يـوم الحسـاب

إيهاب فتحى
إيهاب فتحى


التحقيق‭ ‬الذى‭ ‬نشرته‭ ‬الديلى‭ ‬ميل‭ ‬كان‭ ‬حول‭ ‬رجل‭ ‬الدين‭ ‬الشيعى‭ ‬ياسر‭ ‬الحبيب‭ ‬الفار‭ ‬من‭ ‬الكويت‭ ‬قبل‭ ‬20‭ ‬عامًا‭ ‬بعد‭ ‬حبسه‭ ‬بتهمة‭ ‬إثارة‭ ‬الفتنة‭ ‬الطائفية‭ ‬بين‭ ‬السنة‭ ‬والشيعة‭ ‬ولم‭ ‬يجد‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬إلا‭ ‬قرية‭ ‬"فولمر"‭ ‬بالريف‭ ‬الانجليزى‭ ‬ليستقر‭ ‬بها‭ ‬ليصبح‭ ‬لقبه‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬"ملا‭ ‬فولمر"‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬الملا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬فى‭ ‬بريطانيا‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬منذ‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬بريطانيا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يحميه‭ ‬ويشجعه‭ ‬على‭ ‬فعل‭ ‬مايريد‭ . ‬

أفتتح‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬فضائية‭ ‬باسم‭ ‬"فدك"‭ ‬وظيفتها‭ ‬الوحيدة‭ ‬بث‭ ‬الفتنة‭ ‬الطائفية‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬السنة‭ ‬والشيعة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬بريطانيا‭ ‬والعالم‭ ‬وتم‭ ‬السماح‭ ‬له‭ ‬بتلقى‭ ‬التبرعات‭ ‬التى‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ملايين‭ ‬الجنيهات‭ ‬الاسترلينية‭ ‬فى‭ ‬العام‭ ‬الواحد‭ ‬وكان‭ ‬آخرها‭ ‬جمع‭ ‬مايقرب‭ ‬من‭ ‬4‭ ‬ملايين‭ ‬جنيه‭ ‬استرلينى‭ ‬لتنفيذ‭ ‬مشروعه‭ ‬الجديد‭ ‬والغريب‭.‬

حسب‭ ‬الديلى‭ ‬ميل‭ ‬قرر"ملا‭ ‬فولمر"‭ ‬هو‭ ‬وأتباعه‭ ‬شراء‭ ‬جزيرة‭ ‬"تورسا"‭ ‬غير‭ ‬المأهولة‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬ساحل‭ ‬اسكتلندا‭ ‬لتكون‭ ‬نواة‭ ‬لدولتهم‭ ‬الإسلامية‭ ‬العالمية،‭ ‬ولم‭ ‬يكتفوا‭ ‬بشراء‭ ‬الجزيرة‭ ‬فقط‭ ‬فداخل‭ ‬القرية‭ ‬الانجليزية‭ ‬الهادئة‭ ‬التى‭ ‬يقيم‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬بدأ‭ ‬أتباعه‭ ‬فى‭ ‬إجراء‭ ‬تدريبات‭ ‬عسكرية‭ ‬أمام‭ ‬أعين‭ ‬السلطات‭ ‬البريطانية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تشكيل‭ ‬جيش‭ ‬وقوات‭ ‬شرطة‭ ‬ستتولى‭ ‬إدارة‭ ‬الدولة‭  ‬الإسلامية‭ ‬القادمة‭ ‬على‭ ‬جزيرة‭ ‬"تورسا"ووجه‭ ‬دعوة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فضائيته‭ ‬للمسلمين‭ ‬بالقدوم‭ ‬إلى‭ ‬الجزيرة‭ ‬ليعيشوا‭ ‬تحت‭ ‬راية‭ ‬الإمام‭ ‬المهدى‭ ‬المنتظر‭. ‬

