أوروبا.. الاتجاه لليمين المتطرف والبداية من لندن

تومى روبنسون - جانب من مظاهرات اليمين المتطرف
تومى روبنسون - جانب من مظاهرات اليمين المتطرف


أعاد تومى روبنسون، الناشط اليمينى المتطرف فى بريطانيا، من جديد تسليط الضوء على قضية الهجرة والهوية الوطنية بعد تنظيمه مظاهرة ضخمة فى العاصمة البريطانية لندن.

وقد جذبت هذه المظاهرة التى رفعت شعار «توحيد المملكة» أكثر من 150 ألف مشارك بحسب تقديرات الشرطة، وهو رقم يعكس قوة الحشد التى يملكها الرجل وشبكته الواسعة من الأنصار.

فى المقابل، لم يتجاوز عدد المشاركين فى المظاهرة المناهضة للعنصرية سوى 5 آلاف شخص، وهو فارق كبير يطرح أسئلة حول توازن القوى فى الشارع البريطانى اليوم.

اقرأ أيضًا| «جلوبال ريسيرش»: سيناريوهان لا ثالث لهمــا لإنهاء الحرب الأوكرانية

وأظهر العدد الضخم فى مسيرة روبنسون، والتى تمثل أكبر مسيرة لليمين المتطرف فى تاريخ بريطانيا، أن خطابه يجد صدى لدى فئات واسعة من المجتمع.
وقد تحدث المشاركون بغضب عن السياسات الحكومية تجاه الهجرة واللجوء، وعن شعور بأن حقوق المواطنين البريطانيين مهملة مقارنة بما يحصل عليه القادمون الجدد.

والقضية الثانية التى برزت بوضوح هى الدفاع عن الهوية البريطانية، فكثير من المتظاهرين تحدثوا عن قلقهم من أن التعددية الثقافية تذيب الخصوصية الوطنية وتضع القيم التقليدية فى مواجهة التغيير المستمر.

أما النقطة الثالثة فهى حرية التعبير حيث يصر أنصار روبنسون على أن الإعلام والنخبة السياسية يتعمدان إسكات أصواتهم، ويعتبرون أنفسهم مظلومين حين يُوصمون بالعنصرية أو الكراهية لمجرد التعبير عن قلقهم، ويمنحهم هذا الخطاب إحساساً بأنهم يدافعون عن حق أساسي، وهو ما يجعلهم أكثر استعداداً للنزول إلى الشارع بأعداد كبيرة.

لكن هذه المظاهرات لم تمر دون انتقادات حادة حيث اعتبرت منظمات حقوقية وسياسية أن الخطاب الذى يطرحه روبنسون يتجاوز حرية التعبير ليصل إلى التحريض ضد المسلمين والمهاجرين.

اقرأ أيضًا| ميدفيديف يهاجم خطة مجلس أوروبا لـ«تعويض أوكرانيا».. ويحذر بأن «رد روسيا الحازم قادم»

وكان الجانب الأمنى بارزاً أيضاً فى المسيرة حيث انتشر الآلاف من عناصر الشرطة فى لندن لتأمين المظاهرة وتفادى الاحتكاكات بين الطرفين، ورغم الإجراءات، وقعت بعض التوترات، وقد طرح هذا المشهد مسألة التكلفة الباهظة التى تتحملها الدولة فى كل مرة يقرر فيها روبنسون وأنصاره النزول إلى الشارع.

فى المقابل، بدت المظاهرة المضادة ضعيفة من حيث العدد والتأثير حيث شارك 5 آلاف شخص فقط فى مسيرة «قفوا ضد العنصرية»، وهو رقم هزيل إذا ما قورن بالحشد الضخم الذى جمعه روبنسون، وربما تعكس هذه الفجوة العددية تراجع قدرة الحركات المناهضة لليمين على تعبئة الشارع، أو على الأقل تعكس غياب الحماسة لدى جزء من المجتمع البريطانى لمواجهة هذا الخطاب فى الساحات العامة.

ولفهم ما جرى فى لندن، لا بد من النظر إلى السياق الأوروبى الأوسع، فخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت أصوات اليمين المتطرف فى أكثر من بلد، ففى فرنسا، مارين لوبان وحزبها يواصلان تحقيق تقدم فى الانتخابات ويقتربون من السلطة.

