أوراق شخصية

حين يصبح الموت بطلًا!

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


جلست أتابع بشغف مشروعات تخرج طلبة المعهد العالى للسينما، دفعة 2026، التى تحمل اسم الأستاذ الدكتور محمد عزب، الذى تخرج على يديه، أجيال من مبدعى فن هندسة المناظر، والصديق الذى عرفته منذ تأسيسه قصر السينما؛ لذلك لم يكن حضورى مجرد مشاركة فى تقييم مشروعات التخرج، بل استعادة لذكريات جميلة، وفرصة للإنصات إلى نبض جيل من المبدعين، من خلال الأفكار التى اختار أن يروى بها حكاياته.

دخلت قاعة العرض وأنا أتوقع أن أشاهد أحلامًا تتجسد على الشاشة، وأفكارًا تنبض بالحياة، وتعكس شغف البدايات. لكننى خرجت منها بسؤال لا يزال يبحث عن إجابة. لم تكن المفاجأة فى المستوى الفنى لبعض الأعمال، وإن كان ذلك يستحق حديثًا آخر، وإنما فى الهاجس الذى فرض حضوره على معظم الأفلام: الموت، والفقد، والنهايات المثقلة بالحزن. كأن الخيال الجمعى لهؤلاء الشباب قد اختار أن يرى العالم من نافذة واحدة، وأن يكتب الحياة بالحبر الأسود.

ولم تكن دهشتى فردية. فقد تبادل كثير من الحضور التعليقات نفسها، بل إن عددًا من أساتذة المعهد أبدوا استغرابهم من هيمنة فكرة الموت فى أعمال شباب يخطون أولى خطواتهم نحو المستقبل. والسؤال الذى ظل يلح عليَّ: لماذا يحتل الفقد كل هذه المساحة فى وجدانهم؟ لا أتحدث هنا عن حق الفنان فى اختيار موضوعه، والموت أحد أعمق موضوعات الأدب والسينما، ومدخل للتأمل فى معنى الحياة. لكن عندما يغدو اللغة المشتركة لمعظم أفلام الخريجين، يصبح من حقنا أن نتساءل: هل نحن أمام مصادفة فنية؟ أم أننا أمام ظاهرة تكشف عن وجع أصبح أحد ملامح الوعى الجمعى لهذا الجيل؟

هل تركت سنوات القلق، والأزمات الاقتصادية، والتحولات المتسارعة، وحروبٍ وعزلةٍ عالمية، أثرها فى خيال هؤلاء الشباب؟ أم أن المنصات الرقمية، بما تروجه من سرديات قاتمة، رسخت لديهم أن الألم أكثر عمقًا من الفرح، وأن الحزن أكثر جاذبية من الأمل؟ لا أملك إجابة قاطعة. لكننى أوقن أن الأمر يستحق التوقف.

فما شهدته من أفلام التخرج لم يكن مجرد أعمال فنية، بل مرآة لوجدان جيل يحمل وجعًا أكبر من عمره. ولهذا، لم تكن أفلام التخرج هى القضية الحقيقية، بل الوجع الذى يسكن هذا الجيل، ويستحق أن نفهمه قبل أن نحاكمه.