أساطير مخابراتية زائفة

إيهاب فتحى
إيهاب فتحى


‭ ‬الاختراق‭ ‬الذى‭ ‬حققته‭ ‬أجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬فى‭ ‬الداخل‭ ‬الإيرانى‭ ‬أصاب‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تابعه‭ ‬بالدهشة‭ ‬سواء‭ ‬أصدقاء‭ ‬أو‭ ‬أعداء‭ ‬نظام‭ ‬إيران‭ ‬بسبب‭ ‬حجم‭ ‬هذا‭ ‬الاختراق‭ ‬الاستخباراتى‭ ‬ودقته‭. ‬

أعطت‭ ‬هذه‭ ‬الدهشة‭ ‬انطباعات‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تمتلك‭ ‬جهازًا‭ ‬للاستخبارات‭ ‬الخارجية‭ " ‬الموساد‭ " ‬فوق‭ ‬الفعل‭ ‬البشرى‭ ‬وقادر‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬الأساطير،‭ ‬لكن‭ ‬مراجعة‭ ‬الحقائق‭  ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬تاريخ‭ ‬هذا‭ ‬الجهاز‭ ‬ونشاطه‭ ‬منذ‭ ‬تأسيسه‭ ‬مع‭ ‬مقارنته‭ ‬بعمليات‭ ‬أجهزة‭ ‬استخباراتية‭ ‬أخرى‭ ‬تؤكد‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬جهاز‭ ‬استخباراتى‭ ‬نكساته‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬نجاحاته‭ ‬وكل‭ ‬مايروج‭ ‬له‭ ‬مجرد‭ ‬أساطير‭ ‬زائفة‭ ‬تغذيها‭ ‬الدعاية‭ ‬السوداء‭. ‬

يأتى‭ ‬الاختراق‭ ‬الأخير‭ ‬والناجح‭  ‬للداخل‭ ‬الإيرانى‭ ‬ومن‭ ‬قبله‭ ‬لذراع‭ ‬نظام‭ ‬إيران‭ ‬فى‭ ‬لبنان‭ ‬ميليشيا‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬ليعطى‭ ‬تأكيدًا‭ ‬للأسطورة‭ ‬الزائفة‭ ‬حول‭ ‬مهارة‭ ‬هذا‭ ‬الجهاز‭ ‬والعاملين‭ ‬به‭ ‬وينفى‭ ‬عنه‭ ‬الفشل،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬سؤالا‭ ‬ملحًا‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬المتابع‭ ‬المندهش‭ ‬لماذا‭ ‬تحقق‭ ‬إسرائيل‭ ‬وجهازها‭ ‬الاستخباراتى‭ ‬هذه‭ ‬الاختراقات‭ ‬الناجحة‭ ‬ضد‭ ‬النظام‭ ‬الإيرانى‭ ‬وأذرعه‭ ‬فقط‭  ‬ونجد‭ ‬الفشل‭ ‬يطاردها‭ ‬فى‭ ‬أغلب‭ ‬عملياتها‭ ‬الأخرى؟‭  ‬

قبل‭ ‬الإجابة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يمكن‭ ‬لأى‭ ‬متابع‭ ‬مندهش‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬شبكة‭ ‬المعلومات‭ ‬وسيجد‭ ‬الشبكة‭ ‬مكتظة‭ ‬بإخفاقات‭ ‬الجهاز‭ ‬‮«‬‭ ‬الرهيب‮»‬‭ ‬وهى‭ ‬معلومات‭ ‬ليست‭ ‬سرية‭ ‬أو‭ ‬صعب‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬لأن‭ ‬العمليات‭ ‬الفاشلة‭ ‬لايمكن‭ ‬إخفاء‭ ‬تفاصيلها،‭ ‬وعملاء‭ ‬الموساد‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬كشفهم‭ ‬أو‭ ‬القبض‭ ‬عليهم‭ ‬أثناء‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬الكارثية‭  ‬تتصدر‭ ‬أسماءهم‭ ‬وصورهم‭ ‬شبكة‭ ‬المعلومات‭. ‬

