عصير القلم

الانتهازية دينهم ومذهبهم

أحمد الإمام
أحمد الإمام


‭..‬عجبت‭ ‬لأمر‭ ‬بعض‭ ‬الانتهازيين‭ ‬الذين‭ ‬ابتليت‭ ‬بهم‭ ‬بلادنا‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

ما‭ ‬أسرع‭ ‬تخليهم‭ ‬عن‭ ‬قناعاتهم‭ ‬ومبادئهم‭ .. ‬إذا‭ ‬افترضنا‭ ‬جدلا‭ ‬أنهم‭ ‬يملكون‭ ‬مبادئ‭ ‬من‭ ‬الاصل‭.‬

يدافعون‭ ‬عن‭ ‬وجهة‭ ‬نظرهم‭ ‬باستماتة‭ ‬ويهاجمون‭ ‬بضراوة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يختلف‭ ‬معهم‭ ‬،‭ ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬يتبنون‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬أخرى‭ ‬مناقضة‭ ‬تماما‭ ‬لوجهة‭ ‬النظر‭ ‬الاولى‭ ‬ويدافعون‭ ‬عنها‭ ‬بنفس‭ ‬الحماس‭ ‬والشراسة‭.‬

يتصدرون‭ ‬المشهد‭ ‬ويطلون‭ ‬علينا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مقالات‭ ‬صحفية‭ ‬وبرامج‭ ‬تليفزيونية‭ ‬يبيعون‭ ‬لنا‭ ‬بضاعة‭ ‬مزجاة‭ ‬رغب‭ ‬عنها‭ ‬الزبائن‭.‬

يكذبون‭ ‬وهم‭ ‬يعلمون‭ ‬أنهم‭ ‬يكذبون‭ ‬،‭ ‬ويعلمون‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬يعلمون‭ ‬انهم‭ ‬يكذبون‭ ‬،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يستمرون‭ ‬في‭ ‬الكذب‭ ‬لانهم‭ ‬لا‭ ‬يجيدون‭ ‬سواه‭ ‬،‭ ‬وايضا‭ ‬لان‭ ‬الصدق‭ ‬لا‭ ‬يطعم‭ ‬فم‭ ‬جائع‭ ‬ولا‭ ‬يستر‭ ‬جسدًا‭ ‬عاريًا‭.‬

يعلمون‭ ‬أنهم‭ ‬فقدوا‭ ‬مصداقيتهم‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬وانتهت‭ ‬مدة‭ ‬صلاحيتهم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬شاهدهم‭ ‬الناس‭ ‬وهم‭ ‬يأكلون‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الموائد‭ .. ‬أكلوا‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬مبارك‭ ‬حتى‭ ‬انتفخت‭ ‬بطونهم‭ ‬وبعد‭ ‬رحيله‭ ‬لعنوه‭ ‬بأبشع‭ ‬الكلمات‭.‬

نافقوا‭ ‬الإخوان‭ ‬بعد‭ ‬وصولهم‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬وشمروا‭ ‬عن‭ ‬سواعدهم‭ ‬والتهموا‭ ‬معهم‭ ‬صواني‭ ‬الفتة‭ ‬واللحم‭ ‬الضاني‭ ‬ثم‭ ‬أكلوا‭ ‬لحمهم‭ ‬وجلدوهم‭ ‬بسياط‭ ‬ألسنتهم‭ ‬بعد‭ ‬سقوطهم‭.‬

