سقط الأسد.. دخل الجولانى المسجد الأموى فى مشهد سينمائى.. لكن يبقى السؤال بين السقوط والدخول هل تحكم الأول فى قرار سوريا فى سنوات "الثورة"؟ وهل سيحدد الثانى مصير سوريا فى المستقبل ؟ يبدو الاثنان واجهات لأصحاب القرار الحقيقى سواء الأسد الذى مضى والجولانى الذى حضر ..لماذا ؟ لأن لعبة سوريا أكبر من رئيس هارب وجهادى متحول.
تدفعنا الأحداث المتلاحقة والحادة فى سوريا إلى متابعتها عبرمستويات متعددة.
يتعلق هذا المستوى بدور جماعة الإخوان والتى نجدها دائمًا فاعلا رئيسيًا وراء كافة أحداث العنف التى اندلعت فى سوريا منذ مايزيد عن عقد وأيضا كلاعب ووسيط مؤثرفى الصفقات الاستعمارية / الإقليمية.
بعيدًاعن تعدد مسميات فصائل "المعارضة المسلحة " فالعمود الفقرى لهذه الفصائل التى ترفع الشعارات الدينية هو حركتها تحت المظلة الإخوانية / التركية يمكن فهم عمل هذه المظلة وتحكمها فى حركة الفصائل وعلى رأسها هيئة تحرير الشام بالعودة إلى الصيف الماضى كنموذج.
تحكمت هيئة تحرير الشام بقيادة الجولانى فى أدلب وأقامت ما يسمى بحكومة الإنقاذ والتى تولت إدارة المنطقة على مدار خمس سنوات وكانت العلاقات بين المظلة الإخوانية / التركية والهيئة جيدة إلى أن بدأ الجولانى يحاول الخروج من تحت هذه المظلة عن طريق الخدمات التى قدمها للولايات المتحدة أولا بضرب عناصر داعش وجماعة حراس الدين التابعة للقاعدة وتصديه بشراسة للنفوذ الإيرانى لصالح نفس الطرف وهو الولايات المتحدة بالإضافة إلى تقديم خدمات للاتحاد الأوروبى فى فحص ماضى كل من يصل إلى أوروبا متسللا أو لاجئا وعلاقته بداعش أو القاعدة،امتدت علاقات الجولانى وهيئته إلى روسيا فقاما بدور الوسيط لتزويد المناطق الخاضعة للنظام السورى باحتياجاتها من الوقود والغذاء عبر المعابر الحدودية.
أتاحت شبكة العلاقات المتشعبة للهيئة والجولانى التمرد على المظلة الإخوانية /التركية وأراد أن يلعب لحساب نفسه رافضًا أن يكون خاضعًا للوصاية التركية / الإخوانية ولماذا يخضع وهو على اتصال بالقوى الدولية أمريكا وأوروبا وروسيا أيضا..إذا فالوسطاء يمتنعون.
مع بداية التحضير التركى لعملية إسقاط الأسد وربط شبكة المصالح والتطمينات من واشنطن إلى موسكو وبينهما تل أبيب والتى امتدت إلى طهران وداخل النظام السورى أيضًا وضعت المظلة التركية / الإخوانية هيئة تحرير الشام وزعيمها الجولانى كرأس سهم للعملية.
عند بدء المفاوضات أتضح أن الجولانى هو مفاوض جيد بالمناسبةــ غير راضى عن حجم تواجده فى العملية أو تلقى أوامر قادمة من أنقرة دون نقاش أراد الجولانى البرجماتى كعادته أن يصبح فاعلا رئيسيًا ويحصد أكبر المكاسب وأولها رجل سوريا القادم وأن تدار كافة الأمور من خلاله، تدخلت هنا المظلة التركية / الإخوانية لتعيده إلى حجمه وأن أى مكاسب يحصل عليها لن تتم إلا من خلال إرادة الوسيط التركى.
