طلاب وافدون يكشفون دور الأزهر فى إفشال مخططات الإرهاب فى بلادهم

صورة موضوعية
صورة موضوعية


شهدت العقود الثلاثة الماضية مداً وجزراً فيما يتصل بقدرات الجماعات الإرهابية فى جنوب شرق آسيا، والتى صمدت العديد منها وأثبتت قدرتها على الصمود فى مواجهة جهود مكافحة الإرهاب المحسنة، وعلى هذا النحو، يظل التهديد الإرهابى قائما فى جنوب شرق آسيا، حتى مع كون التهديد كامنا نسبيا فى الوقت الحاضر، وإذا نظرنا إلى المستقبل، فإن الافتقار إلى التقدم فى معالجة المظالم المحلية، والظهور المحتمل لزعماء إرهابيين كاريزميين، والاستقطاب العالمى المتزايد، من بين مجموعة من العوامل الأخرى، من الممكن أن يغذى عودة الإرهاب الإسلامى فى جنوب شرق آسيا.

اللواء الإسلامى التقت بعدد من الطلاب الوافدين الدارسين بـ الأزهر الشريف والمعنيين بقضية التطرف فى مجتماعاتهم وسبل مواجهتها.

قال محمد أبو بكر لول، طالب وافد بجامعة الأزهر، إن أصول الإرهاب المعاصر فى جنوب شرق آسيا يرجع إلى الجماعات الإسلامية المتمردة الموجودة فى جنوب شرق آسيا منذ قرون، والتى أصبحت نشطة بشكل متزايد منذ نهاية الحقبة الاستعمارية، مشيرا إلى أن  أول حادثة جهادية كبرى وقعت فى المنطقة عندما اختطفت مجموعة إندونيسية تُعرف باسم كوماندو جهاد طائرة تابعة لشركة جارودا إندونيسيا فى عام 1981، وطالب الخاطفون بالمال، والإفراج عن المتشددين المسجونين، وطرد الإسرائيليين من إندونيسيا، وكان هذا متسقا مع تكتيكات ومطالب الجماعات الإرهابية الأخرى فى ذلك الوقت.



اقرأ أيضًا | الأزهر: الاحتلال يسعى لتحويل الشرق الأوسط إلى ساحة حرب شاملة

حوادث إرهابية

وأوضح لول أن حادثة جهاد الكوماندوز كانت على الأرجح مستوحاة من اختطاف طائرة تابعة لشركة طيران باكستانية من قبل متطرفين فى عام 1981، وهذا يدل على وجود ميل بين مجموعات جنوب شرق آسيا إلى التأثر بالاتجاهات العالمية، وعلاوة على ذلك، تشكلت جهاد الكوماندوز من دار الإسلام، التى شنت تمردا لتثبيت دولة إسلامية فى إندونيسيا بعد الاستقلال، مما يدل على وجود ميل إقليمى لتشكيل مجموعات منشقة خطيرة من مجموعات أكب، كما لوحظ اتجاه مماثل فى وقت لاحق فى الفلبين عندما شكل متمردو مورو فى جنوب البلاد جبهة تحرير مورو الوطنية، وهى نفسها منشقة، والتى تطورت منها جبهة تحرير مورو الإسلامية ومجموعات أخرى، وقد نفذت جبهة تحرير مورو الوطنية عملية اختطاف طائرة فى عام 1976 أسفرت عن مقتل 10 ركاب.

وتابع أنه بالرغم من أن جبهة تحرير مورو الإسلامية حافظت على اتفاق سلام مع مانيلا منذ عام 2014، فقد شارك أعضاء سابقون ساخطون من المجموعة فى حصار ماراوى الذى شنه تنظيم الدولة الإسلامية فى جنوب شرق آسيا فى عام 2017، وهو ما يسلط الضوء بشكل أكبر على سيولة المنظمات المسلحة فى جنوب شرق آسيا، وميل مثل هذه المجموعات إلى التعاون لوجستيا وعمليا، حيث ينتقل العديد من الأفراد من مجموعة إلى أخرى لدعم المجموعة الأكثر نشاطا، فضلا عن ميل هذه المجموعات إلى أن تكون محددة بالروابط الأسرية والاجتماعية، وخاصة فى الفلبين وإندونيسيا حيث تميل العشيرة والعلاقات الاجتماعية وديناميكيات الأسرة إلى دفع العضوية إلى الجماعات المتمردة والإرهابية، وبهذه الطريقة، فإن مكافحة الحركات الإرهابية فى المنطقة تشكل تحديا خاصا، نظرا لمدى ارتباط هذه الأيديولوجيات والأفراد بالنسيج الاجتماعى لمناطقهم.