عندما‭ ‬نعود‭ ‬لسؤالنا‭ ‬ندرك‭ ‬أولا‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬الذى‭ ‬تحققه‭ ‬أجهزة‭ ‬المخابرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ضد‭ ‬نظام‭ ‬إيران‭ ‬وأذرعها‭ ‬لايعود‭ ‬إلى‭ ‬مهارتها‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬خاصة‭ ‬بالنظام‭ ‬الإيرانى‭ ‬وتصل‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬صراع‭ ‬داخلى‭ ‬إيرانى‭ / ‬إيرانى‭ ‬تستغله‭ ‬إسرائيل‭ ‬فى‭ ‬تنفيذ‭ ‬عملياتها‭. ‬

‭ ‬لم‭ ‬تبن‭ ‬إسرائيل‭ ‬شبكات‭ ‬معقدة‭ ‬فى‭ ‬الداخل‭ ‬الإيرانى‭ ‬أو‭ ‬جندت‭ ‬بذكاء‭ ‬فذ‭ ‬آلاف‭ ‬الإيرانيين‭ ‬ليعملوا‭ ‬فى‭ ‬خدمتها‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬تروج‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬بغطرسة‭ ‬أن‭ ‬جهازها‭ ‬الاستخباراتى‭ ‬بكامله‭ ‬داخل‭ ‬المدن‭ ‬الإيرانية‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافه،‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬تراكم‭ ‬العوامل‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالصراع‭ ‬الإيرانى‭ / ‬الإيرانى‭ ‬فتحت‭ ‬لإسرائيل‭ ‬أبواب‭ ‬الداخل‭ ‬الإيرانى‭ ‬على‭ ‬مصراعيه‭ ‬ولو‭ ‬حاولنا‭ ‬تحليل‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬بكافة‭ ‬جوانبه‭ ‬فالأمر‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مجلدات‭ ‬لكنها‭ ‬إطلالة‭ ‬سريعة‭ ‬عليه‭ ‬تنفى‭ ‬الادعاء‭ ‬الذى‭ ‬يروج‭ ‬له‭ ‬المتغطرسون‭.‬

أول‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ (‬تداعيات‭ ‬الثورة‭ ‬المسروقة‭) ‬وقد‭ ‬بدأ‭ ‬نشاط‭ ‬هذا‭ ‬العامل‭ ‬مع‭ ‬اللحظات‭ ‬الأولى‭ ‬لاندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬فى‭ ‬فبراير‭ ‬1979،‭ ‬صورت‭ ‬دعاية‭ ‬النظام‭ ‬الإيرانى‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬الثورة‭ ‬هم‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬الملالى‭ ‬وأن‭ ‬لحظة‭ ‬انتصار‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬هبوط‭ ‬الخومينى‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬طهران‭ ‬محمولا‭ ‬على‭ ‬طائرة‭ ‬الخطوط‭ ‬الجوية‭ ‬الفرنسية‭ ‬وبصحبة‭ ‬لفيف‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الغربيين‭ ‬هى‭ ‬لحظة‭ ‬انتصار‭ ‬الثورة‭. ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬الملالى‭ ‬إلا‭ ‬جزءًا‭ ‬محدودًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬بل‭ ‬أسهمت‭ ‬تيارات‭ ‬سياسية‭ ‬أخرى‭ ‬فى‭ ‬صناعتها‭ ‬وبنصيب‭ ‬كبير‭ ‬لكن‭ ‬الشعبوية‭ ‬باسم‭ ‬الدين‭ ‬ومساعدة‭ ‬الدعاية‭ ‬الغربية‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تريد‭ ‬تنظيمًا‭ ‬دينيًا‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتى‭  ‬وقتها‭ ‬أتمت‭ ‬عملية‭ ‬السرقة‭ ‬بنجاح‭ ‬ولم‭ ‬يكتف‭ ‬نظام‭ ‬أو‭ ‬تنظيم‭ ‬الملالى‭ ‬بتحييد‭ ‬هذه‭ ‬التيارات،‭ ‬لكن‭ ‬انطلقت‭ ‬عمليات‭ ‬تصفية‭ ‬وإعدامات‭ ‬واغتيالات‭ ‬فى‭ ‬شوارع‭ ‬طهران‭ ‬والمدن‭ ‬الأخرى‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬عارض‭ ‬الخومينى‭ ‬وملاليه‭. ‬

