عصير القلم

الموت لا يأتى فجأة

أحمد الإمام
أحمد الإمام


‭..‬من‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬الموت‭ ‬يأتي‭ ‬فجأة‭ ‬بدون‭ ‬سابق‭ ‬إنذار؟

الموت‭ ‬لا‭ ‬يقتحم‭ ‬البيوت‭ ‬بلا‭ ‬استئذان‭ ‬،‭ ‬بالعكس‭ .. ‬الموت‭ ‬زائر‭ ‬لطيف‭ ‬اعتاد‭ ‬دائمًا‭ ‬ان‭ ‬يرسل‭ ‬عشرات‭ ‬الرسائل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يطرق‭ ‬أبوابنا‭ ‬ويصحبنا‭ ‬في‭ ‬رحلتنا‭ ‬الأخيرة‭ ‬نحو‭ ‬الحياة‭ ‬الأبدية‭ ‬،‭ ‬وليس‭ ‬خطأه‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬تجاهلوا‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل‭ ‬ولم‭ ‬ينتبهوا‭ ‬اليها‭.‬

نحن‭ ‬لا‭ ‬نموت‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬عندما‭ ‬تفارق‭ ‬أرواحنا‭ ‬أجسادنا،‭ ‬بل‭ ‬نموت‭ ‬بالتدريج‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭.‬

عندما‭ ‬يموت‭ ‬عزيز‭ ‬لدينا‭ ‬يموت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬مشاعرنا‭ ‬وذكرياتنا‭ ‬معه‭.‬

عندما‭ ‬نفشل‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬طموحاتنا‭ ‬وأحلامنا‭ ‬يموت‭ ‬بداخلنا‭ ‬الشغف‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.‬

عندما‭ ‬تخوننا‭ ‬صحتنا‭ ‬ونعجز‭ ‬عن‭ ‬القيام‭ ‬بكل‭ ‬الاعمال‭ ‬الروتينية‭ ‬البسيطة‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نمارسها‭ ‬بلا‭ ‬مجهود‭ ‬،‭ ‬فتلك‭ ‬رسالة‭.‬

عندما‭ ‬نزهد‭ ‬في‭ ‬الاشياء‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تسعدنا‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬ولا‭ ‬نبالي‭ ‬بها‭ ‬،‭ ‬فتلك‭ ‬رسالة‭.‬

عندما‭ ‬تتقلص‭ ‬دائرة‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والأقارب‭ ‬والاحباء‭ ‬من‭ ‬حولنا،‭ ‬فتلك‭ ‬رسالة‭.‬

عندما‭ ‬تتسلل‭ ‬الينا‭ ‬الامراض‭ ‬،‭ ‬وتتحول‭ ‬زيارة‭ ‬الاطباء‭ ‬إلى‭ ‬عادة‭ ‬شبه‭ ‬دائمة،‭ ‬فتلك‭ ‬رسالة‭.‬

عندما‭ ‬نبدأ‭ ‬فجأة‭ ‬وبدون‭ ‬مقدمات‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬المقابر‭ ‬بانتظام‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كنا‭ ‬نتجنبها‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬،‭ ‬فتلك‭ ‬رسالة‭.‬

عندما‭ ‬نجمع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل‭ ‬ونضعها‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬ستكتمل‭ ‬الصورة‭ ‬وسندرك‭ ‬أن‭ ‬الموت‭ ‬اقترب‭ ‬أو‭ ‬بمعنى‭ ‬أدق‭ ‬الرحلة‭ ‬الاخيرة‭ ‬اقتربت‭.‬

والمطلوب‭ ‬منا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭ ‬أن‭ ‬نبدأ‭ ‬الاستعداد‭ ‬لهذه‭ ‬الرحلة‭ ‬شأنها‭ ‬شأن‭ ‬كل‭ ‬الرحلات‭ ‬التي‭ ‬سافرنا‭ ‬اليها‭ ‬عبر‭ ‬حياتنا‭.‬

نبدأ‭ ‬في‭ ‬تجهيز‭ ‬امتعتنا‭ ‬وزادنا‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬سنحتاجه‭ ‬في‭ ‬رحلتنا‭.‬

والفرق‭ ‬الوحيد‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬وغيرها،‭ ‬انها‭ ‬رحلة‭ ‬ذهاب‭ ‬بلا‭ ‬عودة‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬امتعتها‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬رحلة‭ ‬أخرى‭.‬

متاعها‭ ‬هو‭ ‬العمل‭ ‬الصالح‭ ‬وتصفية‭ ‬الخصومات‭ ‬ورد‭ ‬المظالم‭ ‬الى‭ ‬أهلها‭.‬

تقول‭ ‬إليفشافاق،‭ ‬الكاتبة‭ ‬التركية‭ ‬وصاحبة‭ ‬الرواية‭ ‬الشهيرة‭ ‬قواعد‭ ‬العشق‭ ‬الأربعين‭:‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نكبر‭ ‬عندما‭ ‬يشير‭ ‬التاريخ‭ ‬بسبّابته‭ ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬ميلادنا‭ ‬البعيد‭.‬

لا‭ ‬نكبر‭ ‬عندما‭ ‬ينهش‭ ‬الشيب‭ ‬فروة‭ ‬رأسنا‭.‬

لا‭ ‬نكبر‭ ‬عندما‭ ‬تتساقط‭ ‬أسناننا‭ ‬مهاجرةً‭ ‬دون‭ ‬إذن‭ ‬منا‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬المضني‭.‬

لا‭ ‬نكبر‭ ‬عندما‭ ‬نصبح‭ ‬عاجزين‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬بلا‭ ‬نظارة‭ ‬ملتصقة‭ ‬في‭ ‬وجوهنا‭.‬

نحن‭ ‬نكبر‭ ‬حين‭ ‬يمرّ‭ ‬عزيز‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬،‭ ‬ولا‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬يسرقه‭ ‬الموت‭ ‬منا‭.‬

نكبر‭ ‬حين‭ ‬تستغيث‭ ‬آذاننا‭ ‬مطالبةً‭ ‬بكلمة‭ ‬حبّ‭ ‬هاربة‭ ‬ولو‭ ‬بالصّدفة‭ ‬إلى‭ ‬مجرى‭ ‬سمعنا‭.‬

نكبر‭ ‬عندما‭ ‬يعصف‭ ‬فصل‭ ‬الخريف‭ ‬بعلاقاتنا‭ ‬،‭ ‬ويتساقط‭ ‬البشر‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬فجأة‭.‬

نكبر‭ ‬عندما‭ ‬نتمسّك‭ ‬بأذيال‭ ‬ضحكة‭ ‬زائفة‭ ‬مع‭ ‬شخص‭ ‬منافق‭.‬

نكبر‭ ‬حين‭ ‬تشرق‭ ‬الشمس‭ ‬وتغيب‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬من‭ ‬نشاركه‭ ‬تفاصيلنا‭ ‬الساذجة‭.‬

نحن‭ ‬نكبر‭ ‬حين‭ ‬تهرم‭ ‬قلوبنا‭.‬

وبعد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ .. ‬هل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬اعتقادهم‭ ‬الخاطئ‭ ‬ان‭ ‬الموت‭ ‬يأتي‭ ‬فجأة؟‭! ‬

;