تستطيع هذه الأحداث أيضًا وطبيعة التفاعل معها إعطاء ملامح واضحة للشخصية المصرية وما تريده من الدولة المصرية التى أوكلتها لتدير شئون الحياة اليومية، وفى نفس الوقت تظل العلاقة بين النظام السياسى الحاكم والمصريين قائمة على عدد من المحددات ليتم تقدير مدى نجاح هذا النظام وقدرته فى الحفاظ على مقدرات الدولة.
يقدم علم السياسة الكثير من المحددات التى تحكم العلاقة بين النظم السياسية والشعوب والأمة المصرية بالتأكيد تدخل فى هذا النطاق من العلاقة لكن فى الحالة المصرية هناك عامل أساسى يجعل الأمة المصرية بكافة مكوناتها تشعر بالرضا على أداء النظام السياسى و تمكنه من الحفاظ على كيان الدولة.
وفق تاريخ مصر الممتد والأحداث المتتابعة وتكوين الشخصية المصرية يبقى على رأس أولويات الإنسان المصرى قدرة النظام السياسى على توفير الأمن وليس فقط توفير هذا الأمن بشكل ظاهرى لكن الوصول لدرجة الأمان الكامل والاستقرار فى الحياة اليومية.
واجهت الأمة المصرية صعاب وتحديات كثيرة على مدار تاريخها القديم والحديث من أول نيل استقلالها والتصدى لكافة القوى التى تريد السيطرة على قرارها أو قد تواجه تحولات اجتماعية حادة تغير فى بنية المجتمع أو تؤدى الحالة الاقتصادية لأزمات معيشية يعمل النظام السياسى على تلافيها والتغلب عليها يمكن لكل هذه المتغيرات والتحديات أن تتعامل معها الشخصية المصرية بصلابة شديدة وتنتصر على كافة المعوقات فى ظل شرط واحد أن يواجه الإنسان المصرى كافة الصعاب تحت مظلة الشعور بالأمن.
تشير دروس التاريخ المصرى والحاضر إلى هذه الحقيقة فى أن رابط النجاح فى العلاقة بين الشعب والنظام السياسى قدرته على إدارة حياة يومية مستقرة آمنة فلا يمكن للشخصية المصرية طوال تاريخها القبول بمناخ الفوضى وعدم الاستقرار مما يهدد طبيعة اليوم المصرى الطبيعى، قد توجد صعاب على أى مستوى آخر وتؤدى إلى الضيق والشكوى لكن يمكن للشخصية المصرية التغلب على كل هذه المصاعب نتيجة خبراتها العميقة فى التعامل مع الحياة، لكنها لن تتنازل عن إدارة أمنية منضبطة لليوم الذى تعيشه، يوم دون فوضى أو أضطراب سياسى واجتماعى.
عقب أحداث يناير وحتى قبلها بسنوات قليلة واجهت الأمة المصرية عواصف وأعاصير من الفوضى والاضطرابات وبدأت الشخصية المصرية تشعر بقلق شديد نتاج ظهور هذا العدو الذى تخشاه دائمًا، وهو الفوضى واليوم المضطرب بل أن الحقيقة الغائبة عن الكثيرين أو يغيبونها عن عمد أن حراك يناير كان هدفه الأول الخوف من تآكل الدولة التى تحفظ الأمن، وكان الحراك هدفه الأول العمل على استعادة مفهوم الدولة القوية من أجل عودة الأمن الذى بدأ المواطن المصرى يشعربأنه يتسرب من بين يديه.
لم يحقق حراك يناير هدفه بل على العكس تسللت الفاشية الإخوانية مستغلة أجواء الفوضى والاضطراب إلى السلطة لتعربد وتخلق المزيد والمزيد من الفوضى والانهيار الكامل لمفهوم الدولة والأمن الذى توفره،عندما استشعرالمصريون أنهم يواجهون خطرًا وجوديًا يهدد بفناء الأمة ذاتها وليس مصاعب أو أزمات معتادة يمكنهم التغلب عليها، هنا كان لابد للأمة المصرية التى استشعرت كارثية الخطر الوجودى أن تتحرك وتتصدى لأعدائها فى ثورة الـ 30 من يونيو.
