..من قال إن الموت يأتي فجأة بدون سابق إنذار؟
الموت لا يقتحم البيوت بلا استئذان ، بالعكس .. الموت زائر لطيف اعتاد دائمًا ان يرسل عشرات الرسائل قبل أن يطرق أبوابنا ويصحبنا في رحلتنا الأخيرة نحو الحياة الأبدية ، وليس خطأه على الإطلاق أن البشر تجاهلوا هذه الرسائل ولم ينتبهوا اليها.
نحن لا نموت مرة واحدة عندما تفارق أرواحنا أجسادنا، بل نموت بالتدريج دون أن نشعر.
عندما يموت عزيز لدينا يموت جزءا من مشاعرنا وذكرياتنا معه.
عندما نفشل في تحقيق طموحاتنا وأحلامنا يموت بداخلنا الشغف والرغبة في الحياة.
عندما تخوننا صحتنا ونعجز عن القيام بكل الاعمال الروتينية البسيطة التي كنا نمارسها بلا مجهود ، فتلك رسالة.
عندما نزهد في الاشياء الصغيرة التي كانت تسعدنا فيما مضى ولا نبالي بها ، فتلك رسالة.
عندما تتقلص دائرة الأصدقاء والأقارب والاحباء من حولنا، فتلك رسالة.
عندما تتسلل الينا الامراض ، وتتحول زيارة الاطباء إلى عادة شبه دائمة، فتلك رسالة.
عندما نبدأ فجأة وبدون مقدمات في زيارة المقابر بانتظام بعد أن كنا نتجنبها فيما مضى ، فتلك رسالة.
عندما نجمع كل هذه الرسائل ونضعها جنبا إلى جنب ستكتمل الصورة وسندرك أن الموت اقترب أو بمعنى أدق الرحلة الاخيرة اقتربت.
والمطلوب منا في هذا التوقيت أن نبدأ الاستعداد لهذه الرحلة شأنها شأن كل الرحلات التي سافرنا اليها عبر حياتنا.
نبدأ في تجهيز امتعتنا وزادنا وكل ما سنحتاجه في رحلتنا.
والفرق الوحيد بين هذه الرحلة وغيرها، انها رحلة ذهاب بلا عودة ، كما أن امتعتها تختلف عن أي رحلة أخرى.
متاعها هو العمل الصالح وتصفية الخصومات ورد المظالم الى أهلها.
تقول إليفشافاق، الكاتبة التركية وصاحبة الرواية الشهيرة قواعد العشق الأربعين:نحن لا نكبر عندما يشير التاريخ بسبّابته إلى يوم ميلادنا البعيد.
لا نكبر عندما ينهش الشيب فروة رأسنا.
لا نكبر عندما تتساقط أسناننا مهاجرةً دون إذن منا بعد عقود من العمل المضني.
لا نكبر عندما نصبح عاجزين عن الحياة بلا نظارة ملتصقة في وجوهنا.
نحن نكبر حين يمرّ عزيز في حياتنا ، ولا يلبث أن يسرقه الموت منا.
نكبر حين تستغيث آذاننا مطالبةً بكلمة حبّ هاربة ولو بالصّدفة إلى مجرى سمعنا.
نكبر عندما يعصف فصل الخريف بعلاقاتنا ، ويتساقط البشر من حولنا فجأة.
نكبر عندما نتمسّك بأذيال ضحكة زائفة مع شخص منافق.
نكبر حين تشرق الشمس وتغيب دون أن نجد من نشاركه تفاصيلنا الساذجة.
نحن نكبر حين تهرم قلوبنا.
وبعد كل هذا .. هل ما زال البعض على اعتقادهم الخاطئ ان الموت يأتي فجأة؟!
حتى الأحلام تتغير
تجار الدين والحرب.. رؤساء وملالي
محمد هاشم يكتب: الأمن الرقمي