اندلعت فجأة فى الصيف الماضى بكافة المناطق التى يسيطر عليها الجولانى وهيئته مظاهرات شعبية عنيفة تطالب برحيله وعمليات اغتيال وتمرد فى الدائرة المقربة، أمام هذه الصدمة أعلن الجولانى أن هذه المظاهرات والاغتيالات والتمردات من تدبير جماعة الإخوان بدعم تركى أمام فشله فى السيطرة على الوضع وحدة الرسالة عاد الجولانى أسفا تحت المظلة مع تقاسم مكاسب محسوبة تتعلق بوضعه السياسى فى مرحلة مابعد الأسد.
لذلك فالجولانى الذى اتهم الإخوان بتدبير المظاهرات يأتى بحكومة إخوانية ويستقبل مدير المخابرات التركية إبراهيم قالن استقبال الفاتحين فى الجامع الأموى الذى دخله الجولانى فى مشهده السينمائى.
هل هذا المستوى يعطى صك البراءة للنظام السورى من كارثة ما أحاط بسوريا ؟ بالتأكيد لا.. لقد أعطى هذا النظام المبررات الطائفية والمذهبية للغرب وأتباعه عندما فتح أبواب دمشق لتجار دين آخرين وميليشيات دخلت إلى سوريا بأوامر من ملالى طهران وموافقة نظام دمشق.
انفجار الوضع فى هذا المستوى يعود أيضا لسبب آخر يسئل عنه بنسبة كبيرة النظام فى سوريا وهو عدم وضع أى رؤية سياسية لحل الأزمة السورية خاصة بعد هدوء الأوضاع إلى حد ملموس عقب العام. 2020
يأتى ابتعاد نظام دمشق عن تقديم رؤية سياسية واضحة نتيجة اعتماده الكامل على قرار حليفيه الروسى والإيرانى اللذان لهما دائما حسابات خاصة مرتبطة بتوازنات الوضع الإقليمى والدولى بعيدًا عن تداعيات الموقف السورى الداخلى أو مصلحة الشعب وهو ماظهر جليًا عند سقوط النظام الأسدى عندما تعارضت مصالح روسيا وإيران مع وجود الأسد فتم التضحية به ولم يسألا عن وضع سوريا الشعب بمكوناته المتعددة فى ظل الصفقة واللعبة الكبرى.
نذهب إلى مستوى آخر وهو مايمكن أن نطلق عليه المستوى القريب والمرتبط بحسابات القوى الإقليمية المتداخلة مع مصالح القوى الدولية.
وإذا نظرنا لخريطة هذه القوى الإقليمية وتحالفاتها الضمنية نجد اتفاق أنقرة وتل أبيب على ضرورة طرد إيران وميليشياتها من سوريا مع سقوط نظام الأسد نفسه وإن اختلفت أسباب هذا الطرد والسقوط بين أنقرة وتل أبيب.
تدفع أنقرة الفصائل التابعة لها للاستيلاء على سوريا المتاخمة تحت المظلة الأمريكية لأن تركيا أردوغان فى تحولاتها البرجماتية التى لا تنتهى وتقفز من معسكر إلى معسكر من أجل المصالح استقرت الآن على تقديم الخدمات كوكيل للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط من القرن الإفريقى إلى سوريا.
بالنسبة لسوريا يأتى الاجتياح التركى الفصائلى لتأسيس دولة سنية ذات هوى إخوانى واضح لتوازن النفوذ والسيطرة الإيرانية فى العراق المجاور لدمشق.
تحقق تركيا حلمها الاقتصادى القديم الذى بدأ من الاقتراح القطرى قبل عقدين بنقل غاز قطر عبر خط أنابيب يمر بسوريا ويستقر فى تركيا ومنه لأوروبا لتصبح تركيا مركز طاقة مع وجود خط النفط باكو أذربيجان / تبليسى جورجيا / ميناء جيهان / تركيا والذى يصل نفطه إلى أوروبا أيضا.