أطاحت يونيو بالفاشية الإخوانية وما خلفته من فوضى وانهيار كامل فى مفهوم الدولة بل أن هذه الفاشية الظلامية سرعت بنهايتها عندما هددت الشخصية المصرية فى أقدس ما تحافظ عليه وهو أمنها واستقرارها ومسار يومها الطبيعى المسالم.
رغم الإطاحة بالفاشية الإخوانية إلا أنها لم تستسلم بسهولة مدفوعة بمساندة قوى استعمارية وإقليمية تابعة لهذا الاستعمار، شنت الفاشية الإخوانية هجمة إرهابية على الأمة المصرية هى الأشرس فى التاريخ المصرى القديم والحديث وتصدى هذا الشعب وطليعته من القوات المسلحة والشرطة لهذه الهجمة ببسالة معتبرًا أنها معركة ضمن معارك خاضتها هذه الأمة على مدار تاريخها ووجب فيها الانتصار وتحقق هذا الانتصار بتضحيات وأرواح ودماء أبناء هذا الشعب والرجال الأبطال من القوات المسلحة والشرطة.
تم دحر الإرهاب الأسود وتفتتت الفاشية الإخوانية وتشتتت هاربة إلى ملاجئ الاستعمار ولم تعد تملك سوى النباح وهى مختبئة تحت أقدام أسيادها المستعمرين.
مضى أكثر من عقد على ساعات الفوضى المخيفة و وفزع الاضطراب و خرست أصوات طلقات الرصاص وتلاشى دوى الانفجارات فى كل ربوع مصر الطيبة وعدنا جميعًا إلى يومنا الطبيعى المسالم نتحرك بحرية تحت مظلة الأمن الذى عاد والدولة التى ترعاه وتحافظ عليه.
عدنا لنواجه أزماتنا وهى أزمات حقيقية نعمل جميعًا على الخروج منها شعبًا وحكومة وكحق طبيعى نشكو من تقصير وتأخر حل أزمة ما أو ننتقد بلا توقف سوء الإدارة هنا أو هناك ويمكن متابعة ممارسة هذا الحق الطبيعى فى هايد بارك المصريين أو وسائط السوشيال ميديا التى لا تتوقف ليل أو نهار عن استخدام كامل حريتها فى توجيه هذه الانتقادات أو كشف القصور بل أصبحت هذه الوسائط وسيلة مؤثرة للتفاعل بين المواطنين والإدارة لحل المشكلات الحياتية واليومية
وسط هذا التفاعل والانتقاد والذى يصل أحيانًا إلى حد الغضب وبحكم النسيان أو التناسى، لا ننظر إلى أعلى، إلى المظلة التى تسمح لنا بممارسة حقنا الطبيعى بكل أريحية، مظلة الأمن التى دفعنا فيها الكثير والغالى من التضحيات ولا نتذكر أننا أعدنا بالثورة والدماء والأرواح مفهوم الدولة القوية هذه الدولة التى تحافظ فى كل لحظة وترعى المظلة الأمنية التى تعطينا يومًا طبيعيًا مسالمًا نعيشه وتمدنا باستقرار دائم حاربنا لعقد كامل من أجل عودته إلى حياتنا.
أثناء حالة النسيان أو التناسى جاء زائر إلى مصر ومعه كل العالم فى حدث ما كان يحدث إلا فى ظل دولة قوية آمنة وأمة صلبة فى مواقفها ومبادئها هذا الزائر هو الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، رغم أن مسارات الحدث السياسى أو مؤتمر السلام بمدينة شرم الشيخ الذى حضره الرئيس الأمريكى بعيد إلى حد كبير عن قصة نضالنا من أجل استعادة دولتنا وأمننا خلال عقد إلا أن الزائر الأمريكى وفى تصريحات متوالية لا تتوقف أثارت الدهشة فى الداخل المصرى قبل الخارج.
كانت تصريحاته تدور حول مقارنات يجريها بين الحالة الأمنية فى مصر والولايات المتحدة لصالح بلدنا كانت تذكيرًا مباشرًا بما صنعناه وحققناه من انجاز وبفعل الزمن نسيناه أو تناسيناه، ذكرنا دونالد ترامب من خلال تصريحاته بأن ننظر لأعلى للمظلة الأمنية فوقنا ونتطلع إلى الدولة القوية التى تحافظ عليها وترعاها.
