ياسر عبد العزيز يكتب: أبوريدة.. وعقوبةُ الإحسان!

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز


هناك أمثالٌ شعبية لا تموت، لأنها لا تحكى عن زمان، بل عن الإنسان. ومن أكثرها مرارة: «خيرًا تعمل، شرًا تلقى» أو «اتقِ شرَّ من أحسنت إليه». ولأن كرة القدم ليست سوى نسخة مصغرة من الحياة، فقد أعادت إلينا الأيام هذا المثل، ولكن داخل ملاعب إفريقيا.

بعد موسمٍ خرج منه الأهلى بلا بطولة، كان طبيعيًا أن يبحث الجميع عن أفقٍ جديد. وهنا تحرك المهندس هانى أبو ريدة، رئيس اتحاد الكرة وعضو مجلس «فيفا»، بمبادرةٍ تطالب بزيادة عدد الأندية المشاركة فى بطولتى دورى أبطال إفريقيا والكونفيدرالية، مستلهمًا فلسفة كأس العالم 2026، الذى تحوّل إلى مونديال الكوكب بعد توسيع المشاركة إلى 48 منتخبًا.

المقترح لم يكن استثناءً لمصر، ولا هديةً للأهلي، بل رؤيةً لتوسيع قاعدة المنافسة فى القارة، بحيث تحصل الاتحادات الكبرى -وفقًا للتصنيف واللوائح- على مقاعد إضافية، بما يمنح البطولات الإفريقية قيمةً فنية وتسويقية أكبر.
ولو خرجت الفكرة إلى النور، لكان الأهلى أول المستفيدين، ومعه الكرة المصرية والأندية الكبرى فى المغرب والجزائر وتونس وجنوب إفريقيا.

ثم جاء رد رئيس «كاف» باتريس موتسيبي، كما تتصرف كل المؤسسات الكبرى فى العالم.. لم يقل: لا.. ولم يقل: نعم.. بل قال: الفكرة قيد الدراسة.. وهذا هو المنطق الطبيعي؛ لأن تغيير نظام بطولة قارية لا يتم بقرارٍ عاطفي، بل بدراسات مالية وتسويقية وقانونية، تمامًا كما فعل الفيفا قبل توسيع كأس العالم، وكما فعل اليويفا قبل تطوير دورى الأبطال.. لكن البعض قرأ عبارة «قيد الدراسة» وكأنها «سقوط للمبادرة»..

وهنا بدأت الملهاة.. بدلًا من توجيه الشكر لرجلٍ تحرك واجتهد وطرح فكرةً قد تمنح الأندية المصرية فرصةً إضافية مستقبلًا، انطلقت بعض الكتائب الإلكترونية فى حملةٍ لجلده، وكأن الرجل هو من أصدر القرار، أو هو من رفض المقترح.. والأغرب أن أكثر الغاضبين هم أنفسهم الذين كانت أنديتهم ستكون أول المستفيدين لو وافق «كاف» على الفكرة.

وهنا يصبح السؤال أكبر من كرة القدم:

كيف يتحول من حاول أن يمنحك فرصةً إضافية إلى متهم، فقط لأن المؤسسة التى خاطبها قررت أن تدرس اقتراحه؟
ومن الإنصاف أيضًا أن نتذكر أن هانى أبو ريدة لا يتحدث من مقعد هاوٍ، ولا يطرق أبواب الفيفا والكاف بصفة زائر. إنه اسمٌ صنع مكانته عبر سنواتٍ طويلة، حتى أصبح أحد أبرز الوجوه المؤثرة فى صناعة القرار الكروى عالميًا. وعندما ظهر فى الصورة التذكارية الرسمية لنهائى كأس العالم 2026، واقفًا إلى جوار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وبين كبار مسئولى الفيفا وقادة اللعبة فى العالم، لم يكن ذلك مجاملةً بروتوكولية، بل اعتراف بمكانةٍ اكتسبها بالخبرة والعمل. ومن يصل إلى هذه المنزلة لا يستحق حملات التشويه، بل يستحق الاحترام، سواء اتُّفق مع اجتهاده أو اختلف معه.

فالإنصاف يقول إن أبو ريدة أدى دوره كاملًا.. تحرك. واقترح.

ووضع فكرةً على طاولة الاتحاد الإفريقي.. أما قبولها أو تأجيلها أو رفضها، فليس قرارًا يملكه، بل قرار مؤسسةٍ تحكمها لوائح وإجراءات.

وفى النهاية، سيظل من السهل أن تُطلق حملةً إلكترونية، وأن تُخفى بها عثرات موسمٍ كامل، لكن الأصعب هو أن تمتلك مكانةً تسمح لك أصلًا بأن تضع فكرةً على مائدة القرار الإفريقي.

ولهذا فإن مبادرة هانى أبو ريدة لا تستحق النقد، بل تستحق التقدير، لأنها كانت محاولةً لخدمة الكرة المصرية والإفريقية، لا لخدمة نادٍ بعينه.. ويبقى المثل الشعبى حاضرًا… قد يكون أقسى ما يواجهه صاحب المبادرة، ليس رفض فكرته..

وإنما جحود أول المستفيدين منها.