..تتواتر في عالمنا الحوادث؛ طالما ما بقي الإنسان على ظهر هذه الدنيا ولكن..،
أن تكون تفس القصة والحكاية التي لها أول وليس لها آخر رغم تكرار التحذيرات ورغم المواجهات الأمنية المستمرة، هل هو الوهم الدائم الذي لا ينتهي ومنذ ثمانينيات القرن الماضي ومعه الضحايا يتزايدون مثل الرز؟!
صحيح أننا أمام جريمة تتصدى الأجهزة الأمنية لها باستمرار حتى وإن لم يكن هناك بلاغ من المجني عليهم، لكن في الوقت ذاته أستطيع أن أقول وباطمئنان؛ لا يعذر أحد بجهله القانون، نفس المسلسل الممتد حلقاته، جريمة تتواتر باستمرار، وتحدث بفعل فاعل في حضور بعض الساذجين؛ ثلاثي مرعب يظهرون فجأة؛ تاجر جشع منحته الصحافة والإعلام لقب"مستريح" لص من أسوأ أنواع البشر يرتكب جريمته مع سبق الإصرار والترصد بنية نهب الملايين بكل بساطة وسهولة، وتاجر دين من أصحاب اللحى الطويلة العشوائية والجلباب القصير والسلوكيات الخربة والكروش المنتفخة، المفجرون لكبتهم الجنسي في المحصنات والقاصرات، مثنى وثلاث ورباع، خُلقت المرأة لرفاهية هؤلاء، تحميه من أدران المعصية ونار الكبت الذي يملأ جوانحهم، ليس إلا "لزوم الشغل والاقناع"، فهو لاعب أساسي ورئيسي على مائدة الأشرار من هؤلاء المستريحين، وأخيرًا هذا الساذج الذي يمني نفسه المريضة بالمكسب السهل والسريع والحصول على أرباح ثابتة بقيمة عالية وهو يغوص في دفء كرسيه الأثير هادئ المزاج يثق فيمن سوف يجرده من تحويشة عمره ولما لا وقد رقاه النصاب وجعله على رأس شجرة ملعونة بعدما أخذ الأمر من هذا السلفي إلى أن يحل الظلام ويصير سترًا ويسهل الفرار للنصاب، ويتهافت الضحايا بعدها على أقسام الشرطة لتحرير المحاضر، وبدورها لا تتوانى الأجهزة الأمنية في القبض على هذا النصاب.
الاحتيال المالي الذي يعتمد على الوعد بأرباح ضخمة في وقت قصير، وغالبًا ما تنتهي هذه العمليات بالنصب على المودعين الساذجين له جذور في التاريخ؛ في ذلك الزمن البعيد وحين تتطالع مجلة "تايم" سوف تتعرف ربما على أول محتال مالي في التاريخ؛ "تشارلز بونزي" وهو مهاجر إيطالي كان يعيش في "بوسطن" بالولايات المتحدة، وقد ألقي القبض عليه في عام 1920 بسبب احتياله على الآلاف من الأشخاص ليجمع 15 مليون دولار "أكثر من 200 مليون دولار بحساب اليوم" على مدى ثمانية أشهر فقط، كان توقيت مخطط "بونزي" في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث كان الاقتصاد الأمريكي قد بدأ في الانتعاش مما جعل الناس أكثر عرضة للاحتيال، وقال "بونزي" في مقابلة مع "أسوشيتد برس" قبل وفاته: "كانت هذه الأيام تتسم بالجنون، حيث كان كل شخص يريد جني المال، وكان عملي بسيطا وهو أخذ أموال شخص وإعطاؤها لآخر"، لكن كيف خطط لجريمته الجهنمية هذه؟!