طوال‭ ‬فترة‭ ‬وجود‭ ‬"ملا‭ ‬فولمر"‭ ‬حاول‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬العموم‭ ‬البريطانى‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬لما‭ ‬يمارسه‭ ‬من‭ ‬أفعال‭ ‬طائفية،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬العموم‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬حاولوا‭ ‬منعه‭  ‬فانضمت‭ ‬لهم‭ ‬هيئة‭ ‬الاتصالات‭ ‬البريطانية‭ ‬لوقف‭ ‬قناته‭ ‬الطائفية‭ ‬عن‭ ‬البث،‭ ‬لكن‭ ‬السلطات‭ ‬الحقيقية‭ ‬فى‭ ‬بريطانيا‭ ‬لم‭ ‬تستجب‭ ‬لهم‭ ‬وتركت‭ ‬"ملا‭ ‬فلومر"‭ ‬يفعل‭ ‬مايريد‭ ‬رغم‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬التى‭ ‬تتلقاها‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬إسلامية‭ ‬ومن‭ ‬الجاليات‭ ‬المسلمة‭ ‬داخل‭ ‬بريطانيا‭ ‬على‭ ‬مايفعله‭ ‬هذا‭ ‬الطائفى‭. ‬

فى‭ ‬نفس‭ ‬تحقيق‭ ‬الديلى‭ ‬ميل‭ ‬تم‭ ‬أخذ‭ ‬رأى‭ ‬الباحثة‭ ‬الأمريكية‭ ‬سارة‭ ‬زعيمى‭ ‬من‭ ‬مركز‭ ‬أتلانتك‭ ‬كاونسال‭ ‬التى‭ ‬أجرت‭ ‬سابقًا‭ ‬دراسات‭ ‬عن‭ ‬"ملا‭ ‬فولمر"‭ ‬وجماعته‭ ‬وأبدت‭ ‬الباحثة‭ ‬الأمريكية‭ ‬حيرتها‭ ‬الشديدة‭ ‬من‭ ‬تصرفات‭ ‬السلطات‭ ‬البريطانية‭   ‬"من‭ ‬المحير‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬كيف‭ ‬تسمح‭ ‬سلطات‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬بمثل‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ..‬أنتم‭ ‬تجمعون‭ ‬الأموال‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنشاء‭ ‬دولة‭ ‬ذات‭ ‬سيادة‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬!َ"‭ ‬

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬حيرة‭ ‬الباحثة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ليست‭ ‬فى‭ ‬محلها‭ ‬فأى‭ ‬متابع‭ ‬لسياسة‭ ‬بريطانيا‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الـ‭ ‬19‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬سيدرك‭ ‬تمامًا‭ ‬أن‭ ‬بريطانيا‭ ‬العظمى‭ ‬سابقا‭ ‬أدمنت‭ ‬بجنون‭ ‬لعبة‭ ‬استخدام‭ ‬العامل‭ ‬الدينى‭ ‬لتحقيق‭ ‬أغراضها‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬وأنساها‭ ‬إدمانها‭ ‬أن‭ ‬سموم‭ ‬هذا‭ ‬الإدمان‭ ‬الكارثى‭ ‬قد‭ ‬تسللت‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬البريطانى‭ ‬نفسه‭ ‬وخلقت‭ ‬داخله‭ ‬تيارًا‭ ‬يمينيًا‭ ‬أشد‭ ‬تطرفًا‭ ‬ليواجه‭ ‬التطرف‭ ‬الذى‭ ‬ترعاه‭ ‬أجهزة‭ ‬المخابرات‭ ‬البريطانية‭ ‬أو‭ ‬السلطة‭ ‬الحقيقية‭ ‬المتحكمة‭ ‬فى‭ ‬القرار‭ ‬البريطانى‭. ‬

قبل‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬الإدمان‭ ‬البريطانى‭ ‬هناك‭ ‬أسئلة‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الحيرة‭ ‬لماذا‭ ‬تندهش‭ ‬الباحثة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬ترك‭ ‬بريطانيا‭ ‬المساحة‭ ‬لشخص‭ ‬طائفى‭ ‬شيعى‭  ‬يفعل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬وهناك‭ ‬على‭ ‬الناحية‭ ‬الأخرى‭ ‬فضائيات‭ ‬وتنظيمات‭ ‬الفاشية‭ ‬الإخوانية‭ ‬تمارس‭ ‬نفس‭ ‬الدور‭ ‬على‭ ‬الأراضى‭ ‬البريطانية‭ ‬وتعمل‭ ‬تحت‭ ‬نفس‭ ‬مظلة‭ ‬الحماية‭ ‬التى‭ ‬يعمل‭ ‬تحتها‭ ‬"ملا‭ ‬فولمر؟"‭ ‬