بعد‭ ‬هذه‭ ‬الهجمة‭ ‬الشرسة‭ ‬تشكل‭ ‬المجلس‭ ‬الوطنى‭ ‬للمقاومة‭ ‬الإيرانية‭ ‬فى‭ ‬1981‭ ‬ليعلن‭ ‬الكفاح‭ ‬المسلح‭ ‬ضد‭ ‬النظام‭ ‬الإيرانى‭ ‬وفى‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬حركة‭ ‬مجاهدى‭ ‬خلق‭ ‬للإطاحة‭ ‬بنظام‭ ‬خومينى‭ ‬ونحن‭ ‬هنا‭ ‬لانتكلم‭ ‬عن‭ ‬حركات‭ ‬مقاومة‭ ‬صوتية‭ ‬بل‭ ‬حركات‭ ‬مسلحة‭ ‬وتمتلك‭ ‬أجهزة‭ ‬استخبارات‭ ‬والأهم‭ ‬أنها‭ ‬ممتدة‭ ‬فى‭ ‬الداخل‭ ‬الإيرانى‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬قيادتها‭ ‬تديرها‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬إيران‭ ‬وأيضا‭ ‬لها‭ ‬ثارات‭ ‬شخصية‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬الإيرانى‭..‬

لنعرف‭ ‬مدى‭ ‬امتداد‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬فالبرنامج‭ ‬النووى‭ ‬الإيرانى‭ ‬كاملا‭ ‬بأدق‭ ‬تفاصيله‭ ‬وتصميمات‭ ‬منشآته‭ ‬ومن‭ ‬يتولى‭ ‬إدارته‭ ‬وأسماء‭ ‬العلماء‭ ‬الذين‭ ‬يشرفون‭ ‬عليه‭ ‬نشرته‭ ‬عناصر‭ ‬حركة‭ ‬مجاهدى‭ ‬خلق‭ ‬فى‭ ‬العام‭ ‬2002‭  ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬لتبدأ‭ ‬أزمة‭ ‬إيران‭ ‬وبرنامجها‭ ‬النووى‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والغرب‭.‬

ظل‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬سريًا‭ ‬لما‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬ولم‭ ‬يكتشفه‭ ‬الجهاز‭ ‬الاستخباراتى‭ ‬‮«‬‭ ‬الرهيب‮»‬‭ ‬بل‭ ‬كشف‭ ‬نتيجة‭ ‬الصراع‭ ‬الداخلى‭ ‬الإيرانى‭ / ‬الإيرانى،‭ ‬لذلك‭ ‬عندما‭ ‬نشاهد‭ ‬هذه‭ ‬الدقة‭ ‬فى‭ ‬أاصطياد‭ ‬العلماء‭ ‬وقيادات‭ ‬الحرس‭ ‬الثورى‭  ‬داخل‭ ‬شققهم‭ ‬وبيوتهم‭ ‬الآمنة‭  ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬نتيجة‭ ‬براعة‭ ‬هذا‭ ‬الجهاز‭ ‬لكنها‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬تواجد‭ ‬تلك‭ ‬العناصر‭ ‬الإيرانية‭ ‬فى‭ ‬الداخل‭ ‬وهى‭ ‬من‭ ‬تقوم‭ ‬بكل‭ ‬العمل‭ ‬وتحولها‭ ‬الدعاية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬لصالحها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تتعاون‭ ‬معها‭. ‬

بالنسبة‭ ‬لنقطة‭ ‬الدعاية‭ ‬تلك‭ ‬فإن‭ ‬اللقطات‭ ‬التى‭ ‬نشرتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬لما‭ ‬تزعم‭ ‬بأنها‭ ‬عناصر‭ ‬تابعة‭ ‬لها‭ ‬تعمل‭ ‬فى‭ ‬الداخل‭ ‬الإيرانى‭ ‬هى‭ ‬فى‭ ‬حقيقتها‭ ‬عناصر‭ ‬تلك‭ ‬الحركات‭ ‬المعارضة‭ ‬،‭ ‬تبقى‭ ‬نقطة‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تشير‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬إلى‭ ‬عملها‭ ‬ويتم‭ ‬نسبته‭ ‬الى‭ ‬إسرائيل‭ ‬ومخابراتها؟‭ ‬لأن‭ ‬الهدف‭ ‬النهائى‭ ‬الذى‭ ‬تسعى‭ ‬إليه‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬هو‭ ‬إضعاف‭ ‬النظام‭ ‬ثم‭ ‬سقوطه‭ ‬بتحرك‭ ‬شعبى‭ ‬لتتولى‭ ‬بعدها‭ ‬الحكم‭ ‬لذلك‭ ‬فهى‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬توصم‭ ‬نفسها‭ ‬بالخيانة‭ ‬والتعاون‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬حتى‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تقود‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬الشعبى‭ ‬كحركة‭ ‬معارضة‭ ‬وليس‭ ‬حركة‭ ‬خائنة‭ ‬استعانت‭ ‬بالخارج‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭. ‬

