..منذ سنوات بعيدة وتحديدا في عام 2005 اتخذت قرارًا غبيا ظهرت توابعه فيما بعد بفتح دفتر توفير في أحد مكاتب البريد وتحديدًا مكتب بريد رمسيس باعتباره الأقرب إلى مقر عملي بأخبار اليوم حيث يسهل التوجه اليه للسحب والإيداع كلما دعت الحاجة الى ذلك.
قد يتساءل احد القراء ولماذا اخترت فتح دفتر توفير في البريد وليس حسابا في أحد البنوك، وهو سؤال منطقي ووجيه.
الاجابة النموذجية أن الحد الادنى لفتح الحساب البنكي وقتها كانت ألف جنيه وهو رقم يفوق قدرتي المالية في هذا التوقيت حيث كنت حديث التعيين وفي بداية حياتي العملية، بينما الحد الادنى لفتح دفتر توفير في البريد كان مائة جنيه فقط وهو مبلغ مناسب لاستيعاب قروشي القليلة.
المهم فتحت دفتر التوفير في مكتب البريد وبدأت التعامل معه لسنوات ، وكلما توافرت معي بضعة جنيهات كنت أسارع بإيداعها في الدفتر بمنتهى السعادة.
مضت سنوات طويييييلة وأنشأت حسابًا بنكيًا في أحد البنوك الكبرى وأصبحت جميع تعاملاتي المالية من خلاله وخاصة مع سهولة السحب والايداع من أي مكان.
واقتصر تعاملي مع دفتر التوفير على التوجه كل عام إلى مكتب البريد لإضافة الارباح السنوية وهي حفنة جنيهات.
حتى هنا والامور كانت تسير بشكل طبيعي وبدون مشاكل إلى أن ابتكر احد جهابذة هيئة البريد واحدة من الافكار الجهنمية التي تهدف كالعادة لتعذيب الموطنين وتكدير صفو حياتهم، وتتلخص هذه الفكرة في أن أي حساب لا يتم التعامل عليه لمدة ستة أشهر متتالية يتم إغلاقه .. اه والله يتم اغلاقه .. حضرتك قريت صح.. يعني فلوسك ومش قادر تمد ايدك عليها .. شوفت الجبروت.
وهذا ما فوجئت به عند توجهي لمكتب بريد رمسيس وقدمت دفتر التوفير الذي لا يحتوي إلا على مبلغ زهيد تركته في الدفتر حتى يكون بعيدا عن تعاملاتي البنكية اليومية.
وفوجئت بالموظفة تقول إن الحساب مغلق، فسألتها عن السبب فأجابت ان التعليمات الجديدة تنص على إغلاق أي حساب لا يخضع لأي تعامل لمدة ستة اشهر متتالية.
سألتها عن الخطوات التي يجب علي اتخاذها لإعادة الحياة إلى الحساب الذي تم تكفينه ودفنه فقدمت لي كومة من الاوراق وطلبت مني ملئها بالكامل حتى يتم إرسالها إلى الهيئة لإعادة فتح حسابي المغلق .
وظللت لمدة ساعة كاملة أملأ الاستمارة وأوقع على أوراق بالجملة.
وبعد الانتهاء من هذه العلقة الساخنة بين كومة الاوراق أبلغوني بأنني يجب أن انتظر لمدة 15 يوما حتى يتم فك أسر حسابي وإطلاق سراح جنيهاتي الحبيسة.
كيف الحال لو كان الحساب المغلق يضم فلوس مطلوبة لعملية جراحية عاجلة أو مصاريف دراسية لأحد الابناء .. هل تنتظر الظروف الطارئة 15 يوما حتى يتم اطلاق سراح المبلغ المتحفظ عليه؟!
لا يصح أن تستمر هذه العقول في إدارة أموال ملايين المصريين بهذا الفكر الجامد الذي سيؤدي في النهاية الى تحول هيئة البريد على ايديهم الى هيئة أثرية يشار إليها من بعيد انها كانت في يوم من الايام قبلة المصريين الراغبين في ادخار اموالهم واستثمارها بشكل آمن ومريح.
حتى الأحلام تتغير
تجار الدين والحرب.. رؤساء وملالي
محمد هاشم يكتب: الأمن الرقمي