لماذ‭ ‬ا‭ ‬تندهش‭ ‬الباحثة‭ ‬ومنذ‭ ‬أربع‭ ‬عقود‭ ‬وإلى‭ ‬الآن‭  ‬تعتبر"لندنستان"‭ ‬هى‭ ‬الملاذ‭ ‬الآمن‭ ‬للإرهابيين‭ ‬وكل‭ ‬منتمى‭ ‬إلى‭ ‬التيارات‭ ‬المتطرفة‭ ‬؟‭ ‬يكفى‭ ‬أن‭ ‬الهجمة‭ ‬الإرهابية‭ ‬الدموية‭ ‬التى‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬مصر‭ ‬فى‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضى‭ ‬كانت‭ ‬تدار‭ ‬من‭ ‬لندن‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬زعماء‭ ‬الإرهاب‭ ‬الذين‭ ‬تأويهم‭ ‬المخابرات‭ ‬البريطانية‭ ‬وتوفر‭ ‬لهم‭ ‬كل‭ ‬الحماية‭. ‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬دعاية‭ ‬سوداء‭ ‬أو‭ ‬افتراء‭ ‬ضد‭ ‬الدولة‭ ‬البريطانية‭ ‬لكن‭ ‬الوثائق‭ ‬البريطانية‭ ‬نفسها‭ ‬تؤكد‭ ‬ذلك‭ ‬وقد‭ ‬نشر‭ ‬جزء‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الصفحات‭ ‬قبل‭ ‬أسابيع‭ ‬وأخطر‭ ‬ماجاء‭ ‬فيها‭ ‬المحادثة‭ ‬العاصفة‭ ‬فى‭ ‬العام‭ ‬1994التى‭ ‬دارت‭ ‬بين‭ ‬اللواء‭ ‬أحمد‭ ‬العادلى‭ ‬رئيس‭ ‬جهاز‭ ‬مباحث‭ ‬أمن‭ ‬الدولة‭ ‬وقتها‭ ‬ووكيل‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬البريطانية‭ ‬ماكفرسون‭ ‬حيث‭ ‬اتهم‭ ‬اللواء‭ ‬العادلى‭ ‬بوضوح‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬بأنها‭ ‬الملاذ‭ ‬الآمن‭ ‬للإرهابيين‭ ‬وهناك‭ ‬العشرات‭ ‬من‭ ‬الإرهابيين‭ ‬المصريين‭ ‬المدانين‭ ‬بأحكام‭ ‬جنائية‭ ‬يعيشون‭ ‬فى‭ ‬لندن‭ ‬وتحميهم‭ ‬وتعاملهم‭ ‬كلاجئين‭ ‬سياسيين‭. ‬

الحقيقة‭ ‬المؤكدة‭ ‬أن‭ ‬بريطانيا‭ ‬قبل‭ ‬قرنين‭ ‬وفى‭ ‬التسعينيات‭ ‬وإلى‭ ‬الآن‭ ‬مازالت‭ ‬ساقطة‭ ‬فى‭ ‬إدمان‭ ‬جريمتها‭ ‬باستخدام‭ ‬تجار‭ ‬الدين‭ ‬والمتطرفين‭ ‬والإرهابيين‭  ‬لتنفيذ‭ ‬أغراضها‭ ‬الاستعمارية‭ ‬ويكفى‭ ‬أن‭ ‬الكيانات‭ ‬التنظيمية‭ ‬للفاشية‭ ‬الإخوانية‭ ‬وأكشاكها‭ ‬الدعائية‭ ‬السوداء‭ ‬تلقى‭ ‬كل‭ ‬رعاية‭ ‬من‭ ‬السلطات‭ ‬البريطانية‭ ‬الفاعلة‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬بدأ‭ ‬الإدمان‭ ‬البريطانى‭ ‬لهذه‭ ‬اللعبة‭ ‬الدموية‭ ‬مع‭ ‬الخروج‭ ‬الاستعمارى‭ ‬البريطانى‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬وثروات‭ ‬الشعوب‭ ‬المستضعفة،‭ ‬وجد‭ ‬الساسة‭ ‬والمنظرون‭ ‬البريطانيون‭ ‬أن‭ ‬أفضل‭ ‬وقود‭ ‬محرك‭ ‬يطبق‭ ‬سياسة‭ ‬"فرق‭ ‬تسد"‭ ‬التى‭ ‬اتبعتها‭ ‬بريطانيا‭ ‬طوال‭ ‬تاريخها‭ ‬ضد‭ ‬الشعوب‭ ‬المستضعفة‭ ‬هو‭ ‬إشعال‭ ‬النزاعات‭ ‬الدينية‭ ‬والنعرات‭ ‬الطائفية‭ ‬ومن‭ ‬يتولى‭ ‬تحقيق‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬هم‭ ‬أبناء‭ ‬البلد‭ ‬المستعمر‭ ‬ذاته‭ ‬الذين‭ ‬يقعون‭ ‬فى‭ ‬فخ‭ ‬الاستخدام‭ ‬إما‭ ‬عن‭ ‬جهالة‭ ‬أو‭ ‬عمالة‭. ‬