وفى إيطاليا، تقود جورجيا ميلونى حكومة ببرنامج يركز على الهوية الوطنية ورفض الهجرة غير النظامية، وفى ألمانيا، حزب «البديل من أجل ألمانيا» حقق اختراقات مهمة فى الولايات الشرقية، وفى دول

مثل المجر وبولندا، أصبحت الحكومات نفسها تتبنى خطاباً قومياً صارماً فى مواجهة بروكسل والمهاجرين. هذا الصعود لا ينفصل عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتى تشمل أزمة اللاجئين عام 2015، وتبعات جائحة كورونا، والحرب فى أوكرانيا كلها أحداث غذت مشاعر القلق وعدم اليقين فباتت قطاعات واسعة من الأوروبيين ترى فى الهجرة تهديداً مباشراً للوظائف والخدمات العامة والأمن، وهذه المخاوف تمنح الحركات اليمينية أرضية خصبة للتوسع والتأثير.

اقرأ أيضًا| سفير فلسطين لدى روسيا: إسرائيل بدأت تفقد أرضيتها تدريجيًا في أوروبا

وفى بريطانيا، يتقاطع هذا المناخ مع خصوصيات محلية ذلك أن ملف الخروج من الاتحاد الأوروبى كان أساساً مبنياً على استعادة السيطرة على الحدود، لكن بعد سنوات من البريكست لا يزال البريطانيون يرون قوارب المهاجرين تعبر القناة بشكل يومي.

وهذا الشعور بالفشل السياسى يغذى خطاب روبنسون الذى يقدّم نفسه بديلاً عن النخب العاجزة؛ لذلك لم يكن مفاجئاً أن يحشد هذا العدد الكبير فى مظاهرة واحدة.

الفارق الكبير بين مظاهرة روبنسون والمظاهرة المضادة يوضح أن اليمين يعرف كيف يخاطب المخاوف المباشرة للناس، فبينما خطاب مناهضة العنصرية يبدو نظرياً أو بعيداً عن الأولويات اليومية، نجد خطاب روبنسون يربط بين الهجرة وبين أزمات السكن والوظائف والأمن، مما يجعله أكثر تأثيراً فى الشارع، وهذا لا يعنى أن الجميع يوافقونه، لكنه يملك قدرة أكبر على استثمار اللحظة السياسية.

من النتائج المحتملة لهذه الموجة أن تضطر الأحزاب التقليدية إلى التحرك، وفى أوروبا رأينا أحزاب اليمين المعتدل تتبنى مواقف أكثر صرامة تجاه الهجرة لتفادى خسارة الناخبين لصالح اليمين المتطرف.

وفى بريطانيا قد نشهد مساراً مشابهاً، حيث ستسعى الحكومة والمعارضة إلى تقديم حلول أكثر حزماً لإرضاء الشارع الغاضب، لكن هذا قد يعمق الانقسام بدلاً من حله، لأن مواجهة المشكلة بخطاب متشدد قد تعطى مزيداً من الشرعية لخطاب روبنسون نفسه.

وتكمن الخطورة فى أن هذه المظاهرات لا تبقى محصورة فى لندن فقط، بل تعطى زخماً لحركات مشابهة فى مدن بريطانية أخرى، كما أنها تشجع أنصار اليمين فى أوروبا على المضى قدماً، ويستغل الإعلام اليمينى العابر للحدود هذه المشاهد لتأكيد رواية تقول إن الشعوب بدأت «تستعيد السيطرة» على مصيرها.

لكن الواقع أكثر تعقيداً، فبريطانيا كغيرها من الدول الأوروبية تعتمد على المهاجرين فى قطاعات حيوية مثل الصحة والبناء والخدمات، وأى سياسة إقصائية صارمة قد تخلق مشكلات اقتصادية واجتماعية جديدة. وفى الوقت ذاته، استمرار تجاهل مخاوف المواطنين قد يمنح اليمين مساحة أكبر للنمو، وهذا التوازن الصعب هو ما يجعل قضية مظاهرات روبنسون أكبر من مجرد حدث محلي.

فى النهاية، ما جرى فى لندن هو انعكاس لصراع أوسع يعيشه الغرب اليوم بين من يدافع عن الانفتاح والتعددية، ومن يخشى ضياع الهوية والأمن، وبين من يرى فى الهجرة فرصة، ومن يعتبرها تهديداً وجودياً.

لقد كانت مظاهرة روبنسون قوية من حيث العدد والرمزية، والمظاهرة المناهضة بدت ضعيفة ومحدودة، مما يعكس موازين القوى الحالية فى الشارع. لكن المعركة لم تُحسم بعد، لأن السؤال الأكبر يبقى قائماً وهو كيف ستوازن بريطانيا وأوروبا بين حماية القيم الديمقراطية والحقوقية، وبين الاستجابة لمخاوف شعوبها التى تتجه شيئاً فشيئاً نحو اليمين؟