كيفك إنت ؟

أعيروه أبصاركم

محمد عدوي
محمد عدوي


وكأن‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬يعيش‭ ‬بيننا،‭ ‬وكأنه‭ ‬يعي‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬حينما‭ ‬قال‭: ‬“ستنتهي‭ ‬الحرب‭ ‬ويتصافح‭ ‬القادة،‭ ‬وتبقى‭ ‬تلك‭ ‬العجوز‭ ‬تنتظر‭ ‬ولدها‭ ‬الشهيد،‭ ‬وتلك‭ ‬الفتاة‭ ‬تنتظر‭ ‬زوجها‭ ‬الحبيب،‭ ‬وأولئك‭ ‬الأطفال‭ ‬ينتظرون‭ ‬والدهم‭ ‬البطل،‭ ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬من‭ ‬باع‭ ‬الوطن‭.. ‬لكني‭ ‬رأيت‭ ‬من‭ ‬دفع‭ ‬الثمن”‭.. ‬أيام‭ ‬ثقال‭ ‬مرت‭ ‬على‭ ‬أهلنا‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬هوادة‭ ‬فيها،‭ ‬آلة‭ ‬قتل‭ ‬استمرت‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬400‭ ‬يوم،‭ ‬وضعت‭ ‬أوزارها‭ ‬أخيرا‭ ‬بجهود‭ ‬دبلوماسية‭ ‬وإنسانية‭ ‬شاركت‭ ‬فيها‭ ‬مصر‭ ‬وقطر‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬والموقف‭ ‬المصري‭ ‬شديد‭ ‬الوضوح‭ ‬ضد‭ ‬ما‭ ‬يمارس‭ ‬على‭ ‬أهلنا‭ ‬هناك،‭ ‬ووقف‭ ‬ضد‭ ‬تهجيرهم‭ ‬مرارا‭ ‬وتكرارا‭.. ‬وتحدث‭ ‬الرئيس‭ ‬عبد‭ ‬الفتاح‭ ‬السيسي‭ ‬بفهم‭ ‬ووعي‭ ‬وخوف‭ ‬على‭ ‬القضية‭ ‬رغم‭ ‬سيل‭ ‬الاتهامات‭ ‬الموتورة،‭ ‬تحدثوا‭ ‬عن‭ ‬صفقة‭ ‬القرن‭ ‬وترحيل‭ ‬أهلنا‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬فتحدث‭ ‬بقوة‭ ‬ورفض‭ ‬كل‭ ‬المغريات‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬القاصي‭ ‬والداني،‭ ‬وقال‭ ‬بالفم‭ ‬المليان‭ ‬“لو‭ ‬وافقت‭ ‬لانتهت‭ ‬القضية‭ ‬إلى‭ ‬الأبد”‭.. ‬دور‭ ‬سوف‭ ‬يتذكره‭ ‬التاريخ‭ ‬طويلا‭ ‬وسوف‭ ‬تحكي‭ ‬عنه‭ ‬الأيام‭ ‬كثيرا،‭ ‬ولو‭ ‬إن‭ ‬مصر‭ ‬وقادتها‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬ومازالت‭ ‬مع‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬قضيتنا‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬أي‭ ‬ثناء‭ ‬أو‭ ‬إطراء،‭ ‬وأن‭ ‬كان‭ ‬الثناء‭ ‬والإطراء‭ ‬قد‭ ‬خرجوا‭ ‬بالفعل‭ ‬من‭ ‬أهلنا‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬الذين‭ ‬يعرفون‭ ‬قيمة‭ ‬مصر‭ ‬ودورها،‭ ‬والفيديوهات‭ ‬والتويتات‭ ‬والبوستات‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬شاهدة،‭ ‬وموجودة‭ ‬بكل‭ ‬اللغات‭ ‬التي‭ ‬تعلمها‭ ‬الإنسانية‭ .‬

أعود‭ ‬إلى‭ ‬درويش‭ ‬وما‭ ‬قاله،‭ ‬فقد‭ ‬تحدث‭ ‬البعض‭ ‬عقب‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬عن‭ ‬نصر‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬نصر‭ ‬هناك،‭ ‬وربما‭ ‬تناسوا‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬ليس‭ ‬بها‭ ‬فائز،‭ ‬كلهم‭ ‬خاسرون،‭ ‬الأطفال‭ ‬خسرت‭ ‬ذويها،‭ ‬والنساء‭ ‬ترملت،‭ ‬والعجائز‭ ‬فقدت‭ ‬أعزائها،‭ ‬أي‭ ‬انتصار‭ ‬وقد‭ ‬دمر‭ ‬القطاع‭ ‬عن‭ ‬بكرة‭ ‬أبيه؟‭!‬،‭ ‬أي‭ ‬انتصار‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعوض‭ ‬أسرة‭ ‬شردت‭ ‬وطفلة‭ ‬يتمت‭ ‬وشاب‭ ‬فقد‭ ‬الأمل؟‭!‬،‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬انتصار‭ ‬تتحدثون؟،‭ ‬وهل‭ ‬هذا‭ ‬توقيت‭ ‬مناسب‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬حديث؟‭!‬،‭ ‬لا‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬أو‭ ‬الوضع‭ ‬مناسب‭ ‬للاحتفال‭ ‬والتباهي‭ ‬بنصر‭ ‬يراه‭ ‬البعض‭ ‬قد‭ ‬تحقق،‭ ‬أظنه‭ ‬وقت‭ ‬العودة‭ ‬والبناء