لا تريد تركيا الاكتفاء بهذه المركزية فى الطاقة بل مع توقيع أذربيجان اتفاقية مع الاتحاد الأوروبى لزيادة صادراتها من الغاز إلى الاتحاد فهذا المورد سيمر عبر خط الغاز الجنوبى الذى يعبر الأناضول وهو مايخدم أنقرة.
من ناحية أخرى يقوى التحالف الثلاثى الذى يضم إسرائيل / أذربيجان / تركيا حيث أذربيجان هى المصدر الأول للنفط إلى تل أبيب وستصبح داعمًا رئيسيًا لتركيا فى حلمها بمركزية الطاقة بالبترول والغاز الممتد إلى أوروبا.
تقوم تركيا بدور محورى فى هذا التحالف الثلاثى غير مركزية الطاقة لخدمة مشروعها فى سوريا فأعلن الرئيس الأذرى ألهام عالييف أنهم سيتحركون فى سوريا مع تركيا وقام حكمت حاجيف نائب الرئيس الأذرى قبل أيام بزيارة إلى تل أبيب كوسيط يتابع عملية التنسيق بين أنقرة وتل أبيب فى الملف السورى حتى لايحدث أى سوء تفاهم بين البلدين فى ظل الأحداث
المتلاحقة.
يحقق الثلاثى مكاسب ليست قليلة من طرد إيران من سوريا وإضعافها فأذربيجان وفرت لإسرائيل قواعد عسكرية على أراضيها فى حالة الهجوم على إيران ولا تأتى المساندة الأذرية لتركيا فى سوريا من أجل القضاء على النفوذ الإيرانى من فراغ فإيران الضعيفة التى قد تتعرض إلى ضربات إسرائيلية / أمريكية مما قد يسمح لأذربيجان بضم الأراضى التى يسكنها الأذر فى إيران والمتاخمة لحدودها وهو أمر ستسعد به تركيا لأن أذربيجان عضو فى منظمة الدول التركية التى تقودها أنقرة وبالتأكيد سترضى تل أبيب عن كل هذه التطورات لذلك فاندفاع تركيا فى سوريا لم يكن فقط لخدمة مصالحها المباشرة تحت المظلة الأمريكية ولكنه يحقق أهدافًا مستقبلية لهذا التحالف الثلاثى عن طريق دمشق.
هل تبدو هذه السيناريوهات غريبة من الاندفاع التركى / الإخوانى تحت المظلة الأمريكية فى سوريا وهذا التحالف الثلاثى الذى يخفى مصالحه خلف الظلال؟ الحقيقة أن هذه السيناريوهات وضع تصوراتها وخطوطها العريضة الاستراتيجى الأهم فى تاريخ الولايات المتحدة زبجنيو بريجينسكى مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق وراعى حركة "الجهاد" العالمية بغطائها الإخوانى منذ حرب أفغانستان / الاتحاد السوفيتى فى العام 1979
فى حوار لبريجينسكى عقب اندلاع الأحداث فى سوريا وصف بريجنيسكى سوريا ( السياسية ) بأنها كيانًا مصطنعًا ناتجًا عن اتفاقية سايس / بيكو وأن بريطانيا هى من رسمت هذه الحدود وعند الدخول فى تصوراته حول طبيعة التدخل الأمريكى فى الشرق الأوسط فإنه غير مؤيد للتدخل المباشر بل يجب أن تستعمل واشنطن قوة إقليمية فى تنفيذ التدخل من أجل بلقنة الشرق الأوسط المزعج لخدمة المصالح الأمريكية / الإسرائيلية وهنا يبرز اسم تركيا لتنفيذ هذه المهمة ولايقتصر تصور بريجينسكى على الشرق الأوسط بنسخته العربية بل يمتد هذا الأوسط من أفغانستان إلى القرن الإفريقى.