بدأ "بونزي" احتياله من خلال بيع ما يسمى قسيمة خاصة بالبريد والتي يمكن استخدامها لشراء الطوابع في أي بلد في العالم؛ حيث كان يقول إنه يشتريها من البلاد ذات العملة الضعيفة، ويبيعها في بلد ذي عملة قوية وإنه سيجني ثروة من ذلك، وحتى يبدو مقنعًا لضحاياه من الطماعين هواة الربح السريع، وعد "بونزي" العملاء بربح يصل 50% خلال 45 يومًا ومضاعفة استثمارهم خلال 90 يومًا، مما زاد من إقبال الساذجين على الاستثمار معه، وأفادت تقارير أمنية وقتها في يوليو 1920، بأنه كان يحتفظ بالمال في سلة المهملات بعد امتلاء أدراج المكتب ولكن برزت مشكلة؛ وهي أن فكرة بيع "قسيمة الرد البريدية" كانت مستحيلة من الناحية اللوجيستية لأنه لم يكن هناك ما يكفي من القسائم المتداولة ولم تكن هناك وسيلة لتحويلها إلى نقود، لأنه ببساطة "بونزي" هذا لم يتمكن من الحصول على قرض لدعم أعماله، ولم تكن تجارة القسائم توفر العوائد التي وعد بها، فقد قرر استخدام أموال المستثمرين الجدد لدفع عوائد المستثمرين القدامى بينما يدعي أنها من عائدات تجارته في القسائم، وأجبرت هذه الخطة العديد من الشركات الائتمانية على الإغلاق وكان أكبرها شركة "هانوفر تراست"، إلى أن تم كشف "مخطط بونزي" من قبل صحيفة "بوسطن بوست" والتي وجدت أن عليه حكمًا قضائيًا في كندا؛ حيث كان يتعامل بشيكات مزورة، كما تبين أنه تعلم كيفية الاحتيال من مصرفي في "مونتريال" والذي كان يخدع العملاء بطريقة مماثلة وبعد إدانته تم الحكم عليه بالسجن لمدة تسع سنوات.
النصاب والمحتال في أي مكان في العالم هو بارع في صناعة الوهم، لم تٌكتب ألاعيبه في وقت متأخر حتى نلتمس الأعذار لهؤلاء "الطماعين"فنحزن لحزنهم ونبكي لبكائهم على ضياع أموالهم، ففكرة "المستريح" قديمة رأيناها في فيلم"العتبة الخضراء" قصة الرائع الراحل جليل البنداري، والقدير الممثل الراحل أحمد مظهر الذي أتقن دور المحتال ببراعة منقطعة النظير لدرجة الاقناع بل والإعجاب به أحيانا، وفي المقابل قدم الكوميديان الفذ الراحل إسماعيل ياسين شخصية الطماع الذي داعب خياله شراء ميدان العتبة الخضراء بكل ما فيها، مرورًا بمستريحين توظيف الأموال في ثمانينيات القرن الماضي، وانتهاءً بالمستريح الإلكتروني؛ فالقائمون على منصة "FBC" استخدموا اسمًا إنجليزيًا أنيقًا ولامعًا لإيهام الضحايا بأنهم صناديق استثمارية ضخمة مكسبها مضمون مائة في المائة، بينما كانت الحقيقة هي مجرد عملية نصب متقنة وجريمة مكتملة الأركان ما كادت تقع إلا بوجود بلهاء، رغم أن قنوات الاستثمار الآمنة معروفة ومتاحة للجميع، وتشمل البنوك من خلال شهادات الاستثمار أو الودائع، والبورصة كوسيلة استثمارية منظمة، أو عبر الاستثمار في الذهب وهي عملية مضمونة ومراقبة من قبل البنك المركزي وهيئة الرقابة المالية.
بئس للنصاب الذي يحتال على أموال الناس، وبئس لهؤلاء الذين جعلوا من الدين استثمارًا مكاسبه مضمونة ومُعفى من الضرائب.
حتى الأحلام تتغير
تجار الدين والحرب.. رؤساء وملالي
محمد هاشم يكتب: الأمن الرقمي