العامل‭ ‬الثانى‭ ‬الذى‭ ‬يشعل‭ ‬الصراع‭ ‬الإيرانى‭ /‬الإيرانى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نطلق‭ ‬عليه‭ (‬البازار‭ ‬وزعيمه‭) ‬يعتبر‭ ‬مصطلح‭ ‬البازار‭ ‬فى‭ ‬إيران‭ ‬رمزًا‭ ‬للطبقة‭ ‬الغنية‭ ‬المسيطرة‭  ‬والتى‭ ‬تحالفت‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مصالحها‭ ‬وكان‭ ‬يقود‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬هاشمى‭ ‬رفسنجانى‭ ‬أغنى‭ ‬رجل‭ ‬فى‭ ‬إيران‭ ‬وملك‭ ‬البترول‭ ‬والفستق‭ ‬وأيضا‭ ‬رئيس‭ ‬إيران‭ ‬السابق‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬جانبًا‭  ‬يجعل‭ ‬رفسنجانى‭ ‬محسوبًا‭ ‬على‭  ‬طبقة‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬انتماءه‭ ‬الأكبر‭ ‬لهذه‭ ‬الطبقة‭ ‬الغنية‭ ‬المسيطرة‭ ‬والتى‭ ‬بدأت‭ ‬فى‭ ‬الصدام‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬بعد‭ ‬صعود‭ ‬نجم‭ ‬قاسم‭ ‬سليمانى‭ ‬وإدارته‭ ‬للحرس‭ ‬الثورى‭ ‬وتجلى‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬فى‭ ‬خصومة‭ ‬قاتلة‭ ‬بين‭ ‬رفسنجانى‭ ‬وسليمانى‭. ‬

رفض‭ ‬رفسنجانى‭ ‬سيطرة‭ ‬سليمانى‭ ‬وحرسه‭ ‬على‭ ‬مقدرات‭ ‬إيران‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬وإعلان‭ ‬عدائهم‭ ‬للغرب‭ ‬بهذه‭ ‬الشراسة‭ ‬وعدم‭ ‬حساب‭ ‬التوازنات‭ ‬الدولية‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬فرض‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬وبدأت‭ ‬المعركة‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭ ‬تظهر‭ ‬إلى‭ ‬العلن‭ ‬وتحديدًا‭ ‬عندما‭ ‬ألقى‭ ‬سليمانى‭ ‬كل‭ ‬أوراق‭ ‬إيران‭ ‬فى‭ ‬الجانب‭ ‬الصينى‭ ‬وكانت‭ ‬رؤية‭ ‬رفسنجانى‭ ‬أن‭ ‬الرعونة‭ ‬التى‭ ‬يمارسها‭ ‬سليمانى‭ ‬فى‭ ‬إدارة‭ ‬موقف‭ ‬إيران‭ ‬داخل‭ ‬اللعبة‭ ‬الدولية‭ ‬الخطرة‭ ‬ستؤدى‭ ‬فى‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬صدام‭ ‬إيرانى‭ / ‬غربى‭ ‬تقوده‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يتعدى‭ ‬فرض‭ ‬العقوبات‭ ‬إلى‭ ‬صدام‭ ‬عسكرى‭ ‬مباشر‭.  ‬