يمكن‭ ‬بسهولة‭ ‬متابعة‭ ‬الآثار‭ ‬الكارثية‭ ‬للسياسات‭ ‬البريطانية‭ ‬ممتدة‭ ‬المفعول‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬عندما‭ ‬نطلع‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬شبه‭ ‬القارة‭ ‬الهندية‭ ‬مع‭ ‬الاستعمار‭ ‬البريطانى،‭ ‬أدركت‭ ‬بريطانيا‭ ‬منذ‭ ‬لحظة‭ ‬دخولها‭ ‬إلى‭ ‬الهند‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬قوتها‭ ‬العسكرية‭ ‬فى‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المساحات‭ ‬الشاسعة‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬الغنية‭ ‬بالموارد‭ ‬والعدد‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬لا‭ ‬تكفى‭ ‬فبدأت‭ ‬تطبق‭ ‬سياستها‭ ‬المدمرة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬لتعوض‭ ‬فارق‭ ‬القوة‭ ‬واستطاعت‭ ‬بريطانيا‭ ‬الاستعمارية‭ ‬لمايزيد‭ ‬عن‭ ‬قرن‭ ‬ونصف‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الثروات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إشعال‭ ‬النزاعات‭ ‬الدينية‭ ‬والطائفية‭ ‬بين‭ ‬الشعب‭ ‬الواحد،‭ ‬ولم‭ ‬ترحل‭ ‬بريطانيا‭ ‬عن‭ ‬الهند‭ ‬إلا‭ ‬وفيروس‭ ‬الفتن‭ ‬قد‭ ‬توطن‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬الأراضى‭ ‬لتقسم‭ ‬الهند‭ ‬ثم‭ ‬يقسم‭ ‬المقسم‭ ‬وتستمر‭ ‬نيران‭ ‬الفتن‭ ‬باسم‭ ‬الدين‭ ‬والطوائف‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭. ‬

عندما‭ ‬سيطرت‭ ‬بريطانيا‭ ‬بالتآمر‭ ‬والخداع‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬فى‭ ‬سبتمبر‭ ‬1882‭ ‬ظنت‭ ‬أن‭ ‬الأمور‭ ‬كلها‭ ‬دانت‭ ‬لها‭ ‬فى‭ ‬ظل‭ ‬حكام‭ ‬هم‭ ‬مجرد‭ ‬دمى‭ ‬يحركها‭ ‬المستعمر‭ ‬البريطانى‭ ‬كما‭ ‬يشاء‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬المستعمر‭ ‬الغافل‭ ‬فوجئ‭ ‬بأن‭ ‬الشعب‭ ‬المصرى‭ ‬لن‭ ‬يقبل‭ ‬هذا‭ ‬الاحتلال‭ ‬البغيض‭ ‬وتشكلت‭ ‬سريعًا‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬المصرية‭ ‬وبدأت‭ ‬تتجذر‭ ‬وتنمو‭ ‬وكان‭ ‬الانطلاق‭ ‬والفعل‭ ‬عقب‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬وبريطانيا‭ ‬فى‭ ‬ذروة‭ ‬قوتها‭ ‬وأعلى‭ ‬درجات‭ ‬زهوها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أخضعت‭ ‬أوروبا‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬ألمانيا‭ ‬لسيطرتها،‭ ‬اشتعلت‭ ‬فى‭ ‬عام‭ ‬1919بكافة‭ ‬أراضى‭ ‬مصر‭ ‬الثورة‭ ‬ضد‭ ‬الاحتلال‭ ‬لم‭ ‬يتخيل‭ ‬المستعمر‭ ‬المتغطرس‭ ‬حجم‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‭ ‬وعنفوانها‭ ‬التى‭ ‬هددت‭ ‬وجوده‭ ‬الاستعمارى‭ ‬ليس‭ ‬فى‭ ‬مصر‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬فى‭ ‬العالم‭ ‬فهى‭ ‬تعتبرالثورة‭ ‬الشعبية‭ ‬الأولى‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬البلدان‭ ‬التى‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬الاستعمار‭ ‬البريطانى‭. ‬