أعلم‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬سوف‭ ‬يغضب‭ ‬البعض،‭ ‬أعلم‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬بقتل‭ ‬ما‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬ألف‭ ‬وإصابة‭ ‬مثلهم‭ ‬نصر‭!!‬،‭ ‬هم‭ ‬أحرار‭ ‬في‭ ‬رؤيتهم،‭ ‬ولو‭ ‬أن‭ ‬أهل‭ ‬غزة‭ ‬أدرى‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬حالهم‭ ‬الآن،‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدثونا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الانتصار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭.. ‬فنحن‭ ‬نتعاطف‭ ‬ونشاركهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬لكننا‭ ‬نفعل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬والصورة‭ ‬كاملة‭ ‬ليست‭ ‬أمامنا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬هم‭ ‬وحدهم‭ ‬من‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحددوا‭ ‬انتصارهم،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬فهل‭ ‬فعلوا؟

أغلب‭ ‬سكان‭ ‬القطاع‭ ‬تحدثوا‭ ‬بحزن،‭ ‬ومنهم‭ ‬الباحث‭ ‬الغزاوى‭ ‬محمد‭ ‬العكشية،‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬حسابه‭ ‬في‭ ‬“فيس‭ ‬بوك”‭: ‬“لا‭ ‬أرى‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬كله‭ ‬إلا‭ ‬طفلا‭ ‬أختنق‭ ‬تحت‭ ‬الركام‭ ‬حتى‭ ‬الموت،‭ ‬وامرأة‭ ‬فقدت‭ ‬عقلها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬مات‭ ‬أطفالها‭ ‬جميعا‭ ‬وهم‭ ‬جائعون،‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬سوى‭ ‬ذلك‭.‬‭. ‬لأنني‭ ‬متشائم‭ ‬وسيئ‭ ‬وقليل‭ ‬الوطنية‭ ‬والأدب‭ ‬وإنهزامي،‭ ‬ولا‭ ‬يملك‭ ‬مؤونة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الهدف‭.. ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬إلا‭ ‬هذا‭ ‬الركام‭ ‬المترامي‭ ‬على‭ ‬مد‭ ‬البصر‭ ‬والهياكل‭ ‬العظمية‭ ‬بالآلاف‭ ‬تشكل‭ ‬طبقة‭ ‬أرضية‭ ‬جديدة‭ ‬لم‭ ‬يصنفها‭ ‬الجيولوجيون‭ ‬بعد‭..!‬،‭ ‬ووطنا‭ ‬قضمت‭ ‬أطرافه،‭ ‬وجيلا‭ ‬ضاع،‭ ‬وحواجز‭ ‬عسكرية،‭ ‬ونفوس‭ ‬فقدت‭ ‬بوصلتها،‭ ‬ومساحات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬عقولها‭ ‬وإنسانيتها،‭ ‬لأنني‭ ‬متشائم‭ ‬وسيء‭ ‬وقليل‭ ‬الوطنية‭ ‬والأدب‭ ‬وإنهزامي‭ ‬ولا‭ ‬يملك‭ ‬مؤونة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الهدف‭.. ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬ما‭ ‬ترونه‭ ‬يا‭ ‬سادة‭.. ‬أعيروني‭ ‬أبصاركم‭ ‬أرجوكم‭!!‬،‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬بيتي،‭ ‬ولا‭ ‬أرى‭ ‬الحارة،‭ ‬ولا‭ ‬أرى‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬داخلنا”‭. ‬

الحقيقة‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬العكشية‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬قطاع‭ ‬كبير‭ ‬عانى‭ ‬وذاق‭ ‬ما‭ ‬ذاق‭ ‬من‭ ‬ويلات‭ ‬رأيناها‭ ‬بأعيننا،‭ ‬قطاع‭ ‬فرح‭ ‬مثلنا‭ ‬بتوقف‭ ‬الحرب‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬أنه‭ ‬انتصار،‭ ‬وهذا‭ ‬حقه،‭ ‬الغريب‭ ‬إن‭ ‬بعضا‭ ‬ممن‭ ‬يصدرون‭ ‬أنه‭ ‬انتصارا،‭ ‬ومنهم‭ ‬الإخواني‭ ‬الهارب‭ ‬أسعد‭ ‬طه،‭ ‬ضاق‭ ‬به‭ ‬الرأي‭ ‬المخالف‭ ‬لرأيه‭ ‬عندما‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬“فيس‭ ‬بوك”‭ ‬بوست‭ ‬قال‭ ‬فيه‭: ‬“والله‭ ‬لو‭ ‬حررتم‭ ‬الأقصى‭ ‬سيقولون‭ ‬وأين‭ ‬هذا‭ ‬النصر‭ ‬الذي‭ ‬تزعمون؟”،‭ ‬واضطر‭ ‬لحذفه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نال‭ ‬ما‭ ‬نال‭ ‬من‭ ‬متابعينه‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬غزة،‭ ‬فلجأ‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬“إكس”‭ ‬ليكتب‭ ‬ما‭ ‬كتب،‭ ‬أملا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يعينه‭ ‬في‭ ‬معقل‭ ‬الجماعة،‭ ‬فنال‭ ‬أيضا‭ ‬ما‭ ‬نال‭ ..‬

نفرح‭ ‬لفرحهم‭ ‬ونحزن‭ ‬ونتألم‭ ‬معهم‭.. ‬نريدهم‭ ‬معنا‭ ‬وبيننا‭ ‬ولن‭ ‬نفرح‭ ‬وهم‭ ‬تحت‭ ‬الركام‭.‬

نعم‭ ‬المقاومة‭ ‬حق،‭ ‬لكن‭ ‬الثمن‭ ‬غال،‭ ‬والحل‭ ‬موجود‭ ‬ومتاح،‭ ‬وهذا‭ ‬حديث‭ ‬آخر‭.‬

;