عندما‭ ‬وجد‭ ‬رفسنجانى‭ ‬أنه‭ ‬يتم‭ ‬محاصرته‭ ‬سياسيًا‭ ‬واقتصاديًا‭ ‬ورفض‭ ‬ترشحه‭ ‬للرئاسة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬واتهامه‭ ‬بأنه‭ ‬رجل‭ ‬أمريكا‭ ‬اتجه‭ ‬إلى‭ ‬تأييد‭ ‬الحركات‭ ‬الإصلاحية‭ ‬التى‭ ‬تعترض‭ ‬على‭ ‬مايفعله‭ ‬النظام‭ ‬الإيرانى‭ ‬وحرسه‭ ‬والمليارات‭ ‬التى‭ ‬تنفق‭ ‬على‭ ‬ميليشيات‭ ‬خارجية،‭ ‬والإيرانيون‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬طاحنة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الهبات‭ ‬الشعبية‭ ‬ولكن‭ ‬الحرس‭ ‬قمعها‭ ‬وهنا‭ ‬وصل‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الرجلين‭ ‬أو‭ ‬التيارين‭ ‬تيار‭ ‬رفسنجانى‭ ‬المؤيد‭ ‬من‭ ‬طبقة‭ ‬تمتلك‭ ‬نفوذًا‭ ‬وقدرة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتيار‭ ‬سليمانى‭ ‬وحرسه‭ ‬الذى‭ ‬يريد‭ ‬فرض‭ ‬سطوته‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬بكاملها‭ ‬وعلى‭ ‬المرشد‭ ‬خامنئنى‭ ‬الذى‭ ‬انحاز‭ ‬إلى‭ ‬سليمانى‭. ‬

فى‭ ‬العام‭ ‬2017‭ ‬أعلن‭ ‬عن‭ ‬وفاة‭ ‬رفسنجانى‭ ‬بأزمة‭ ‬قلبية‭ ‬فى‭ ‬ظروف‭ ‬غامضة‭ ‬وهنا‭ ‬خرجت‭ ‬عائلة‭ ‬رفسنجانى‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬ابنتيه‭ ‬فائزة‭ ‬وفاطمة‭ ‬ليعلنتا‭ ‬أن‭ ‬والدهما‭ ‬اغتيل‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الحرس‭ ‬الثورى‭ ‬بأوامر‭ ‬من‭ ‬سليمانى‭ ‬ولم‭ ‬يمت‭ ‬بأزمة‭ ‬قلبية‭ ‬واللتان‭ ‬تم‭ ‬اعتقالهما‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬

تعددت‭ ‬روايات‭ ‬اغتيال‭ ‬رفسنجانى‭ ‬بأنه‭ ‬تعرض‭ ‬لتسمم‭ ‬بعناصر‭ ‬مشعة‭ ‬أو‭ ‬تم‭ ‬تسميمه‭ ‬بسم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬كشفه‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬رواية‭ ‬أصبحت‭ ‬سائدة‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬اغتيال‭ ‬رفسنجانى‭ ‬وهى‭ ‬أن‭ ‬قاسم‭ ‬سليمانى‭ ‬طلب‭ ‬الالتقاء‭ ‬به‭ ‬فى‭ ‬أحد‭ ‬فيلات‭ ‬مخابرات‭ ‬الحرس‭ ‬الثورى‭ ‬الآمنة‭ ‬لإنهاء‭ ‬الخلافات‭ ‬بينهما‭ ‬وفتح‭ ‬صفحة‭ ‬جديدة‭ ‬وبمجرد‭ ‬وصول‭ ‬رفسنجانى‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬تولت‭ ‬عناصر‭ ‬مخابرات‭ ‬الحرس‭ ‬الثورى‭ ‬إغراقه‭ ‬فى‭ ‬حمام‭ ‬سباحة‭ ‬الفيلا‭ ‬ليعلن‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬وفاته‭ ‬بأزمة‭ ‬قلبية‭. ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬رفسنجانى‭ ‬رجلا‭ ‬عاديًا‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬الإيرانى‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الهامش‭ ‬هو‭ ‬وعائلته‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬يمثل‭ ‬تيارًا‭ ‬ذو‭ ‬نفوذ‭ ‬وقوة‭ ‬كبيرة‭ ‬وتستطيع‭ ‬بقوتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬اختراق‭ ‬النظام‭ ‬الإيرانى‭ ‬وحرسه‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬المستويات‭ ‬غير‭ ‬اتصال‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬بدوائر‭ ‬صنع‭ ‬القرارالغربية‭ ‬والأمريكية‭ ‬لذلك‭ ‬وبعد‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة‭ ‬وفى‭ ‬نفس‭ ‬الشهر‭ ‬يناير‭ ‬الذى‭ ‬مات‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬قتل‭ ‬رفسنجانى‭ ‬اغتيل‭ ‬قاسم‭ ‬سليمانى‭ ‬فى‭ ‬مطار‭ ‬بغداد‭ ‬بصاروخ‭ ‬أمريكى‭ ‬برفقة‭ ‬ابو‭ ‬مهدى‭ ‬المهندس‭ ‬القائد‭  ‬بالميليشيات‭ ‬الإيرانية‭ ‬فى‭ ‬العراق‭ ‬أثناء‭ ‬فترة‭ ‬ولاية‭ ‬ترامب‭ ‬الأولى‭. ‬