أدركت‭ ‬بريطانيا‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬المد‭ ‬الثورى‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬لن‭ ‬تفلح‭ ‬فى‭ ‬إخضاع‭ ‬شعب‭ ‬أراد‭ ‬الحرية‭ ‬فحاولت‭ ‬تخفيض‭ ‬حدة‭ ‬المد‭ ‬الثورى‭ ‬بإعلان‭ ‬استقلال‭ ‬مصر‭ ‬ورفع‭ ‬الحماية‭ ‬عنها‭ ‬فى‭ ‬فبراير‭ ‬1922‭ ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬الرفض‭ ‬الشعبى‭ ‬الذى‭ ‬يريد‭ ‬استقلالا‭ ‬تامًا‭ ‬،‭ ‬تأكدت‭ ‬لندن‭ ‬أن‭ ‬حربها‭ ‬الحقيقية‭ ‬ستكون‭ ‬فى‭ ‬مواجهة‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬المصرية‭ ‬التى‭ ‬لن‭ ‬تتنازل‭ ‬عن‭ ‬حرية‭ ‬غير‭ ‬منقوصة‭ ‬وسيادة‭ ‬كاملة‭. ‬

لم‭ ‬يفكر‭ ‬المستعمر‭ ‬طويلا‭ ‬وعاد‭ ‬إلى‭ ‬سياسته‭ ‬التى‭ ‬بدأ‭ ‬يدمنها‭ ‬ويطبقها‭ ‬فى‭ ‬الهند‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬التفاصيل‭ ‬لاختلاف‭ ‬طبيعة‭ ‬كل‭ ‬بلد‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭ ‬وكان‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬تطبيقها‭ ‬فى‭ ‬مصر‭ ‬هو‭ ‬ضرب‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬المصرية‭ ‬وتفتيتها،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬بدأ‭ ‬المستعمر‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬من‭ ‬يتخفى‭ ‬وراء‭ ‬قناع‭ ‬دينى‭ ‬ليشعل‭ ‬الفتن‭ ‬ويزيح‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬الساحة‭ ‬ويتحدث‭ ‬هو‭ ‬باسم‭ ‬الأمة‭ ‬ويزايد‭ ‬على‭ ‬المطالب‭ ‬الوطنية‭ ‬وهو‭ ‬فى‭ ‬حقيقته‭ ‬عميل‭ ‬وضيع‭ ‬للاستعمار‭ ‬ينفذ‭ ‬كافة‭ ‬مخططاته،‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬بريطانيا‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬تأسيس‭ ‬جماعة‭ ‬فاشية‭ ‬باسم‭ ‬الدين‭ ‬أطلقت‭ ‬عليها‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬يقودها‭ ‬رجل‭ ‬مجهول‭ ‬الهوية‭ ‬اسمه‭ ‬حسن‭ ‬البنا‭ ‬وفرت‭ ‬لها‭ ‬كل‭ ‬الدعم‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬التأسيس‭ ‬الى‭ ‬إلى‭ ‬الانتشار‭.‬

