أوكرانيا.. ضمانات أوروبية مع مخاوف من التورط فى الحرب

الرئيس الفرنسى ماكرون ونظيره الأوكرانى زيلينسكى
الرئيس الفرنسى ماكرون ونظيره الأوكرانى زيلينسكى


اتجهت الأنظار يوم الخميس الماضى إلى العاصمة الفرنسية باريس، حيث سعى تحالف الراغبين بقيادة فرنسا وبريطانيا إلى تحويل الدعم الأوروبى المُشتت لأوكرانيا إلى دعم أكثر تماسكًا بهدف ردع روسيا بعد الحرب وسد الفجوة التى يتركها الغموض الأمريكى.

وبحث الاجتماع، الذى شارك فيه الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون ونظيره الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى وقادة أوروبيون بارزون مثل: رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ـ بحث ـ صياغة حزمة من الضمانات الأمنية التى يمكن الاتفاق عليها مبدئيًا والبناء عليها لاحقًا، وحضر ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، اجتماع باريس فيما شارك العديد من القادة الأوروبيين الأعضاء فى تحالف الراغبين فى الاجتماع عبر الفيديو.

اقرأ أيضًا| مستشارة الاتحاد الأوروبي: مفاوضات موسكو وكييف معقدة

ويضم تحالف الراغبين نحو 30 دولة معظمها أوروبية، وقد نشأ كصيغة خارج الأطر الرسمية بهدف تسريع قرارات الدعم العسكرى والأمنى لكييف، ويقود هذا المسار كل من: فرنسا وبريطانيا منذ مطلع العام فى محاولة لبلورة التزامات قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن بطء الإجماع فى حلف الأطلسى.. كما جاءت هذه الصيغة أيضًا كردّ على تقلبات الموقف الأمريكى، إذ يسعى الأوروبيون إلى وضع خطة قابلة للتنفيذ سواء انخرطت واشنطن بشكل مباشر أو اكتفت بدور سياسى محدود.. وقد اتصل ترامب، الذى لا يزال يعتقد بإمكانية التوصل إلى اتفاق، هاتفيًا مع حلفائه الغربيين بعد القمة.. وأشار الرئيس الأمريكى إلى استعداده لمساعدة أوكرانيا «على الأرجح» بدعم جوى قد يشمل: المساعدة فى الدفاع الجوى أو الاستخبارات.

ومن جانبه، أكد رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر أن تحالف الراغبين لديهم «تعهد راسخ» تجاه أوكرانيا، وهو تعهد تدعمه الولايات المتحدة، وعليهم الآن الضغط على روسيا لإنهاء الحرب فى أوكرانيا.. وحذّر ستارمر من أنه لا يمكن الوثوق بالرئيس الروسى فلاديمير بوتين، إذ يواصل تأجيل محادثات السلام، فى الوقت الذى يواصل فيه الحرب الشاملة المستمرة منذ 40 شهرًا.. وقد خرج اجتماع الخميس بإعلان مبادئ يحدد عناصر السلة الأمنية أو الضمانات اللازمة لأمن أوكرانيا.

ومن أبرز هذه الضمانات: تعزيز الجيش الأوكرانى على المدى الطويل وفق احتياجات كييف، وذلك عبر استمرار تزويدها بالمعدات العسكرية وتقديم الدعم المالى. ويحظى هذا البند بإجماع من جانب حلفاء أوكرانيا.

والضمانة الثانية هى: نشر قوات من دول التحالف داخل الأراضى الأوكرانية، ولكنهم لن يتمركزوا فى الخطوط الأمامية، بل سيؤدون مهام التدريب وإزالة الألغام وتأمين الممرات اللوجستية وتشغيل الدفاعات.

غير أن هذه الضمانة لا تحظى بإجماع أوروبى، حيث تعارضها إيطاليا وألمانيا خشية انزلاق الأمور إلى مواجهة مباشرة بين القوات الأوروبية والروسية، كما كانت واشنطن قد استبعدت ـ خلال اللقاء الذى عُقد فى 18 أغسطس الماضى بين ترامب وزعماء أوروبيين فى البيت الأبيض ـ إرسال قوات برية أمريكية إلى أوكرانيا، لكنها لم تستبعد احتمال تقديم دعم جوى فى المستقبل، من دون أن تحدد شكله أو مداه.

اقرأ أيضًا| خطة أمريكية ـ إسرائيلية لممارسة ضغوط للإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين

وأما الضمانة الثالثة فهى تأمين المجال الجوى الأوكرانى، حيث برزت فكرة المظلة الدفاعية الجوية كأولوية قصوى، إذ تحتاج أوكرانيا بشكل عاجل إلى شبكة دفاع جوى متكاملة تربط بين أنظمة باتريوت وسامب/تى وناسامز وإيريس- تى، مع ضمان توافر الذخائر وقطع الغيار عبر تمويل متعدد الأطراف، وقد أكد زيلينسكى مرارًا أنّ هذه المظلة تشكل الضمانة الأهم بالنسبة لأوكرانيا فى المرحلة الراهنة.. والضمانة الرابعة هى تطهير البحر الأسود من الألغام.. وذلك أمر حيوى بالنسبة لأوكرانيا، لأنه يساعد على إبقاء الأسطول الروسى تحت السيطرة، ويسمح بتدفق السفن التجارية، وفى مقدمتها: الأوكرانية التى تحتاج إلى ممر آمن لتصدير منتجاتها، خصوصاً الحبوب.

