«هنادي» تفقد 20 من أسرتها

محطات في تاريخ الإرهاب الإسـرائيلي.. شهادات من تحت أنقاض غزة

المهندسة ريم أحمد وأم حذيفة
المهندسة ريم أحمد وأم حذيفة


على مدار عام كامل، مارست  إسرائيل أبشع صور الإرهاب بحق المدنيين العزل فى غزة.. لم تفرق بين مقاتل ومدنى، ولم تفلح براءة الأطفال ولا استغاثات النساء والشيوخ ولا الرايات البيضاء التى رفعها الأهالى - فى كبح آلتها العسكرية التى أطلقتها بشكل هيستيرى سفكا لدماء الفلسطينيين. والعالم الذى ظل آسفا لمحرقة اليهود على يد الزعيم النازى هتلر قبل نحو ٨٠ عاما، لم يهتز أمام هذه المحرقة فى غزة.. وكانت تحركاته لوقف الحرب على استحياء ودون جدوى.

ورصدت  «الأخبار» مسار أحداث العدوان الغاشم والإرهابى فى غزة، ودققت فى التقارير الواردة عن أحداث ٣٦٥ يوما حتى الآن من العدوان وفرزت البيانات الواردة من جهات عديدة، لتنتهى بتوثيق أبرز مجازر الاحتلال لتضاف إلى سجل من الإرهاب الدموى الذى مارسه بحق الفلسطينيين حتى من قبل أن يعلن إنشاء دولته الغاصبة قبل ما يقرب من ٨٠ عاما.. هذا التوثيق هو أقل ما يقدم فى نصرة الحق والحقيقة، وقبل أن تتعرض سجلات التاريخ للتشويه والتلاعب فى وقت لاحق من إسرائيل بدعم حليفتها أمريكا، فى إطار حملات تحسين الصورة والتشويش على الذاكرة الجمعية.. وقد أظهر هذا التوثيق محورية الدعم الأمريكى لإسرائيل ودور الأسلحة الأمريكية فى إبادة شعب غزة.. ويبرز أكثر الأيام قسوة التى عاشها أهالى قطاع غزة، لعله يبقى مسجلا فى ذاكرتنا وحتى لا ننسى هذه المحرقة الإرهابية بحق أهالى القطاع.

حين يصبح مجرد سؤال أثقل من قنبلة تلقى على رئوس أبرياء فى غزة، أو بضع كلمات متراصة تنتهى بعلامة استفهام بمثابة لغم انفجر فى رأس أحد الناجين من مجازر الاحتلال داخل القطاع المحاصر... هذا حال مئات الفلسطينيين ممن كتبت لهم النجاة من العدوان الإسرائيلى الممتد على مدار عام لكن حصدت الحرب أرواح الآلاف من ذويهم سواء انتشلوا جثامينهم من تحت الأنقاض أو حالت الأوضاع دون إخراجهم من أسفل أطنان الكتل الخرسانية.

عندما تيسر للغزاوية هنادى سكيك «أم حذيفة» فتح هاتفها لم يكن قبول رسالة محملة بأسئلة أعادت لها مشاهد صعبة تلت لحظة قصف إسرائيلى جنونى طال منزلها أمرا هينا لكن ما خلفته الحرب من مشاعر فقدان وقلق وريبة جعل إجابتها الأولى مقتصرة على سيل من الأسئلة: من؟ ولماذا؟ وكيف؟... سلسلة تطمينات قصرت الطريق قليلا لتسجل هى وغيرها لـ«الأخبار» شهادات من داخل القطاع عن أزواج وأبناء وإخوة كانت بيوت غزة عامرة بضحكاتهم.

اقرأ أيضًا | عودة إلى الجنوب.. بيات شتوى إجباري لعمال وباعة شواطئ الإسكندرية

«أم حذيفة» المولودة فى عام 1976، خريجة خدمة اجتماعية فى الجامعة الإسلامية بغزة استكملت مشوارها التعليمى بماجستير دبلوماسية وعلاقات دولية، فقدت عشرين من أسرتها وبقيت وحيدة شاهدة على مجزرة للاحتلال.