لم‭ ‬تتخل‭ ‬بريطانيا‭ ‬يومًا‭ ‬عن‭ ‬المسخ‭ ‬الإخوانى‭ ‬الذى‭ ‬صنعته‭ ‬واستخدمته‭ ‬بكل‭ ‬الطرق‭ ‬وإلى‭ ‬الآن‭ ‬فى‭ ‬محاولاتها‭ ‬الدائمة‭ ‬لتدمير‭ ‬كل‭ ‬ماهو‭ ‬وطنى‭ ‬فى‭ ‬مصر‭ ‬بل‭ ‬حقق‭ ‬لها‭ ‬المسخ‭ ‬الإخوانى‭ ‬غرضًا‭ ‬دوليًا‭ ‬آخر‭ ‬بعد‭ ‬تصنيعه‭ ‬وهو‭ ‬حماية‭ ‬نفوذها‭ ‬بالعالم‭ ‬الإسلامى‭ ‬بأسم‭ ‬الدين‭ ‬فى‭ ‬مواجهة‭ ‬المد‭ ‬الشيوعى‭ ‬عقب‭ ‬الثورة‭ ‬الروسية‭ ‬وإلى‭ ‬اليوم‭ ‬فى‭ ‬الأزمة‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬وبينهما‭ ‬حرب‭ ‬أفغانستان‭ ‬ظلت‭ ‬الفاشية‭ ‬الإخوانية‭ ‬تنفذ‭ ‬الأغراض‭ ‬الاستعمارية‭ ‬لكن‭ ‬تحت‭ ‬المظلة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بعد‭ ‬انتقال‭ ‬تبعية‭ ‬المسخ‭ ‬عقب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬إلى‭ ‬الامبراطورية‭ ‬الأمريكية‭. ‬

كان‭ ‬يمكن‭ ‬لبريطانيا‭ ‬أن‭ ‬تغلق‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬الدموى‭ ‬بعد‭ ‬غروب‭ ‬شمس‭ ‬امبراطوريتها‭ ‬وطردها‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الوطنية‭ ‬المصرية‭ ‬فى‭ ‬1956‭ ‬نتيجة‭ ‬حرب‭ ‬السويس‭ ‬لكنه‭ ‬الإدمان‭ ‬الذى‭ ‬لا‭ ‬علاج‭ ‬له‭ ‬والحقد‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬استفاقت‭ ‬من‭ ‬صدمتها‭ ‬عادت‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬ولم‭ ‬تكتف‭ ‬بالمسخ‭ ‬الإخوانى‭ ‬بل‭ ‬فتحت‭ ‬أبواب‭ ‬عاصمتها‭ ‬لندن‭ ‬وكل‭ ‬مدنها‭ ‬لتستقبل‭ ‬مسوخ‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتطرف‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شكل‭ ‬ونوع‭. ‬

نسيت‭ ‬بريطانيا‭ ‬فى‭ ‬نشوة‭ ‬إدمانها‭ ‬شعبها‭ ‬كما‭ ‬الأم‭ ‬المدمنة‭ ‬التى‭ ‬تبيع‭ ‬أبناءها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬جرعة‭ ‬المخدرات،‭ ‬فمظاهر‭ ‬التطرف‭ ‬الذى‭ ‬ترعاه‭ ‬بريطانيا‭ ‬بواسطة‭ ‬أجهزتها‭ ‬الأمنية‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الجنون‭ ‬وأصبحت‭ ‬المدن‭ ‬البريطانية‭ ‬وشوارع‭ ‬لندن‭ ‬سيركا‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭ ‬لممارسة‭ ‬هذا‭ ‬التطرف‭ ‬الذى‭ ‬قابله‭ ‬تطرف‭ ‬الشعب‭ ‬البريطانى‭ ‬ذاته‭ ‬الذى‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬فى‭ ‬مواجهة‭ ‬جنون‭ ‬صنعته‭ ‬حكوماته‭ ‬المتعاقبة‭ ‬وتديره‭ ‬مخابراته‭. ‬

