فى الفكر والسياسة

مساحة للأحزاب والسياسة

د. محمد السعدنى
د. محمد السعدنى

«الإصلاح السياسى مرتبط بحركة الناس، حركة الجماهير، وحركة الأحزاب السياسية واستعدادها»، «نسعى لمنظومة سياسية قائمة على مؤسسات تحمى الدولة وتمنع استهدافها، وهنا يأتى دور الأحزاب السياسية»، «الدعم السياسى للأحزاب موجود لأنى لست طرفاً ضد، وليس ورائى حزب حاكم ينجح على ضعف الآخرين» هكذا تحدث رئيس الجمهورية فى لقائه القصير والمكثف مع رؤساء تحرير الصحف والإعلاميين على هامش زيارته لافتتاح مشروعات الفيوم الأربعاء الماضى. ثم اختتم إجاباته عن أسئلتهم التى تخص الشأن الداخلى بجملة دالة وملفتة: «البلد بلدنا كلنا». ولعلها تصلح عنواناً لمرحلة إذا ما صدق العزم لدينا جميعاً دولة، وحكومة ومؤسسات وأحزابا سياسية وقوى وطنية، موالاة ومعارضة، وإذا ما خلصت النية لحماية هذا الوطن ومقدراته، وإذا التزمنا جميعاً بهذه الرؤية التى قدمها الرئيس بكل وضوح وحسم.
وإذ قرر الرئيس بانصراف إرادته لاستكمال مؤسسات الدولة بإجراء الاستحقاقات الانتخابية، الشيوخ والنواب والمحليات، فقد دعا المفكرين والمثقفين للانخراط فى حوار بهدف الوصول إلى تصور بهذا الشأن يمكن للدولة تنفيذه. وهنا نتقدم بعدد من الملاحظات حتى لا نتأخر فى الاستجابة لمبادرة الرئيس وتضيع علينا فرصة ضمن أخريات وسابقات لم نحسن التعامل معها بالجد والتجرد والمسئولية، أو حاول البعض من المتنفذين فى المجال العام الإلتفاف عليها وتطويعها لتحقيق مصالح ضيقة تسببت فى الخصم من تجربتنا أمام عالم يرصد علينا كل شاردة وواردة.
الملاحظة الأولى جاءت فى إشارة الرئيس عن الوفاء بالاستحقاقات الانتخابية بكلمة «تحدى»، وهو محق بامتياز فيما ذهب إليه، إذ يتوجب على أحزابنا السياسية ومؤسساتنا المعنية الوصول لتوافق عام حول نظام انتخابى يضمن دينامية الحياة السياسية وحيويتها، وفتح المجال العام لمشاركة لا مغالبة، مشاركة تعطى للجماهير فرصة متكافئة للتعبير عن مصالحها بالانخراط فى العمل العام وعدم العزوف عنه، وتقطع الطريق على مسارات التوتر واليأس والإحباط. نظام انتخابى يراعى القوى النسبية للأحزاب ولا يصادرها باعتبارها صمام أمان يحصن الدولة أمام قوى التطرف والإرهاب وجيوب وامتدادات الاستهداف الخارجى وعملائه فى الداخل. الملاحظة الثانية: تخص قوى الموالاة التى لا تعمل فى إطار ما صرح به الرئيس، فتقوم باستغلال ما لها من أغلبية فى تطويع الأجندة التشريعية لمصالها، كان آخرها تعطيل إصدار قانون المحليات، ما يحول دون استحقاق انتخابى تأخر طويلاً وتسبب فى كثير من قضايا الفساد، وحرم الجماهير من أهم حقوقها فى جودة الخدمات العامة والمحلية والرقابة عليها. الملاحظة الثالثة: وهى ضرورة اضطلاع مؤسساتنا العامة بمسئولياتها حول مبادرة الرئيس للحوار، وأخص هنا وزارة الدولة للإعلام التى ينبغى أن يكون دورها فى التوجيه والإرشاد القومى بالإتاحة وتوسيع دوائر المشاركة، لا بالمنع والتضييق، وكذا المجلس الأعلى للثقافة، وأحزابنا الحقيقية الحية والقادرة على تقديم رؤى وسياسات بديلة، فعليهم جميعاً الالتئام حول دعوة الرئيس والبدء فى تقديم المقترحات والحوار للوصول لأنسب النظم الانتخابية التى تحقق صالح الوطن والمواطن، وهى لن تخرج عن العبارات التى صاغها رئيس الجمهورية وأوردناها فى صدر المقال. الملاحظة الرابعة: وبكل صراحة هى مغالاة بعض مؤسساتنا وأجهزتنا الوطنية فى إجراءات تتصور أنها حمائية للدولة واستقرارها ضد الإرهاب والانفلات، بينما المغالاة فى مثل هذه الإجراءات تقلل من مناعة النظام السياسى وتخصم من رصيده وربما تشجع على تحجيم دور الأحزاب والقوى السياسية، وهى العنصر الأساس فى امتصاص الإحباط وتنفيس الغضب ومعالجة تداعيات عدم الرضا لدى جماهير أرهقتها الأحوال، وتحدث الرئيس عن ضرورة تخفيف العبء عنها ومساعدتها. الملاحظة الخامسة: افتحوا الأبواب ولا تسدوا المنافذ، واسمعوا للمعارضة الوطنية وأحزابها الجادة، فالبلد كما قال الرئيس بلدنا كلنا.
أخيراً أتمنى أن تتلقف مؤسسة الأخبار مبادرة الرئيس للحوار، وتدعو المفكرين والمثقفين والسياسيين والأحزاب لحوار جاد، وهى صاحبة سبق فى مؤتمرها الاقتصادى الدورى الناجح، وكذا من قبل تجربتها فى منتدى الحوار لمواجهة الفتنة الطائفية الذى دعت له فى أكتوبر 2005 وكان عملاً شهدت له الدولة والجماهير.
إن مساحة للأحزاب والسياسة تسع الجميع فى عدالة وإنصاف هى سبيلنا الوحيد لأمن الوطن وسلامته. ولا تنسوا كما قال الرئيس «البلد بلدنا كلنا».