دور الازهر

وأوضح لول أن الأزهر الشريف لعب دوراً مهماً فى إحباط الكثير من أجندات هذه الجماعات المتطرفه بفضل البعثات الأزهرية التى تجوب بلاد آسيا طولا وعرضا لتبين للناس صحيح الدين، وكيف دعا الإسلام الحنيف إلى التعايش السلمى ونبذ العنف، والبعد كل البعد عن كل ما يؤذى الآخر فى جسده أو معشيته ومعتقده، لافتا إلى أن زيادة المنح التى وفرها الأزهر للطلاب الوافدين أسهم بشكل كبير فى زيادة أعداد خريجى الأزهر، ليكونوا سفراء لبلادهم فى نشر دعوة الإسلام الصحيحة.

فيما تحدث محمد عبدالقيوم، طالب وافد بالأزهر الشريف، عن بداية العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين، الذى شهد ظهور مجموعات جديدة تتشكل من القديمة، على رأسها تنظيم الدولة الإسلامية الذى ظهر إلى العلن، عقب انتشار تنظيم الدولة الإسلامية فى الشرق الأوسط، لافتا إلى أن العديد من الجماعات الإرهابية الجديدة التى ظهرت فى إندونيسيا والفلبين فى أوائل ومنتصف العقد الأول من القرن الحادى والعشرين، تشكلت فى المقام الأول من قبل الأعضاء الأكثر تطرفا فى الجماعات القائمة، فى الفلبين، حيث تشكل مقاتلو الحرية الإسلامية فى بانجسامورو، عام 2010 بعد أن اختلف زعيم جبهة تحرير مورو الإسلامية مع قرار المجموعة بالتفاوض على الحكم الذاتى مع مانيلا، وفى عام 2014، وقعت جبهة تحرير مورو الإسلامية ومانيلا على الاتفاقية الشاملة بشأن بانجسامورو، وهو إنجاز تاريخى جاء بعد عقود من المفاوضات بين الفلبين وجماعات مورو، وقد مهد هذا الطريق لإنشاء منطقة بانجسامورو المتمتعة بالحكم الذاتى فى مينداناو المسلمة، وعلى الرغم من أن الصفقة موجودة، إلا أن التنفيذ كان بطيئا ومحفوفا بالمخاوف، وعلاوة على ذلك، أشعلت الاتفاقية المزيد من الخلافات داخل جبهة تحرير مورو الإسلامية، حيث انفصلت جماعة ماوتى وأنصار الخلافة فى الفلبين وآخرون فى نهاية المطاف، واستمرت هذه المجموعات فى تطوير روابط مع مجموعات أخرى وجهاديين أفراد فى ماليزيا وإندونيسيا، وأصبحت حاملة لواء الجهادية فى المنطقة بعد إضفاء الشرعية على جبهة تحرير مورو الإسلامية وتفكك الجماعة الإسلامية. 

تأثير إقليمى

وتابع أنه فى الوقت نفسه، ساهمت انشقاقات داخل الجماعة الإسلامية فى إندونيسيا فى تشكيل ما لا يقل عن 18 جماعة جهادية جديدة فى البلاد بحلول منتصف العقد الأول من القرن الحادى والعشرين، من بين هذه الجماعات جماعة أنصار الدولة، وهى منظمة مظلة تتألف من جماعات مؤيدة لتنظيم الدولة الإسلامية بقيادة الباحث الإسلامى البارز أمان عبد الرحمن، وكان أمان عبد الرحمن واحدا من العديد من الدعاة المتشددين الذين بدأوا فى تكييف التعاليم الإيديولوجية لتنظيم الدولة الإسلامية مع سياق جنوب شرق آسيا عندما برزت الجماعة فى منتصف العقد الأول من القرن الحادى والعشرين، كما ساعدت هذه الجهود، من بين عوامل أخرى مثل إعلان الخلافة من قبل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادى، فى تحفيز حوالى 1000 مقاتل من الفلبين وماليزيا وسنغافورة وتايلاند للسفر إلى الشرق الأوسط للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام (داعش) وجبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة.

مواجهة التطرف

وأشاد عبدالقيوم بالجهود الكبيرة التى بذلها الأزهر الشريف لمواجهة تطرف وإرهاب هذه الجماعات الغاشمة حول العالم، وعلى رأسها انطلاق مرصد الأزهر الشريف بإثنى عشر لغة لتفنيد شبهات هذه الجماعات والرد عليها، لكشف مخططاتهم وإفشال أجنداتهم الآثمة التى تحاول النيل من أمن واستقرار البلاد، لإرضاء غرور زعمائها الذين يقومون بتنفيذ تعليمات مخططات دول معادية تستهدف إحكام سيطرتها على العالم والنيل من مقدراته والسيطرة على موارده الطبيعية.