رغم‭ ‬الاحتياطات‭ ‬الأمنية‭ ‬عالية‭ ‬المستوى‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تغلف‭ ‬كافة‭ ‬تحركات‭ ‬قاسم‭ ‬سليمانى‭ ‬الرجل‭ ‬الأقوى‭ ‬فى‭ ‬إيران‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المعلومات‭ ‬عن‭ ‬تحركاته‭ ‬وساعة‭ ‬تواجده‭ ‬فى‭ ‬مطار‭ ‬بغداد‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬المخابرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بدقة‭ ‬متناهية‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬،من‭ ‬كان‭ ‬يستطيع‭ ‬بنفوذه‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الاختراق‭ ‬الصادم‭ ‬فى‭ ‬الجدار‭ ‬الأمنى‭ ‬الإيرانى؟‭ ‬ومن‭ ‬يحمل‭ ‬ثأرًا‭ ‬ضد‭ ‬سليمانى‭ ‬وحرسه‭ ‬الثورى‭ ‬لم‭ ‬يغلق‭ ‬ملفه‭ ‬بعد؟‭ ...‬وإذ‭ ‬كان‭ ‬تم‭ ‬اصطياد‭ ‬الرأس‭ ‬فالذيول‭ ‬مازالت‭ ‬طليقة‭. ‬

لذلك‭ ‬عندما‭ ‬نشاهد‭ ‬الدقة‭ ‬فى‭ ‬اصطياد‭ ‬قيادات‭ ‬الحرس‭ ‬الثورى‭ ‬والعلماء‭ ‬بالبرنامج‭ ‬النووى‭ ‬فى‭ ‬شققها‭ ‬الآمنة‭ ‬أو‭ ‬بمجرد‭ ‬استبدال‭ ‬القائد‭ ‬المغتال‭ ‬بآخر‭ ‬يتم‭ ‬فى‭ ‬ساعات‭ ‬اغتيال‭ ‬هذا‭ ‬الآخر‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬عملية‭ ‬قاسم‭ ‬سليمانى‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الاختراق‭ ‬نتيجة‭ ‬للصراع‭ ‬الإيرانى‭/ ‬الإيرانى‭ ‬والتحالفات‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الداخل‭ ‬القائمة‭ ‬بين‭ ‬طبقة‭ ‬ذات‭ ‬نفوذ‭ ‬اقتصادى‭ ‬تستطيع‭ ‬شراء‭ ‬المعلومات‭ ‬وعناصر‭ ‬معارضة‭ ‬مدربة‭ ‬ومسلحة‭ ‬تتحرك‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬تستخدم‭ ‬هذه‭ ‬المعلومات‭ ‬وهدف‭ ‬الجميع‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬وحرسه‭ ‬،‭ ‬أما‭ ‬الجهاز‭ ‬الاستخباراتى‭ ‬‮«‬الرهيب‮»‬‭ ‬فهو‭ ‬غارق‭ ‬فى‭ ‬بحور‭ ‬الدعاية‭ ‬الزائفة‭ ‬محاولا‭ ‬التغطية‭ ‬على‭ ‬إخفاقاته‭ ‬المتوالية‭. ‬