وعنصر آخر من عناصر السلة الأمنية هو التدريب العسكرى، ورغم أن برامج التدريب الأوروبية والبريطانية والأمريكية مستمرة منذ سنوات، إلا أن النقاش اتجه نحو إنشاء برنامج تدريبى مُوحّد طويل الأمد، مع بحث إمكانية عودة جزء من النشاط التدريبى إلى داخل الأراضى الأوكرانية تحت إشراف أوروبى وحماياتٍ خاصة.

وكان الشق الصناعى والتسليحى حاضراً بقوة فى أجندة الضمانات، إذ تسعى الدول الأوروبية إلى تمويل مشروعات تصنيع مشتركة للأسلحة والذخائر، سواء داخل أوكرانيا أو فى دول مجاورة لها، والهدف هنا هو بناء قدرة مستدامة تسمح لكييف بالاعتماد على نفسها تدريجيًا فى توفير الذخائر والمُسيّرات والصواريخ، بدلاً من بقائها رهينة موجات الدعم.

ويترافق ذلك مع تعهداتٍ تمويلية متعددة السنوات، تستند إلى ما أقرته مجموعة السبع فى قمة فيلنيوس عام 2023 وما تلاها من قمم، بحيث تضمن توريد الأسلحة والدعم الاقتصادى والإنسانى بشكل مُستدام، وهذه التعهدات لا تمنح أوكرانيا المظلة الأطلسية، لكنها تُنشئ قدرة ردع ذات مصداقية.

من بين العناصر الأخرى التى طُرحت مبدأ التشاور السريع فى حال تعرّض أوكرانيا لهجوم جديد، بما يتيح نشر مساعداتٍ محددة بسرعة وفق قوائم مُعدة سلفًا، تشمل: الدفاع الجوى والذخائر والاستخبارات، لكن دون التزام بإرسال قوات قتالية، وهذا النموذج مُستوحى من الاتفاق الأمنى الأمريكى- الأوكرانى المُوقع فى يونيو 2024، والذى أرسى آلية تشاور عاجلة ضمن إطار ثنائى.

وتوقيت هذا الحراك الأوروبى ليس منفصلًا عن مسارين متوازيين: الأول هو المفاوضات المُحتملة برعاية أمريكية للتوصل إلى وقف الحرب، والثانى هو بناء بنية ما بعد الحرب بما يمنع موسكو من استغلال أى وقف لإطلاق النار لإعادة التسلح وشن جولة جديدة، ومن هذا المنطلق ينظر الأوروبيون إلى قوة ردع مشتركة باعتبارها شرطًا لأى سلام مُستدام.

من جهة أخرى، تبقى عضوية أوكرانيا فى الناتو الهدف الاستراتيجى الأكبر بالنسبة لكييف، غير أن الدول الأوروبية تؤكد أن الضمانات المطروحة حاليًا ليست بديلة عن العضوية الأطلسية، وإنما ترتيبات مكمّلة فى انتظار ذلك.. وقد نص الإعلان المرجعى لمجموعة السبع فى فيلنيوس بوضوح على هذا التمييز، إذ أكد أن الضمانات الأمنية ليست معاهدات دفاع مُتبادل، بل ترتيبات دعم عسكرى واقتصادى طويل الأمد.

وبعد أن تم إعلان مبادئ العناصر الأمنية، سيناط بفرق عمل لاحقًا وضع النصوص التفصيلية وربطها بآليات التمويل الأوروبية القائمة مثل: صندوق السلام الأوروبى والميزانيات الوطنية، إضافة إلى استخدام العوائد المُتوقعة من الأصول الروسية المجمّدة.

وهناك أيضًا التفاوت فى المواقف الأوروبية، إذ تتحفظ بعض العواصم على خطوات متقدمة خشية انجرار مباشر إلى الصراع.

أما على المستوى الدولى، فيظل الارتباط بالموقف الأمريكى حاسمًا، سواء من حيث التمويل أو من حيث المسار التفاوضى مع روسيا.

والصورة المُتوقعة خلال العامين المقبلين إذا تم تثبيت هذه الترتيبات هى شبكة دفاع جوى أكثر صلابة تحمى سماء أوكرانيا، وقوة بشرية أفضل تدريبًا، وقدرة صناعية متنامية لإنتاج الذخائر والمُسيّرات والصواريخ، إضافة إلى قنوات تشاور وتشغيل سريع تسمح بتدفق الدعم خلال ساعات فى حال أى تصعيد مفاجئ.
ولا شك أن هذه العناصر لا تعوض مظلة الناتو، لكنها قد تردع جولة جديدة من الحرب وتمنح كييف فرصة أوسع لإعادة البناء.

وبذلك يمكن القول: إن تحالف الراغبين سعى من خلال اجتماع الخميس إلى الانتقال من مرحلة الوعود المفتوحة إلى مرحلة بناء هندسة ردع واضحة المعالم، تتدرج من الدفاع الجوى إلى التصنيع العسكرى، مرورًا بالتدريب والتشاور السريع، بما يمنح أوكرانيا مظلة عملية وإن لم ترقَ بعد إلى مستوى مظلة المعاهدة الأطلسية.