ستقول‭ ‬الدعاية‭ ‬البريطانية‭ ‬الرسمية‭ ‬إن‭ ‬سبب‭ ‬العنف‭ ‬الشامل‭ ‬والدامى‭ ‬الذى‭ ‬وقع‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭ ‬ومازال‭ ‬نتيجة‭ ‬معلومات‭ ‬مغلوطة‭ ‬على‭ ‬وسائط‭ ‬السوشيال‭ ‬ميديا‭ ‬فهذه‭ ‬حجة‭ ‬المدمن‭ ‬الذى‭ ‬لايريد‭ ‬العلاج‭ ‬من‭ ‬إدمانه‭ ‬أما‭ ‬الحقيقة‭ ‬فهى‭ ‬انفجار‭ ‬الشارع‭ ‬والمواطن‭ ‬البريطانى‭ ‬ضد‭ ‬ممارسات‭ ‬حكوماته‭ ‬التى‭ ‬حولت‭ ‬بلاده‭ ‬إلى‭ ‬وكر‭ ‬للإرهاب‭ ‬والتطرف‭ ‬لترضى‭ ‬غرورها‭ ‬الاستعمارى‭ ‬الغابر‭ ‬وإدمانها‭ ‬الدموى‭ ‬برعاية‭ ‬هذه‭ ‬المسوخ‭.‬

تحولت‭ ‬بريطانيا‭ ‬أمام‭ ‬ثورة‭ ‬شعبها‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬بوليسية‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬أصيل‭ ‬لتسيطر‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬فتمت‭ ‬أكبر‭ ‬عملية‭ ‬اعتقالات‭ ‬لمواطنيها‭ ‬فى‭ ‬تاريخها‭ ‬وأسرع‭ ‬محاكمات‭ ‬فالمحاكم‭ ‬البريطانية‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬ليل‭ ‬نهاروتصدر‭ ‬الأحكام‭ ‬المباشرة‭ ‬دون‭ ‬مراجعة‭ ‬ولا‭ ‬نعلم‭ ‬موقف‭ ‬وزارتى‭ ‬الخارجية‭ ‬فى‭ ‬بريطانيا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التى‭ ‬تتدخل‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬كبيرة‭ ‬وصغيرة‭ ‬فى‭ ‬شئون‭ ‬الدول‭ ‬باسم‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬المحاكمات‭ ‬والأحكام‭ ‬سريعة‭ ‬التحضير‭. ‬

تتصور‭ ‬بريطانيا‭ ‬أنها‭ ‬سيطرت‭ ‬على‭ ‬موجات‭ ‬العنف‭ ‬الشامل‭ ‬فى‭ ‬مدنها‭ ‬وشوارعها‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العنف‭ ‬سيتحول‭ ‬إلى‭ ‬عنف‭ ‬منظم‭ ‬ضد‭ ‬أبرياء‭ ‬طالما‭ ‬استمرت‭ ‬الحكومات‭ ‬البريطانية‭ ‬فى‭ ‬إدمان‭ ‬تصنيع‭ ‬المسوخ،‭ ‬سيدير‭ ‬هذا‭ ‬العنف‭ ‬المنظم‭ ‬جماعات‭ ‬بريطانية‭ ‬يمينية‭ ‬لها‭ ‬تاريخ‭ ‬عنيف‭ ‬ممتد‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬وأتت‭ ‬سياسات‭ ‬الإدمان‭ ‬البريطانية‭ ‬لتنشط‭ ‬فيروس‭ ‬العنف‭ ‬والتطرف‭ ‬اليمينى‭ ‬المتوطن‭ ‬فى‭ ‬أرض‭ ‬بريطانيا‭. ‬

توقع‭ ‬أيلون‭ ‬ماسك‭ ‬مالك‭ ‬منصة‭ ‬أكس‭ ‬تويتر‭ ‬سابقا‭ ‬أن‭ ‬بريطانيا‭ ‬دخلت‭ ‬مرحلة‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬استدعى‭ ‬هجوم‭ ‬كير‭ ‬ستارمر‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬بريطانيا‭ ‬عليه‭ ‬نافيًا‭ ‬توقعات‭ ‬ماسك‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬توقع‭ ‬ماسك‭ ‬ونفى‭ ‬ستارمر‭ ‬جائز‭ ‬الحدوث‭ ‬لكن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬يوم‭ ‬الحساب‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬بريطانيا‭ ‬الكارثية‭ ‬فى‭ ‬صناعة‭ ‬مسوخ‭ ‬التطرف‭ ‬والإرهاب‭ ‬على‭ ‬أراضى‭ ‬الغير‭ ‬طوال‭ ‬قرنين‭ ‬دقت‭ ‬ساعة‭ ‬بدايته‭ ‬على‭ ‬أرضها‭.‬

;