نأتى‭ ‬للعامل‭ ‬الثالث‭  ‬العامل‭ ‬الذى‭ ‬صنعه‭ ‬النظام‭ ‬الإيرانى‭ ‬بيده‭ ‬دون‭ ‬تدخل‭ ‬خارجى‭ ‬أو‭ ‬داخلى‭ ‬وهو‭ (‬تدمير‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية‭) ‬فمنذ‭ ‬استيلاء‭ ‬نظام‭ ‬الملالى‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬قرر‭ ‬استبدال‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬المنضبط‭ ‬بمراهقة‭ ‬التنظيم‭ ‬المنفلت‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬تفكيك‭ ‬كل‭ ‬مقومات‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية‭ ‬لصالح‭ ‬المراهقة‭ ‬التنظيمية‭ ‬وكان‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬ذلك‭ ‬تخريب‭ ‬الجيش‭ ‬واستبداله‭ ‬بما‭ ‬يسمى‭ ‬بالحرس‭ ‬الثورى‭ ‬وتوالى‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تحطيم‭ ‬كافة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬السياسية‭  ‬،الاقتصادية،‭ ‬الأمنية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لصالح‭ ‬جنون‭ ‬التنظيم‭ ‬وأول‭ ‬درجات‭ ‬الجنون‭ ‬التنظيمى‭ ‬هى‭ ‬السرية‭ ‬فى‭ ‬إدارة‭ ‬الأمة‭ ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬يعلم‭ ‬من‭ ‬يدير‭ ‬ولصالح‭ ‬من‭ ‬وهو‭ ‬المضاد‭ ‬تمامًا‭ ‬لمفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬المنضبط‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تعرض‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬لهزات‭ ‬فما‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬استمراره‭ ‬وضوح‭ ‬مؤسساته‭ ‬وقابلية‭ ‬إصلاحها‭ ‬عكس‭ ‬التنظيم‭ ‬وسريته‭ ‬وغموضه‭. ‬

المضحك‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإيرانى‭ ‬وجد‭ ‬فى‭ ‬الفاشية‭ ‬الإخوانية‭ ‬وغبائها‭ ‬المزمن‭ ‬ضالته‭ ‬فرغم‭ ‬اختلاف‭ ‬المذهب‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الاثنين‭ ‬ينتميان‭ ‬لنفس‭ ‬الجنون‭ ‬التنظيمى‭ ‬فبدلا‭ ‬من‭ ‬المرشد‭ ‬العام‭ ‬يصبح‭ ‬فى‭ ‬إيران‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬ويتحول‭ ‬التنظيم‭ ‬الخاص‭ ‬فى‭ ‬صورته‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬الحرس‭ ‬الثورى‭ ‬ومجلس‭ ‬شورى‭ ‬الجماعة‭ ‬فى‭ ‬النسخة‭ ‬الفارسية‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬مصلحة‭ ‬تشخيص‭ ‬النظام‭. ‬

الأكثر‭ ‬إضحاكا‭ ‬أن‭ ‬نظام‭ ‬الملالى‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬خبراته‭ ‬التنظيمية‭ ‬العميقة‭ ‬إلى‭ ‬الفاشية‭ ‬الإخوانية‭ ‬يوم‭ ‬أن‭ ‬تسللت‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬فى‭ ‬مصر‭ ‬لكن‭ ‬ضعف‭ ‬الطالب‭ ‬والمطلوب‭ ‬لأن‭ ‬الأمة‭ ‬المصرية‭ ‬هى‭ ‬من‭ ‬ابتكرت‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬وأهدته‭ ‬للبشرية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تنظم‭ ‬الحركة‭ ‬الإنسانية‭ ‬لذلك‭ ‬أطاحت‭ ‬الأمة‭ ‬المصرية‭ ‬فى‭ ‬ساعات‭ ‬بالفاشية‭ ‬الإخوانية‭ ‬وجنونها‭ ‬التنظيمى‭ ‬ومن‭ ‬ورائها‭. ‬

توضح‭ ‬العوامل‭ ‬السابقة‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬الإيرانى‭ / ‬الإيرانى‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسى‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الاختراق‭ ‬الفاضح‭ ‬فى‭ ‬الداخل‭ ‬الإيرانى‭ ‬والذى‭ ‬امتد‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬أذرعه‭ ‬الميليشياويه‭ ‬فى‭ ‬لبنان‭ ‬أما‭ ‬عبقرية‭ ‬الجهاز‭ ‬الاستخباراتى‭ "‬الرهيب‭" ‬فهى‭ ‬مجرد‭ ‬اساطير‭ ‬زائفة‭. ‬

;