضات الشعر، خروف العيد، أيام مذاكرة، هذا رأيى، بنينا السد.. عناوين بسيطة فى ظاهرها، لكنها كانت تحمل فى طياتها رؤية ناقدة وابتسامة واعية للحياة والمجتمع فى ذلك الزمن.

عمق فلسفى

رسم فتح الله لوحات عديدة كان الحصان بطلها الأوحد، إذ وجد فيه النسب والمعانى المثالية التى تعبّر عن القوة والجمال والحرية فى آنٍ واحد، وفى أعمال أخرى، جسّد الإنسان محاطًا بلفائف القماش كأنه أسير لمحبوبته أو لفكرته أو لذاته، فى رؤية رمزية تنطوى على عمق نفسى وفلسفى، كما ظهرت فى لوحاته الطيور والزهور والأشجار والقمر بضوئه الخافت، لتنسج معًا مشهدًا دراميًا شاعرًا، يفيض غموضًا وتأملًا وجمالًا خفيًا، كأن كل لوحة كانت مرآة لروحه وحواره المستمر مع أسرار الوجود.

وفى هذه اللوحة المميزة، التى رسمها عام 1996 بالألوان المائية، صوّر الحصان ساكنًا ثابتًا على شاطئ البحر الذى تمتزج ألوانه بألوان السماء، يتأمل سكون الأمواج وصمتها فى حضرة ضوء القمر الساحر، كأنه يبحث عن شىء ضاع منه أو عن معنى غامض يتراءى فى الأفق البعيد، وفى مقدمة اللوحة.. رسم شجرةً عاريةً وقد سقطت أوراقها وانحنى عودها، كأنها تشارك الحصان شروده، وتباريه فى صمته وتأمله، لوحة تنطق بالهدوء والحنين، وتعكس فلسفة الفنان فى رؤية الجماد حيًّا، والطبيعة ناطقة بالمشاعر.

الفن لا يموت

لم يغب حازم أبدًا عن ذاكرة من عرفوه أو تتلمذوا على يديه، بقيت ريشته تروى قصص الجمال، وبقى فكره حاضرًا فى قاعات الدرس وأروقة المعارض، شاهدًا على فنان منح حياته للفن والعلم والإبداع، ترك خلفه أعمالًا جرافيكية تحمل توقيعه المميز وملامح روحه الهادئة العميقة.

نستعيد حضوره المضىء دائمًا، ذلك الفنان الذى جمع بين الموهبة الأصيلة والرؤية الفلسفية، وبين الصدق الإنسانى والبحث الأكاديمى، وسيبقى اسمه محفورًا فى سجل فن الجرافيك المصرى، رمزًا للعطاء والخلود، ودليلًا على أن الفن الصادق لا يعرف الغياب.

إنه حقًا فنان لا يرحل، لأن الفن الحق لا يموت، ولأن من أحب الجمال بصدق، يبقى حاضرًا فى الوجدان مهما غاب عن الأعيان.