ودعا عبدالقيوم جموع المسلمين حول العالم لإرسال ابنائهم للالتحاق بمؤسسة الأزهر الشريف لتعلم العلوم الشرعية ليعودوا إلى بلادهم كرسل سلام ينشرون صحيح الدين ويعلمونه للفلاحين فى حقولهم وأرباب المهن فى ورشهم، ولأبناء شعوبهم فى كل بقعة يطئونها ليفسدوا على الجماعات المتطرفة وما ورائهم مخططاتهم الخبيثة والآثمة.

من جانبه أكد رفيق وافى، طالب وافد بجامعة الأزهر، أن الجماعات الإرهاببية فى جنوب شرق آسيا وقادتها بدأ فى إعلان ولائهم للدولة الإسلامية فى عام 2014، وشملت هذه الجماعات إسنيلون هابيلون من جماعة أبوسياف، وسانتوسو من جماعة مجاهدى شرق إندونيسيا، وأمان عبدالرحمن من جماعة أنصار الدين، وإسماعيل أبو بكر من جبهة تحرير بنغلادش، والإخوان ماوتى من جماعة ماوتى، وغيرهم، ومع ذلك لم يعترف تنظيم الدولة الإسلامية رسميا بتعهد أبو سياف وبعض الجماعات إلا فى أوائل عام 2016، وعين إسنيلون هابيلون من الفلبين أميرا فى ذلك العام، وقت لاحق اعترف تنظيم الدولة الإسلامية بولاية شرق آسيا باعتبارها الولاية الرسمية للدولة الإسلامية فى جنوب شرق آسيا فى منتصف عام 2018، مما أدى إلى تشكيل ولاية شرق آسيا.

وتابع أنه بحلول عام 2015، أصبحت الجماعات العاملة تحت مظلة تنظيم الدولة الإسلامية فى جنوب شرق آسيا أكثر نشاطا وكثفت هجماتها، حيث أدار بحرون نعيم، وهو زعيم إندونيسى رئيسى فى كتيبة نوسانتارا، هجمات فى إندونيسيا شملت تفجيرات جاكرتا عام 2016، حيث قُتل ثمانية أشخاص بما فى ذلك أربعة من المهاجمين فى انفجارات متعددة وتبادل لإطلاق النار، ثم فى عام 2018، نفذت جماعة أنصار الدولة أكبر هجوم فى إندونيسيا منذ تفجيرات بالى عام 2002 عندما نفذت الخلايا هجمات انتحارية ضد كنائس متعددة فى مدينة سورابايا الإندونيسية، مما أسفر عن مقتل 28 شخصا وإصابة 57 آخرين، وفى أكتوبر 2019، طعن أحد أعضاء جماعة أنصار الدولة وزير الدفاع الإندونيسى آنذاك ويرانتو فى هجوم انتهازى.

تشوية الإسلام

وأوضح وافى أن خلايا جماعة أنصار الدولة قد نفذت سلسلة من الهجمات فى مختلف أنحاء إندونيسيا من عام 2015 إلى عام 2022، استهدفت بشكل رئيسى قوات الأمن والأقليات الدينية، وقد تم تسهيل هذه الهجمات جزئياً من خلال كتيبات صنع القنابل التى نشرها أحد العملاء يدعى بهروم نعيم، وهو عضو بارع فى المجموعة فى مجال التكنولوجيا ولعب أيضاً دوراً مهماً فى تجنيد الإندونيسيين للقتال فى العراق وسوريا، مشيراً إلى أن خلايا جماعة أنصار الدولة كانت تجرى تجارب على السموم والمواد الكيميائية، بما فى ذلك ثلاثى بيروكسيد الأسيتون المتطاير، والذى يمكن شراء المواد اللازمة لتصنيعه بسهولة، ويُزعم أن إحدى خلايا جماعة أنصار الدولة فى بيكاسى فى منطقة العاصمة الكبرى فى جاكرتا طورت طريقة لتجاوز أجهزة تشويش إشارات الشرطة، كل ذلك وأكثر يبين حجم العنف الذى تنتهجه هذه الجماعات المتطرفة ضد المدنيين بإسم الدين بهدف تشويه صورة الإسلام والمسلمين. وأشاد وافى بجهود الأزهر الشريف فى مكافحة الإرهاب حول العالم، ودوره المهم فى إفشال الكثير من مخططات الجماعات الإرهاببة، مقدماً الشكر للإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، على رعايته للطلاب الوافدين، وزيادة عدد المنح الدراسية للطلاب من شتى بقاع الأرض بهدف نشر صحيح الدين، ومواجهة الأفكار الهدامة التى تحاول النيل من أمن واستقرار البلاد، وإساءتها البالغة للدين الإسلامى الحنيف الذى لا يعرف غلواً أو تطرفاً.