بالتأكيد لم يكن حديث دونالد ترامب قائمًا على المجاملة وهو أكثر رؤساء الولايات المتحدة انفلاتًا فى تصريحاته العدائية والتى تسبب العديد من الأزمات وهو سياسى على عكس كل السياسيين لا يعرف لغة الدبلوماسية الناعمة بل أن تصريحاته الخاصة بحالة الأمن فى مصرتحولت كعادته إلى نقد لاذع موجه إلى حكام الولايات الأمريكية المنفلتة أمنيًا وطالبهم بأداء عملهم والأقتداء بالأسلوب المصرى فى إقرار الأمن
عندما يدلى رئيس الولايات المتحدة بهذه التصريحات المقارنة والواضحة بأن المنظومة الأمنية المصرية أفضل من الأمن فى بلاده وهى القوة الأعظم فى العالم فهذا التفضيل لا يأتى من فراغ بل نتاج أمرين أولا الحقائق التى وصلت إليه عن طريق أجهزته المعلوماتية ومراكز الأبحاث وعلى رأسها مؤسسة هيرتتج التى تدعمه و تقدم خططا حول جعل أمريكا آمنة من جديد وسواء كانت أجهزته المعلوماتية أو مراكز الأبحاث فهى تقدم فى الوقت الحالى للرئيس الأمريكى نماذج من أفضل وأنجح النظم الأمنية المطبقة فى العالم خاصة فى الدول الكبرى كثيفة السكان مثل مصر.
الأمر الثانى يتعلق بالوضع الأمريكى الداخلى ومن أجل هذا الوضع يتم البحث والمقارنة مع النظم الأمنية الأخرى فرهان دونالد ترامب وعودته الثانية إلى البيت الأبيض كان قائمًا على استعادة أمريكا الآمنة وهو ما يتخذه حاليًا من قرارات لم تشهدها الولايات المتحدة من قبل وهى استخدام الحرس الوطنى أو الجيش فى مكافحة الجريمة فى الداخل الأمريكى وعلى رأس هذا العاصمة واشنطن.
تمر الولايات المتحدة حاليًا بظروف أمنية غاية فى السوء استدعت نزول الجيش، تواجه الولايات المتحدة إرهابًا سياسيًا داخليًا هو الأشرس فى تاريخها فعدد السياسيين والشخصيات العامة والاقتصاديين الذين أغتيلوا خلال فترة وجيزة غير مسبوق بل أن دونالد ترامب نفسه تعرض لمحاولتي اغتيال وخلال هذا الأسبوع كشف مكتب التحقيقات الفيدرالى الأمريكى عن محاولة ثالثة لأغتياله فى فلوريدا.
أما الجرائم الجنائية وتجارة المخدرات فى الولايات المتحدة فقد زادت نسبتها بدرجة تهدد استقرار ووجود المجتمع الأمريكى نفسه وتحول مخدر الفينتانيل إلى وباء وأصبحت هناك مدن أمريكية يطلق عليها مدن الزومبى بسبب انتشار المدمنين فى شوارعها بشكل مخيف.
أمام هذا الوضع الأمنى الأمريكى المأساوى سواء على مستوى الإرهاب الداخلى والجرائم الجنائية ووباء الفينتانيل كانت مقارنة ترامب بين الحالة الأمنية المتردية فى بلاده والانضباط الأمنى فى مصر لدرجة أنه ذكر وقائع محددة تتعلق بمدى الأمان فى الشارع المصرى وعدم تعرض المواطنين للسرقة كما يحدث فى الولايات المتحدة.
كانت تصريحات الرئيس الأمريكى تشير بلا جدال إلى حقائق تتعلق بالمنظومة الأمنية المصرية لكن الأهم أنها جاءت فى وقت لتذكرنا نحن بحقيقة نعيشها وهى نعمة الأمن والدولة القوية المحافظة عليها والتى أحيانا بسب عامل الزمن أو الاعتياد عليها قد ننساها قد نتناساها.
حتى الأحلام تتغير
تجار الدين والحرب.. رؤساء وملالي
محمد هاشم يكتب: الأمن الرقمي