ومازالوا‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬يواصلون‭ ‬رحلة‭ ‬النباح‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬تحكمهم‭ ‬بوصلة‭ ‬أو‭ ‬ضمير‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬صياحهم‭ ‬يسيئ‭ ‬الى‭ ‬صورة‭ ‬النخبة‭ ‬المصرية‭ ‬ويسبب‭ ‬الحرج‭ ‬احيانا‭ ‬للقيادة‭ ‬السياسية‭ ‬بسبب‭ ‬تعارض‭ ‬بعض‭ ‬الآراء‭ ‬التي‭ ‬يرددها‭ ‬بعض‭ ‬الاشخاص‭ ‬المحسوبين‭ ‬على‭ ‬النخبة‭ ‬المثقفة‭ ‬مع‭ ‬التوجهات‭ ‬العامة‭ ‬للدولة‭ ‬المصرية‭ ‬نحو‭ ‬بعض‭ ‬القضايا‭ ‬الخارجية‭ ‬والملفات‭ ‬الداخلية‭.‬

أما‭ ‬آن‭ ‬الآوان‭ ‬لهذه‭ ‬النخبة‭ ‬الفاسدة‭ ‬التي‭ ‬استفادت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬العصور‭ ‬واكتنزت‭ ‬الاموال‭ ‬وحصدت‭ ‬المزايا‭ ‬لهم‭ ‬ولعائلاتهم‭ ‬أن‭ ‬تتوارى‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬المشهد‭ ‬ويكتفون‭ ‬بما‭ ‬نالوه‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭ ‬زمنية‭ ‬طويلة‭.‬

لا‭ ‬أدري‭ ‬لماذا‭ ‬ذكرتني‭ ‬هذه‭ ‬النخبة‭ ‬الفاسدة‭ ‬بإحدى‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬أوردها‭ ‬برنارد‭ ‬شو‭ ‬في‭ ‬مذكراته‭.‬

في‭ ‬إحدى‭ ‬الحفلات،‭ ‬جلست‭ ‬امرأة‭ ‬فاتنة‭ ‬بجانب‭ ‬الكاتب‭ ‬الشهير‭ ‬جورج‭ ‬برنارد‭ ‬شو‭ ‬،‭ ‬فهمس‭ ‬في‭ ‬أذنها‭ : ‬‮«‬هل‭ ‬تقبلين‭ ‬أن‭ ‬تقضي‭ ‬معي‭ ‬ليلة‭ ‬مقابل‭ ‬مليون‭ ‬جنيه‭..‬؟‭!!‬

ابتسمت‭ ‬و‭ ‬ردّت‭ ‬في‭ ‬استحياءٍ‭ : ‬‮«‬طبعا‭.. ‬بكل‭ ‬سرور‮»‬‭.‬

عاد‭ ‬وسألها‭ ‬مرة‭ ‬ثانية‭ ‬بعدما‭ ‬اقتنع‭ ‬برضاها،‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬نخفّض‭ ‬المبلغ‭ ‬إلى‭ ‬عشر‭ ‬جنيهات‭..‬؟‭!!‬

فغضبت‭ ‬و‭ ‬صرخت‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ : ‬‮«‬من‭ ‬تظنني‭ ‬أكون‭ ‬يا‭ ‬هذا‭..‬؟‭!!‬

فقال‭ : ‬‮«‬سيدتي‭.. ‬نحن‭ ‬عرفنا‭ ‬من‭ ‬تكونين،‭ ‬نحن‭ ‬فقط‭ ‬اختلفنا‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬الأجر‭..!!‬

وقد‭ ‬أدرج‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬الساخرة‭ ‬في‭ ‬مذكراته،‭ ‬مشبهًا‭ ‬إياها‭ ‬بما‭ ‬يحصل‭ .. ‬عندما‭ ‬تتغير‭ ‬المواقف‭ ‬عند‭ ‬الانتهازيين‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يدفع‭ ‬أكثر،‭ ‬فإذا‭ ‬انخفض‭ ‬أجرهم‭ ‬انقلبوا‭ ‬إلى‭ ‬المعارضة‭ ‬وحدّثونا‭ ‬عن‭ ‬الوطنية‭ ‬وعن‭ ‬المبادئ‭ ‬والشرف‭..!!‬

نعم‭.. ‬بمثل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الساقطين‭ ‬تتلوث‭ ‬الأوطان‭ ‬ويعم‭ ‬الفساد‭.‬

;