لايخشى بريجينسكى فى تصوراته من النفوذ الروسى فى الشرق الأوسط عند التدخل الأمريكى فهو أول من أشار إلى أن الضغط بالورقة الأوكرانية سيحجم روسيا عقب نهاية الحرب الباردة ولا يعنى هذا التحجيم إذلال روسيا أو تفجير الوضع بينها وبين الولايات المتحدة بل الدخول معها فى مساومات تصل إلى درجة الاحتواء أو حتى التحالف من أجل تفرغ واشنطن للخطر الأكبر وهو الصين التى تتربص بالشرق الأوسط وبالهيمنة الأمريكية على مستوى العالم.
يعتبربريجنسيكى من رعاة تيار ومدرسة اليسار المعولم الأمريكى وعلى رأس تلامذته باراك أوباما ونفذ التلميذ تصورات أستاذه حول بلقنة الشرق الأوسط بإطلاق مايسمى بالربيع العربى بالوكالة التركية / الإخوانية أيضًا ولكن لم يحقق التلميذ رغبات الأستاذ بدقة واحتاج الأمر إلى إعادة تأكيد.
رغم العداء بين الرئيس المنتخب دونالد ترامب واليسار والعولمة وباراك أوباما شخصيًا إلا أن المصالح والاستراتيجية الأمريكية ومخططيها الكبار مثل بريجينسكى وهنرى كيسنجر فوق هذه الخلافات السياسية الانتخابية فالمتحدث باسم إدارة الرئيس المنتخب أعلن اطلاع ترامب الكامل على الوضع فى سوريا وشارك فى كافة القرارت.
يمكن أن تتعارض سياسات ترامب مع سياسات تيار اليسار المعولم فى الداخل الأمريكى من أوباما إلى بايدن لكن عند المصالح الاستراتيجية الأمريكية يذهب الجميع إلى مخططات بريجينسكى فيرعى أوباما الربيع العربى ويضغط بايدن بالورقة الأوكرانية ثم يمد ترامب يده إلى الروس ويفتح الطريق أمام تركيا إلى سوريا.
عندما تراقب المنظور القريب فى سوريا وفق حسابات الاستراتيجية الأمريكية فالرهانات على تفجر الصراعات بين هذه الفصائل أو ظهور وجه داعشى للجولانى أو تفجر الوضع السورى بشكل عام عقب نهاية نظام الأسد تكون رهانات ليست فى محلها لأن الأدوات لا تصنع سياسة بل هى أداة لتنفيذ سياسات فتركيا / الإخوان لم تتجه إلى سوريا بقدراتها الذاتية بل هى تتحرك تحت سقف الاستراتيجية الأمريكية وتنفذ جزءًا فى مخطط أكبر من حجم تركيا يخدم المصالح الأمريكية.
كل القوى التى تحركت تجاه سوريا أو تراجعت عن نفوذها فى سوريا تعلم جيدا ثقل التدخل الأمريكى فالانهيار السريع لنظام الأسد لم يكن نتيجة عبقرية عسكرية للجولانى وصمت سلاح الفصائل الكردية أمام تدخل أنقرة ليس ورائه دهاء أردوغان بل قرار إنهاء حكم الأسد اتخذ فى غرف مغلقة بعيدًا تمامًا عن دمشق، وأن التخطيط العسكرى والسياسى لما يحدث فى سوريا يرافقه خطة اقتصادية وتمويلات ضخمة بالتأكيد لا يمتلكها الاقتصاد التركى فالولايات المتحدة فى هذا المستوى القريب تحاول أن تصنع فى سوريا مايمكن تسميته بالنموذج "الناجح" الضاغط على سياسات أنظمة الشرق الأوسط.
تستلزم محاولة الإلمام بتفاصيل وأحداث المشهد السورى المتلاحقة:
ــ استكمال تداعيات هذا المستوى القريب
ــ الاقتراب من المستوى البعيد وهو الأخطر والمرتبط بالصراع الرئيسى فى العالم بين الولايات المتحدة والصين.
حتى الأحلام تتغير
تجار الدين والحرب.. رؤساء وملالي
محمد هاشم يكتب: الأمن الرقمي







