فى غزة، حيث تتطاير الأجساد إلى السماء أشلاء، يولد الصحفى وهو يعرف أن قلمه قد يتحوّل إلى شهادة ميلاد للموت. منذ أكتوبر 2023، حين بدأت المذبحة التى تجاوزت يومها الـ 677، صار كل صحفى يعيش على حافة الشهادة.
أنس الشريف، لم يكن مجرّد مراسل يحمل كاميرا ودفترًا، بل نافذةً نطل منها على جرح الأرض، ونسمع عبرها عويل الأطفال فى القطاع المكلوم. كان قلبًا يضخ الحقيقة فى وجه العاصفة، يكتب وصيته بما تبقى له من أنفاس، واضعًا فلسطين فى قلب الجملة، وقلبه فى نهاية السطر.
الصحفيون فى غزة ليسوا شهودًا محايدين، بل محاربون بلا دروع، يقفون بين لهب القذائف ودخان دمارها، ليمسكوا الحقيقة قبل أن تختنق. كل صورة يلتقطونها محاولة لإنقاذ لحظة من الاندثار، وكل كلمة يسطرونها جدارٌ أخير أمام محو الذاكرة.. لكنهم يعرفون، كما عرف أنس، أن الاحتلال لا يطيق عدسةً حرة ولا حرفًا بلا قيود، وأن الكاميرا قد تُستهدف كما يُستهدف طفل يحمل رغيفًا فى يده؛ فمنذ بداية العدوان، وثّقت المؤسسات الحقوقية مقتل أكثر من 140 صحفيًا، كثير منهم استُهدف عمدًا.
أنس لم يكن وحيدًا فى رحيله، فقبله ارتحل العشرات من رفاق المهنة، يتساقطون كأوراق الخريف فى نهر الدم الفلسطينى، لكنهم حين يسقطون، يزرعون فى الأرض جذورًا للحقيقة لا تُقتلع.
غزة صارت مقبرةً للأجساد ومتحفًا للصور التى التقطها أصحابها بأعين مفتوحة على النهاية. الصحفى هنا لا يختبئ خلف الخبر، بل يندمج فيه حتى يصير جزءًا من حكايته، يكتب وهو يسمع وقع القصف أقرب من دقات قلبه، ويصوّر وهو يعرف أن الصورة قد تكون الأخيرة.
استشهاد أنس الشريف ليس خاتمة لقصة فرد، بل فصل جديد فى رواية شعب كامل، يكتبها من عاشوا تحت القصف ومن رحلوا بسببه.. رحل وهو يوصينا بفلسطين، ويُحمّلنا أمانة الحلم، ويذكّرنا أن الحرية لا تأتى على أقدامٍ وديعة، بل تُنتزع من بين أنياب الاحتلال الوحشى.
فى غزة، الصحفى لا يبحث عن الشهرة، بل عن شبرٍ من الحقيقة ينجو من المجزرة، عن جملة واحدة تبقى بعد أن يصمت كل شيء.. صحفيو غزة هم أصوات الندى فى فجرٍ ملوث بالدخان، ودموع الشمس حين تغيب خلف الركام.. بعد رحيل أنس، صار صوته فى آذاننا يهمس: «أوصيكم بفلسطين، درةَ تاجِ المسلمين، ونبضَ قلبِ كلِّ حرٍّ فى هذا العالم».

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