بدأت «هنادى» حديثها من النهاية حين كتبت رثاء لنفسها على «فيسبوك»؛ قائلة: «قدر الله سبحانه لى بأن أعيش لأجلٍ مسمَّى عنده ولم يقدِّر لى أن أستشهد كما باقى أحبابى وسندى وفلذة كبدى.. ألا تعلمين يا هنادى أنه اصفاكِ اصطفاءً فوق اصطفائه.. ألم يمُنَّ عليكِ بإتمام حفظ كتابه فى خير الشهور.. ألم يمُنَّ عليكِ بأن جعلك أُنساً وسنداً دافئاً ويداً حانيةً ودعوةً صادقةً ومُتكأً وملاذاً فيه كل أمان الدنيا لإيمان ويحيى وعزالدين؟ سينادى عليكِ: يا هنادى ادخلى مع الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون».

«أم حذيفة» المتدرجة فى سلسلة من المناصب ذات الصبغة الإنسانية بالدرجة الأولى فى الدعم النفسى وإيواء النساء والفتيات، لا تزال تتمسك بركام منزلها فى شمال القطاع فتحته جثامين خمسة شهداء من أسرتها صامدة فى وجه محاولات التهجير.

لا تختلف أوجاع «إسراء» عن آلام «هنادى»، وإن تغير الموقع فى القطاع من الشمال إلى الجنوب حيث خان يونس، فتروى أن اثنين من أبناء أخويها كتبت لهما النجاة: ابن أخيها وابنة أختها الطفلة مريم عماد عبدالغفور التى لا تزال أسرتها تحت الأنقاض بعد قصف المنزل.

وتقول: «نجا ابن أخى - 17 عامًا - وجرى إخراجه بعد القصف مباشرة حيث كان مصابًا إلا أن جميع أهله استشهدوا، أما أبوه وأمه فلم يتمكنا من انتشال سوى جزء بسيط من جثمانيهما».

يضطر آلاف الغزيين للمشاركة فى الحفر بالأصابع والأظافر فى الكتل الخرسانية بحثًا عن ناجين، سبيلهم فى ذلك آذان تتلقى أصوات أنين الجرحى تحت الأنقاض، أو أحد الناجين من أهل البيت الملم بخريطته لتبدأ رحلة استخراج جثامين الشهداء، فى ظل غياب معدات الدفاع المدنى للحفر التى إما عُطبت بفعل استهداف الاحتلال لها أو توقفت لغياب الوقود اللازم لتشغيلها.

ريم زاهر أحمد شابة فلسطينية تبلغ من العمر (25 عامًا)، كتبت لها النجاة أيضًا من قصف إسرائيلى فى العاشر من أكتوبر 2023 استهدف منزلها، وقضت 12 ساعة تحت الأنقاض، بالقرب من والدتها الشهيدة، إلا أنها اليوم تحاول الهروب من مشاهد الماضى القريب حين سقط صاروخ على رئوس العائلة.

مشاهد صعبة للغاية زاد الظلام فيها مع بقائها على قيد الحياة أسفل الأرض بأمتار معدودة.. كتل بشرية خطفها الموت تراكمت فوق «المهندسة ريم» ربما تكون - رغم ثقلها - هى طوق النجاة لها. وتقول: «حصلت على حجر، أدق السقف. إلى أن سمعت صوت أحدهم وطمأننى بأنه سينقذنى ومن خلال حفرة أقل من نصف متر خرجت إلى الحياة».

بيانات فلسطينية وأرقام الأمم المتحدة تتحدث عن 80 ألف منزل دُمرت فى العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة، فيما ستستمر عملية إعادة بناء المنازل المدمرة حتى عام 2040 على الأقل، وقد يطول الأمر لعدة عقود، علاوة على أن إزالة 40 مليون طن من الركام الذى خلفه القصف الإسرائيلى قد تستغرق 15 عاماً. فيما قدرت وزارة الصحة الفلسطينية فى مايو الماضى أن هناك نحو 10 آلاف جثة مفقودة تحت الركام